في لبنان، لم يعد النقاش محصورًا في الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم، بل انتقل، وبإلحاح، إلى سؤال قانوني أكثر حساسية: من يتحمّل المسؤولية عن الأضرار التي أصابت الدولة والمجتمع والاقتصاد، وكيف يمكن بناء مسار جدي للمحاسبة وجبر الضرر؟ وقد ازدادت حدّة هذا السؤال مع التصعيد العسكري الأخير، بعد إعلان الحكومة اللبنانية في 2 آذار 2026 حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، والتأكيد أن قرار الحرب والسلم هو من صلاحية الدولة وحدها، في وقت تسببت فيه العمليات العسكرية اللاحقة بمئات القتلى وموجات نزوح واسعة داخل لبنان.
من الناحية الدستورية، القاعدة واضحة. فالمادة 65 من الدستور اللبناني تنص على أن السلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء، وأنه المرجع الذي تخضع له القوات المسلحة. والمعنى القانوني لذلك أن القرارات السيادية العليا، وفي مقدمتها استخدام القوة المسلحة وقرار المواجهة العسكرية، لا يمكن أن تُمارَس بصورة مشروعة خارج مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن أي فعل عسكري منظّم يجري خارج هذه الشرعية يثير إشكالًا دستوريًا مباشرًا، لأنه ينازع الدولة في وظيفة من أكثر وظائفها التصاقًا بمفهوم السيادة ذاته.
وهذا المبدأ لا يستند فقط إلى القانون الداخلي، بل يجد سنده أيضًا في القانون الدولي. فقرار مجلس الأمن 1701 الصادر في 11 آب 2006 دعا إلى الوقف الكامل للأعمال العدائية، وأكّد دعم بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما يتضمّن عمليًا عدم قيام سلطة مسلّحة موازية خارج الدولة، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب بدعم من اليونيفيل. وعليه، فإن حصرية السلاح والقرار العسكري ليست مجرد مطلب سياسي داخلي، بل تدخل أيضًا في نطاق التزامات لبنان الدولية كما رسمها الإطار الأممي الناظم للوضع في الجنوب اللبناني.
غير أن الإشكالية الأعمق تبدأ عند نقطة الضرر. فحين يفضي تجاوز الشرعية الدستورية، أو فتح جبهة قتال خارج القرار الرسمي للدولة، إلى تدمير أحياء وتهجير سكان وتعريض الاقتصاد الوطني لمزيد من الانهيار، فإن الأمر لا يبقى مجرد نقاش في توزيع الصلاحيات، بل يصبح مسألة مسؤولية قانونية وسياسية. والواقع الحالي يبيّن حجم هذا الضرر بوضوح: فقد تحدثت تقارير حديثة عن مئات القتلى، وعن نزوح ما يزيد على سبعمئة ألف شخص داخل لبنان، فضلًا عن الضغوط الإنسانية الكبيرة على المرافق المدنية. وهذه النتائج تفرض، من حيث المبدأ، انتقال النقاش من توصيف الأزمة إلى مساءلة المتسببين بها.
والمحاسبة هنا يجب أن تُفهم على مستويين متلازمين. المستوى الأول داخلي، ويتصل بكل من اتخذ أو غطّى أو سهّل قرارًا عسكريًا خارج مؤسسات الدولة، أو صادر عمليًا حق السلطة الشرعية في تقرير مصير السلم والحرب. فحين تُنتزع هذه الصلاحية من المؤسسات الدستورية، ثم تترتب على ذلك أضرار جسيمة على اللبنانيين، تنشأ مسؤولية سياسية ووطنية جدية، ويصبح من غير المقبول التعامل مع ما حدث كأنه مجرد «ظرف إقليمي» لا فاعل داخلي له. أما المستوى الثاني فهو خارجي، ويتصل بكل الأفعال العسكرية التي تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما عندما تمسّ المدنيين أو تثير مخاوف جدية بشأن مبدأي التناسب وحماية السكان والأعيان المدنية. وقد أثار مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في 6 آذار 2026، مخاوف قانونية بشأن أوامر الإخلاء الجماعية في لبنان من زاوية القانون الدولي.
ومن هنا، فإن المطالبة بالمحاسبة لا ينبغي أن تُختزل في شعار. فهي، قانونًا، تستلزم أولًا تثبيت مبدأ أن الدولة وحدها صاحبة القرار العسكري. وتستلزم ثانيًا فتح نقاش جدي حول المسؤولية عن النتائج، لا الاكتفاء بالسجال حول النوايا أو الشعارات. كما تستلزم ثالثًا التفكير في آليات جبر الضرر: تعويض المتضررين، وإعادة الإعمار وفق قواعد شفافة، وتوثيق الانتهاكات والأضرار، وحفظ الأدلة تمهيدًا لأي ملاحقة أو مطالبة لاحقة، سواء كانت داخلية أو دولية. إذ لا معنى للحديث عن السيادة إذا كان المواطن يُدمَّر بيته أو يُهجَّر ثم يُترك وحيدًا بلا إنصاف وبلا مساءلة.
وفي هذا السياق، تبدو الأزمة اللبنانية أزمة دولة قانون بقدر ما هي أزمة أمن. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب، ولا تحاسب من يتجاوزها، ولا تؤمّن سبيلاً فعالًا لجبر الضرر، تتحول إلى دولة ناقصة المشروعية والقدرة معًا. كما أن أي خطاب عن «المقاومة» لا يمكن أن يعفي من المساءلة متى ثبت أن نتائجه أصابت اللبنانيين في أرواحهم ومساكنهم وأرزاقهم، تمامًا كما أن الاعتداءات الخارجية لا تُعفى من المحاسبة متى ترتب عليها أذى غير مشروع بالمدنيين والبنية التحتية. فالمبدأ القانوني السليم هو أن من تسبب بالضرر يجب أن يُسأل عنه، كلٌّ ضمن موقعه وصفته وأفعاله.
خلاصة الأمر أن لبنان يحتاج اليوم إلى مقاربة قانونية مزدوجة: الأولى سيادية تعيد تثبيت أن قرار الحرب والسلم لا يملكه إلا الحكم الشرعي وفق الدستور؛ والثانية مسؤولية تقرر بوضوح أن الأضرار التي لحقت بالبلاد ليست قدرًا سياسيًا غامضًا، بل وقائع يجب أن تفضي إلى محاسبة وجبر ضرر. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إعلان المبادئ، بل بقدرتها على تحويلها إلى قواعد نافذة: احتكار شرعي للقوة، ومساءلة حقيقية، وإنصاف فعلي للمتضررين. ومن دون ذلك، يبقى النص الدستوري قائمًا، لكن الدولة نفسها تبقى معلّقة بين الشرعية النظرية والعجز العملي.

د. داني جعجع
محامٍ لبناني.
