بات الترشح، في حالات واسعة، أقرب إلى صفقة استثمارية. لا برنامج واضح، لا تصور تشريعي، لا خطة رقابية. المهم أن تفوز. أن تعبر العتبة بأي وسيلة. أن تحجز مقعدًا يوفر حصانة تحمي أعمالك القائمة، وتفتح أبوابًا لأعمالٍ لاحقة. هنا يظهر نوع من المرشحين يتقن فن العرض أكثر من فن السياسة: يشتري أصواتًا كما تُشترى السلع، يحيط نفسه بفرقة دبكة وضارب طبل، بمواكب صاخبة، بمرافقين مفتولي العضلات، بسيارة «سوبر شارج»، ببزة إيطالية وعطرٍ باريسي. المشهد مدروس بعناية: القوة، الوجاهة، الهيبة المصطنعة. السياسة تتحول إلى استعراض، والناخب يُدعى إلى مهرجان لا إلى مساءلة.
نوعٌ آخر لا يحتاج إلى الطبل، لأنه يملك مفاتيح أخرى. يستثمر نفوذه داخل بعض الأجهزة والإدارات، فيجعل الصوت الانتخابي ثمنًا لخدمةٍ أو لتدخل. إطلاق موقوف بتهمٍ ثقيلة، أو تسهيل معاملة غير قانونية، أو الضغط لتعيين مديرٍ لا يفقه الأبجدية، أو التدخل لترقيةٍ هنا أو لنقلٍ هناك. تُدار الدولة كأنها ملكية خاصة، ويُختزل القانون في عبارة: «تمون». هذا النوع يدرك أن بناء شبكة ولاءات عبر الخدمات الرمادية أجدى من أي خطابٍ عام. الصوت هنا لا يُشترى نقدًا فقط، بل يُشترى بتعليق العدالة، أو بتأجيلها، أو بتحويرها.
وثمة نوع ثالث يدخل المعترك بمالٍ وفيرٍ مصدره اقتصاد موازٍ: تهريب، تبييض أموال، أنشطة ملتبسة تُدار في الظل. المال يتقدم على الفكرة، والنفوذ يتقدم على البرنامج. وحين يصبح المموِّل هو المرشح نفسه، تتحول النيابة إلى درعٍ واقٍ لأنشطةٍ سابقة ولاحقة. هنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل في المجلس؟ بل: ماذا ستحمي؟
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى الناخب. حين يُغرى بعضهم بزجاجٍ داكن، أو سلاحٍ ظاهر، أو مرافقةٍ ومواكبة، أو خدمةٍ شخصية آنية، يصبح الصوت ورقةً في بازارٍ لا في عقدٍ اجتماعي. وحين يُقدَّم الزعيم الطائفي بوصفه «أب الطائفة» وحاميها، تُستبدل المواطنة بالولاء، ويُستبدل البرنامج بالشعار، وتُختزل الدولة في صورة رجلٍ يُعاد تلميعها كل دورة.
هل الأمر عابر؟ أم هو مقصود لأن المطلوب ليس بناء دولة، بل إدارة مزرعة تتناطح فيها الزعامات، وتُعاد فيها إنتاج التوازنات نفسها، ويُضبط فيها الصراع على إيقاع العائلات والمتنفذين، بينما تُترك فكرة القانون معلّقة بين خطابٍ نظري وممارسةٍ انتقائية؟
يبرز سؤال آخر حول الناخب. كيف يتكوّن خياره؟ أهو خيار برنامج أم خيار ولاء؟ أهو بحث عن مصلحة عامة أم عن خدمة خاصة؟ حين تُختزل المواطنة في امتياز فردي، وتُختزل الدولة في زعيم طائفي يُقدَّم بوصفه «أبًا» وحاميًا، تصبح العملية الانتخابية إعادة إنتاجٍ للمنظومة ذاتها لا مساءلةً لها.
ليست المشكلة في الأفراد فحسب، بل في البنية التي تشجّع على هذا السلوك وتكافئه. حين تُدار السياسة بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة، يتحول البلد إلى ساحة تنافس بين شبكات نفوذ، لا بين رؤى وبرامج. وحين تُستبدل فكرة الدولة بفكرة الزعامة، يصبح القانون تفاوضًا، والمؤسسات امتدادًا للعائلات والمتنفذين.
والسؤال الجوهري: هل نريد دولةً أم إدارةَ مزرعة؟ هل نريد تمثيلاً يحاسب أم حصاناتٍ تحمي؟ وهل يمكن استعادة معنى السياسة بوصفها شأنًا عامًا، لا مشروعًا خاصًا؟
إن استعادة النخب ليست حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، بل ضرورة لبناء مستقبلٍ يقوم على الكفاءة والمساءلة والبرنامج الواضح. من دون ذلك، ستبقى الانتخابات مجرّد آلية لإعادة تدوير الأزمة، لا مدخلًا للخروج منها.
بهذا المعنى ليست الأزمة في الانتخابات كآلية، بل في تفريغها من مضمونها. حين يُستبدل المشروع العام بالاستعراض، ويُستبدل القانون بالخدمة، ويُستبدل البرنامج بالحصانة، تصبح النيابة امتدادًا لمشكلة لا حلًا لها.
نحن لا نفتقد انتخاباتٍ جديدة، بل نفتقد معنى السياسة نفسه: رؤية، مساءلة، التزامًا عامًا. ومن دون ذلك، ستبقى الطبول أعلى صوتًا من البرامج، وستبقى المواكب أطول من الخطط، وسيبقى السؤال معلّقًا: هل نريد دولةً حقًا، أم نكتفي بصورةٍ عنها؟

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
