الخبر الجيد، هنا، هو أنني لا أكتب عن موت حضارة أو عن قصف واسع للجسور ومحطات الطاقة في إيران – وهو أمر كان سيشكّل جريمة حرب ويدفع إيران إلى الرد بالمثل ضد جيرانها. بدلًا من ذلك، يمكنني التوقف عند وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أُعلن عنه الليلة الماضية.
لقد أُفيد أن وقف إطلاق النار تحقق بوساطة باكستان، إحدى الدول القليلة التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران. وقد نجحت باكستان كوسيط، ليس بقدر ما يعود إلى مهاراتها الدبلوماسية، بل لأن الأطراف المتصارعة كانت ترغب في هدنة لتجنّب الكلفة الاقتصادية لاستمرار القتال، أو ما هو أسوأ، اتساع نطاق النزاع. وأتوقع أن الرئيس دونالد ترامب كان حريصًا بشدة على تفادي التكاليف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي كانت ستترتب على استمرار الحرب. أما إيران، فقد سعت بدورها إلى تجنب مزيد من الدمار. كما قد تكون الصين، التي لا ترغب في أن يؤدي اتساع الحرب إلى ركود عالمي أو ما هو أسوأ، قد مارست أيضًا ضغوطًا على إيران في هذا الاتجاه.
لكن تجنب الأسوأ لا يعني تحقيق الأفضل. فحتى اليوم، ما تزال الأسئلة تفوق الإجابات عددًا. هل سيدخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ ويصمد؟ وهل سيؤدي إلى فتح فعلي لمضيق هرمز؟ كما هل سيكون هناك اتفاق سلام رسمي ودائم وشامل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي بنوده، ليس فقط في ما يتعلق بالمضيق، بل أيضًا بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، وقوة الصواريخ الباليستية الإيرانية، ودعمها للوكلاء الإقليميين، ومطالبها برفع العقوبات والتعويض الاقتصادي؟ والحال أنه ما لم يتم الإجابة عن هذه الأسئلة، فقد نشهد عودة إلى الحرب أو الدخول في وضع ملتبس بين الحرب والسلام – حالة لا هي سلام, في الواقع، ولا هي حرب.
بالطبع، سنعرف المزيد خلال الأسبوعين المقبلين، بعد انتهاء الجولة الأولى من المحادثات المقرر عقدها في إسلام آباد. وانطباعي أننا قد ننتهي إلى آلية جديدة لتنظيم تشغيل مضيق هرمز لا تمثل عودة إلى الوضع السابق. بل إن إيران ستنتهي بالحصول على دور أكبر. والسؤال الرئيسي سيكون مدى محدودية هذا الدور، وإلى أي حد سيتم تقاسمه مع دول المنطقة ومع الدول التي تعتمد على المضيق. ثم هناك سؤال مرتبط بذلك يتعلق بحجم الرسوم أو التعرفة المفروضة على استخدام المضيق، وكيف سيتم تقاسم هذه العائدات وإنفاقها.
أما السؤال الكبير الآخر، فيتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. إذ هناك فجوة هائلة بين الدعوة الأميركية إلى ما يشبه إنهاء البرنامج ذاك فعليًا، وما ستكون إيران مستعدة لقبوله. ويبدو أن هناك احتمالين ممكنين: الأول، وهو الأكثر تفضيلًا، يتمثل في التوصل إلى اتفاق تفاوضي جديد يضع سقفًا مفتوح الأمد للأنشطة الإيرانية المسموح بها، ويؤسس آلية صارمة للرقابة والتفتيش لضمان الالتزام بهذا السقف. وهذا سيتطلب من الولايات المتحدة وإيران على حد سواء التراجع عن مطالبهما القصوى. ومن شبه المؤكد أن تخفيف العقوبات الاقتصادية سيرتبط بقبول إيران لمثل هذه القيود النووية، وقد يشكّل حافزًا مهمًا لذلك.
أما البديل، فيتمثل في ترتيب غير رسمي، تقوم فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بإبلاغ إيران بما يمكن أن تتسامحا حياله في ما يتعلق بأنشطتها النووية، مقرونًا بتحذيرات من عمل عسكري إذا تجاوزت إيران هذه الحدود. لكن تكمن العيوب الواضحة لهذا البديل في أمرين: أولًا، لن تكون هناك عمليات تفتيش ميدانية؛ وثانيًا، قد نشهد ضربات عسكرية متقطعة يمكن أن تؤدي إلى تجدد القتال.
كذلك، من غير الواضح ما إذا كان من المتوقع أن تتناول المفاوضات بشكل صريح مستقبل برامج إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة، ولا دعم إيران للوكلاء الإقليميين. ومن المؤكد أن هذا الأمر سيكون مصدر قلق كبير لإسرائيل، التي سترغب في الاحتفاظ بحق تنفيذ ضربات وقائية أو استباقية أو انتقامية بحسب ما تراه مناسبًا، وهو موقف عبّر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد وقت قصير من إعلان وقف إطلاق النار. كما أن القتال في لبنان يسبب بالفعل مشكلات لوقف إطلاق النار (ولفتح المضيق)، وقد يشكّل عقبة أمام توقيع أي اتفاق أو أمام استمراره على المدى الطويل. وقد تُدخل هذه الظروف أيضًا مصدر توتر كبير في العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية.
فكرة أخيرة: إن الضغوط والاعتبارات نفسها التي أدت إلى وقف إطلاق النار من المرجح أن تعمل أيضًا ضد استئناف القتال على نطاق واسع. إذ لا يخدم تصعيد يشمل قوات برية أميركية، أو هجمات على البنية التحتية المدنية الإيرانية، و/أو ضرب منشآت معالجة المياه أو المصافي أو مراكز البيانات في الدول المجاورة، مصالح أي طرف. لكن تحويل هذا الإدراك إلى اتفاق ملزم وشامل ودائم سيبقى مهمة بالغة الصعوبة. أما البديل — الذي جرى التلميح إليه أعلاه — والمتمثل في تفاهمات غير رسمية مدعومة بالتهديد باستخدام القوة، فسيجعل مستقبل المنطقة أكثر قتامة وخطورة إلى حد كبير.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
