سياسة «الحسم السريع» الأميركية V/S سياسة «حياكة الزمن» الإيرانية

في عالمٍ صاغت مفاهيمه العسكرية القوى الكبرى على إيقاع “الصدمة والترويع” و”الحسم السريع”، تبدو طهران وكأنها تغرّد خارج السرب، لا عبر امتلاكها أدوات موازية لخصمها، بل عبر إعادة تعريف الزمن نفسه أداةً للقتال. فبينما تسعى العقائد الغربية إلى كسر إرادة الخصم في الساعات أو الأيام الأولى من الحرب، عبر كثافة نارية هائلة وتفوق تقني ساحق، تتعامل إيران مع المواجهة بوصفها مساراً تراكمياً طويل الأمد، حيث لا تُقاس النتائج باللحظة، بل بمنحنى الاستنزاف الممتد.

هذا التباين لا يقتصر على اختلاف في الأدوات، بل يعكس فجوة عميقة في الفلسفة العسكرية. فالعقيدة الأميركية، منذ نهاية الحرب الباردة، قامت على مبدأ السيطرة السريعة على مسرح العمليات عبر التفوق الجوي والضربات الدقيقة، بما يؤدي إلى شلّ مراكز القيادة والسيطرة لدى الخصم، وإجباره على الاستسلام قبل أن تتبلور لديه فرصة الرد. في المقابل، طوّرت إيران ما يمكن وصفه بعقيدة “الامتصاص ثم الالتفاف”، حيث يتم استيعاب الضربة الأولى، وتفكيك أثرها عبر توزيع القدرات العسكرية والبشرية، ثم الانتقال إلى مرحلة الرد غير المباشر والمتعدد الجبهات.

ضمن هذا الإطار، لا تُبنى الاستراتيجية الإيرانية على مركزية القرار العسكري التقليدي، بل على شبكة مرنة من الوحدات العسكرية المحلية والإقليمية، مع اعتمادها مفهوم الدفاع السلبي، ما يخلق حالة من “اللامركزية القتالية” التي تجعل استهداف مركز واحد غير كافٍ لإنهاء الصراع. هذه البنية الفسيفسائية تمنح طهران قدرة فريدة على تحويل أي مواجهة محدودة إلى مشهد إقليمي واسع، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك المصالح، فيصبح من الصعب على الخصم تحديد نقطة الحسم، أو حتى تعريف ساحة المعركة بدقة.

ومن الناحية العسكرية البحتة، يتجلى هذا النهج في اعتماد إيران على مزيج من الحرب غير المتكافئة، والقدرات الصاروخية المتوسطة والبعيدة المدى، والحرب السيبرانية، إضافة إلى تكتيكات الإغراق الناري عبر الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة. هذه الأدوات لا تهدف بالضرورة إلى تحقيق نصر حاسم في معركة واحدة، بل إلى إرباك منظومات الدفاع المتقدمة واستنزافها عبر تكرار الهجمات وتنوّعها، ما يفرض على الخصم كلفة تشغيلية واقتصادية متزايدة مع مرور الوقت.

في المقابل، تجد القوى الغربية نفسها أمام معضلة مركّبة. فالتفوق التكنولوجي الذي يمنحها القدرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على إنهاء الصراعات الطويلة، بل إن هذا التفوق قد يتحوّل إلى عبء حين يُستنزف في مسارح عمليات متعددة وممتدة. فتصبح الكلفة السياسية والاقتصادية للاستمرار في الحرب أعلى من كلفة الانسحاب أو التهدئة. وهنا تحديداً تتقاطع الاستراتيجية العسكرية مع البنية السياسية للديمقراطيات الغربية، التي تُحكم بإيقاع الانتخابات والضغط الشعبي، ما يجعل “الزمن” عاملاً ضاغطاً عليها، لا أداةً بيدها.

في هذا السياق، يتحوّل مفهوم “الدفاع النشط” الإيراني إلى ما يشبه هندسة لفن الصراع، حيث لا يتم السعي إلى تجنّب الحرب بالكامل، بل إلى إدارتها ضمن سقف محسوب يمنع الانفجار الشامل، ويُبقي في الوقت نفسه على مستوى دائم من التوتر والاستنزاف. هذه الإدارة الدقيقة للتصعيد تتيح لطهران الحفاظ على توازن هشّ؛ فهي لا تدخل حرباً شاملة قد تكون كلفتها وجودية، لكنها أيضاً لا تترك خصومها ينعمون باستقرار كامل.

إن التشبيه بحياكة الزمن، على غرار حياكة السجاد، يتجاوز البعد البلاغي ليصبح توصيفاً عملياً لعقيدة استراتيجية. فكل خيط، مهما بدا صغيراً أو غير مؤثر، يندمج مع غيره ليشكّل في النهاية لوحة معقّدة من النفوذ والتأثير. فالضربات المحدودة، والتحركات غير المباشرة، والضغط الاقتصادي، والرسائل العسكرية المتقطعة، كلها عناصر تُحاك ببطء، لكنها تتراكم لتنتج واقعاً استراتيجياً يصعب تغييره بضربة واحدة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الصراع؛ فمن يمتلك القدرة على البدء السريع ليس بالضرورة من يمتلك القدرة على الاستمرار، ومن يفتقر إلى الحسم الخاطف قد يمتلك، في المقابل، سلاح الوقت. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في غرف العمليات أو عبر شاشات الأقمار الصناعية، بل في قدرة الدول على تحمّل الكلفة، وإدارة الإرادة السياسية، والصمود في وجه الضغوط الداخلية والخارجية.

وفي نهاية المطاف، يتبدّى أن جوهر الصراع لا يدور فقط حول من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل حول من يفهم قواعد اللعبة على المدى الأبعد. فبين عقيدة تراهن على كسر اللحظة، وأخرى تستثمر في تشكيل الزمن، يصبح السؤال الحقيقي: من يستطيع البقاء في الميدان عندما يفقد الطرف الآخر رغبته في البقاء؟ وفي هذا الامتحان الطويل، قد لا يكون الانتصار لمن يضرب أولاً، بل لمن يبقى صامداً حين يتعب الجميع.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.