عبر القرون، لم تكن بيروت مدينة عادية في تاريخ المنطقة، بل كانت دائمًا مرآةً للتحولات الكبرى، تنهض من تحت الركام كلما ظنّ البعض أنها سقطت إلى الأبد. دمرتها الزلازل، عصفت بها الكوارث الطبيعية، وفتكت بها الحروب، لكنها في كل مرة كانت تعود، مختلفة قليلًا، لكنها حاضرة دائمًا.
اليوم، وبعد عقود طويلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والفساد المستشري، تقف العاصمة اللبنانية أمام منعطف جديد. ليس دمارًا تقليديًا هذه المرة، ولا حربًا بالمعنى الكلاسيكي، بل ما يمكن وصفه بـ”عاصفة تغيير عالمي” تتشكل ملامحها في الاقتصاد والسياسة وأنماط الحكم.
في ظل هذا المشهد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع الطبقة السياسية التي ارتبط اسمها بالفساد وسوء الإدارة أن تواجه هذه التحولات؟ أم أن هذه العاصفة ستكون أكبر من قدرتها على الاحتواء والمناورة؟
التجارب في أماكن مختلفة من العالم تشير إلى أن الأنظمة التي تتجذر فيها شبكات المصالح لعقود، نادرًا ما تتغير بإرادتها. غالبًا ما يأتي التغيير نتيجة ضغوط متراكمة، سواء من الداخل عبر حراك شعبي متواصل، أو من الخارج عبر تحولات اقتصادية وسياسية تفرض واقعًا جديدًا.
في لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. نظام سياسي هش قائم على توازنات دقيقة، اقتصاد يرزح تحت أعباء ثقيلة، ومجتمع أنهكته الأزمات المتتالية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحولات التي طرأت على الوعي العام، خصوصًا لدى فئات شابة باتت أكثر جرأة في طرح الأسئلة والمطالبة بالمحاسبة.
قد تحاول السلطة التكيّف، أو إعادة إنتاج نفسها بصيغ مختلفة، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرة المجتمع على فرض معادلة جديدة. ما يجري اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل بداية مسار قد يكون طويلًا ومليئًا بالتحديات. وبين من يراهن على استمرار الواقع، ومن يعلّق آماله على التغيير، تبقى الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف الاتجاه الذي ستستمر به بيروت هذه المرة

مارك الأعور
مغترب لبناني.
