السؤال الذي وُجِّه إلى قائد الجيش اللبناني عمّا إذا كان يعتبر حزب الله «منظمة إرهابية» كان، وبكل وضوح، امتحاناً مباشراً لحدود الصلاحية الدستورية، ولموقع المؤسسة العسكرية داخل النظام الدستوري اللبناني القائم على توازن هشّ بين السلطات والطوائف والمؤسسات.
من هذه الزاوية تحديداً فلنسأل: ماذا لو قال قائد الجيش «نعم»؟
دستورياً، لا يملك قائد الجيش، ولا أي قائد أمني أو عسكري، صلاحية تصنيف جهة لبنانية على أنها «إرهابية». هذا الاختصاص، إن وُجد، يعود حصرياً إلى السلطة التشريعية عبر قوانين واضحة، أو إلى مجلس الوزراء مجتمعاً في إطار السياسة العامة للدولة، أو إلى السلطة القضائية المختصة في حالات محددة ومبنية على أحكام نهائية.
أما المؤسسة العسكرية، فدورها محدّد بنصوص واضحة في الدستور وقانون الدفاع الوطني: حماية الوطن، الحفاظ على السلم الأهلي، وتنفيذ قرارات السلطة الشرعية. أي خروج عن هذا الإطار يُعدّ تسييساً مباشراً للمؤسسة، وانحرافاً عن مبدأ الحياد الوظيفي الذي يشكّل أحد ركائز بقائها جامعة.
ولو قال قائد الجيش «نعم»، لكان أدخل الجيش في نزاع دستوري مزدوج: نزاع مع السلطة التنفيذية التي يشارك فيها حزب الله بصفة دستورية وقانونية؛ ونزاع مع شريحة من اللبنانيين يعتبرون الحزب ممثلاً سياسياً منتخباً، بغضّ النظر عن الموقف من سلاحه.
وهذا ما كان سيؤسس لسابقة خطيرة: إعطاء المؤسسة العسكرية حق توصيف مكوّنات النظام السياسي، وهو ما يتناقض مع منطق الدولة المدنية ومع مبدأ خضوع الجيش للسلطة السياسية المنتخبة، لا العكس.
في السياق اللبناني تحديداً، لا يمكن فصل هذه المسألة عن مبدأ السلم الأهلي، الذي يُعدّ في الاجتهاد الدستوري اللبناني «قيمة دستورية عليا» غير منصوص عليها صراحة، لكنها حاكمة في تفسير النصوص وتطبيقها. أي موقف علني من قائد الجيش من شأنه تصنيف طرف داخلي كـ«إرهابي» كان سيُعدّ مساساً مباشراً بهذه القيمة، وتهديداً للاستقرار العام.
أما من حيث مصدر السؤال، فلا يمكن تجاهل طابعه الإشكالي. فالسؤال لم يصدر عن جهة لبنانية رسمية، ولا عن إطار قانوني دولي، بل عن شخصية سياسية معروفة بانحيازها المطلق لإسرائيل، الدولة التي لا تزال، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، في حالة نزاع واحتلال وانتهاك مستمر للسيادة اللبنانية. ما يجعل السؤال، في جوهره، تدخلاً سياسياً خارجياً في شؤون داخلية سيادية، ومحاولة لفرض توصيف سياسي عبر مؤسسة عسكرية يفترض أن تبقى خارج هذا الاشتباك.
رفض الإجابة بـ«نعم» لا يشكّل، من منظور دستوري، دفاعاً عن حزب الله، ولا إقراراً بشرعية سلاحه، ولا نفياً لضرورة معالجته ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، بل هو التزام حرفي بدور المؤسسة العسكرية وحدودها، وحماية لها من الانزلاق إلى موقع الخصم والحَكم في آن واحد.
وهنا لا بدّ من التذكير بأن السؤال نفسه يتجاهل حقيقة أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا مرجعاً قانونياً للدولة اللبنانية في تحديد أعدائها أو تصنيف مكوّناتها السياسية. فلبنان دولة ذات سيادة، ولو كانت سيادته منقوصة، ولا تُدار مؤسساته عبر اختبارات ولاء أو مزايدات إعلامية.
من هنا، يجب الاعتراف بأن موقف قائد الجيش هو موقف مؤسساتي بامتياز. موقف يحفظ مبدأ خضوع الجيش للدستور، لا للضغوط، ويحمي ما تبقّى من تماسك الدولة في لحظة انهيار شامل. علماً أن الدولة اللبنانية لا تحتاج إلى أسئلة استفزازية تزيد الشرخ، بل إلى احترام صارم للأدوار، والصلاحيات، والمصلحة العامة. أما تحويل المؤسسة العسكرية إلى منصة تصنيف سياسي، فليس حلاً، بل «فخاً» مؤكداً لمزيد من الانهيار.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
