من اللافت أن ردّ فعل إيران على حصار مضيق هرمز حتى الآن جاء محدوداً نسبياً. ويشير ذلك، في تقديري، إلى أن الاقتصاد يشكّل نقطة الضعف الأساسية في بنية النظام الإيراني. وقد كان هذا الضعف قائماً قبل اندلاع الحرب، فيما أدّت الحرب، ومن ثم الحصار، إلى تفاقم وضع اقتصادي سيّئ أصلاً. كل ذلك يعزّز قناعتي بأن الخيار الأكثر حكمة كان يتمثّل في تشديد الضغوط الاقتصادية بدلاً من الانخراط في عمل عسكري ضد إيران، لكن ذلك موضوع آخر.
الواقع الأساسي اليوم هو أن لا الولايات المتحدة ولا إيران ستستفيدان من استئناف القتال. لقد استُنزفت الأهداف إلى حدّ بعيد، وكان يفترض بإدارة ترامب أن تدرك الآن أن القصف لن يدفع إيران إلى الاستسلام، كما أنه لن يؤدي إلى تغيير النظام.
أما إيران، فقد أثبتت بالفعل قدرتها واستعدادها لتعطيل حركة الملاحة وتهديد البنية التحتية للطاقة لدى جيرانها. غير أن تنفيذ مثل هذا التهديد في هذه المرحلة سيؤدي إلى تدمير بنيتها التحتية للطاقة هي نفسها، ما يجعل أي تعافٍ اقتصادي أمراً شبه مستحيل. كذلك، فإن إغلاق مضيق باب المندب عبر تحرّك عسكري حوثي يظل خياراً مطروحاً، لكنه لن يفيد الاقتصاد الإيراني هو الآخر.
ثمة أيضاً مؤشرات على أن الصين، التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز ليس فقط من إيران بل من المنطقة بأسرها، لا ترغب في توسيع نطاق الحرب في هذه المرحلة. وفي ما يتعلق بالحصار، تكتفي بكين بالتنديد، لكنها على الأرجح لن تتحداه بشكل مباشر. بل تشير تقارير إلى أن وزير خارجيتها المخضرم، وانغ يي، تدخّل لدى نظيره الإيراني، داعياً إلى إبقاء المضيق ممراً مائياً مفتوحاً.
كل ذلك يوحي بأن تمديد الهدنة الحالية لمدة أسبوعين أمر مرجّح، وكذلك استئناف المفاوضات المباشرة. وينبغي أن تكون الأولوية الأميركية في هذه المحادثات إعادة فتح مضيق هرمز (والإبقاء على باب المندب مفتوحاً) بشروط مقبولة. فهذه الممرات لا يمكن أن تبقى مغلقة أمام العالم نظراً لتأثيرها العميق على الاقتصادين الإقليمي والعالمي. والحال أن حصار مضيق هرمز هو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية بحد ذاته. وإذا أمكن إنجاز إعادة فتح المضيق عبر السماح للدول المطلة بفرض رسوم عبور معتدلة، مبرَّرة بحاجات الأمن ومخاطر التلوث النفطي، فليكن ذلك.
أما الملف النووي، فيمكن تأجيله، ليس لأنه غير مهم—فهو كذلك بلا شك—بل لأنه ملف مزمن لا يشكّل أزمة عالمية ملحّة بالقدر الذي تمثّله المضائق، إلا إذا أقدمت إيران على خطوات تتعلق باستخدام مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصّب أو إعادة تفعيل أنشطة التخصيب. ويمكن ردع مثل هذه الخطوات عبر الإشارة إلى أنها ستُعد خرقاً للهدنة وسيتم التعامل معها عسكرياً.
بطبيعة الحال، قد يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي، لكن نجاحه يتطلب معالجة مسألتين أساسيتين: المخزون الحالي من اليورانيوم المخصّب، والأنشطة النووية المستقبلية.
ويمكن التعامل مع المخزون بإحدى طريقتين: إما إخراجه من البلاد أو تخفيف درجة تخصيبه إلى مستوى أدنى، على أن يتم ذلك تحت إشراف دولي.
أما في ما يتعلق بالأنشطة المستقبلية، فتشير تقارير إلى استعداد إيران لقبول تجميد التخصيب لمدة خمس سنوات، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تجميد يمتد لعشرين عاماً أو حتى إلى حظر دائم. ومن المستبعد أن تقبل إيران بحظر دائم، كما أن أي تجميد مؤقت يثير إشكالية ما سيحدث عند انتهاء مدته.
ثمة صيغة بديلة تتمثل في السماح لإيران بتخصيب كمية محددة من اليورانيوم عند مستويات منخفضة جداً. فهذه الصيغة تعترف بـ”حق” إيران في التخصيب، من دون أن تقرّبها من امتلاك سلاح نووي، مقابل وضع سقوف دائمة تخضع للرقابة. كما يمكن تحفيز إيران على القبول باتفاق نووي عبر تقديم مستوى معقول من تخفيف العقوبات.
كما يتضح مما سبق، فإن أي اتفاق سيتطلب قدراً من التنازل من جانب الولايات المتحدة. فالحرب لم تضعها في موقع يمكّنها من فرض شروطها. لذلك ينبغي تقييم أي اتفاق محتمل ليس بالمقارنة مع سيناريو مثالي متخيّل، بل في ضوء البديل الواقعي في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
وبناءً عليه، من غير الواقعي الاعتقاد بأن اتفاقاً تفاوضياً يمكن أن يعالج جميع جوانب القدرات العسكرية التقليدية لإيران، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والطيران والقدرات البحرية. كما سيكون من الصعب—إن لم يكن مستحيلاً—صياغة اتفاق يحدّ من دعم إيران لوكلائها. وسيكمن التحدي في بلورة سياسة يمكن لإسرائيل التعايش معها، بما لا يدفعها إلى اتخاذ خطوات تهدد الهدنة الأوسع أو الاتفاقات المتعلقة بالمضائق والملف النووي. فوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان شيء، أما وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله فهو أمر مختلف تماماً.
مع ذلك، تبقى هناك فرصة غير ضئيلة لتجنب تجدد القتال والتوصل إلى اتفاق مقبول. وإذا بدا هذا التقييم أكثر تفاؤلاً من المعتاد، فذلك لأنه بالفعل كذلك. إذ ثمة منطق يدفع كلّاً من الولايات المتحدة وإيران إلى تجنب جولة جديدة من الحرب والسعي إلى التفاهم. غير أن المنطق والتاريخ لا يسيران دائماً جنباً إلى جنب. وما يزيد المشهد تعقيداً وجود رئيس أميركي متقلّب، ورئيس وزراء إسرائيلي يبدو مصمّماً على مواصلة الحرب، وقيادة إيرانية أكثر تشدداً ولا تزال في طور تحديد مراكز القرار داخلها.
اللحظة التي تصبح فيها الاتفاقات ممكنة هي تلك التي تتوافر فيها قيادة مستعدة وقادرة على تقديم التنازلات. وسنكتشف قريباً ما إذا كان هذا النزاع قد بلغ تلك اللحظة.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
