إن دونالد ج. ترامب يحب لقب “PEACE MAKER” صانع السلام بشكل مفرط، ويلوّح به في كل مقابلة تقريباً، وفي كل لقاء سياسي، ويدّعي أنه منذ انتخابه لولاية ثانية، أنهى 7 أو 8 حروب.
لكن “PEACE Make“ كان أيضاً اسم مسدس من طراز كولت 45 – وهو نموذج مبتكر في القرن التاسع عشر، كان فعالاً جداً في “حل النزاعات” في الغرب الأميركي المتوحش. ولتحقيق السلام، حسبما يتبيّن، يجب أحياناً اتّباع سياسة حرب، أو تنفيذ أعمال عسكرية – وهذا بالضبط ما أظهره ترامب في فنزويلا، بعد أن حذّر “الديكتاتور” نيكولاس مادورو مسبقاً، الذي رفض تنفيذ إرادة الناخبين في بلده.
وبذلك، يعود ترامب إلى “مبدأ مونرو” القديم، الذي اعتبر أميركا اللاتينية منطقة يجب أن تكون الهيمنة الأميركية فيها حاسمة –“الفناء الخلفي” الذي يُمنع على القوى المنافِسة السيطرة عليه. وكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في تغريدة: إن مادورو ليس رئيس فنزويلا، ونظامه ليس الحكومة الشرعية؛ مادورو يقود “كارتل دي لوس سوليس” – منظمة مخدرات- “إرهابية” استولت على دولة، وهو متهم بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن عملية انتقال الحكم لم تكتمل بعد. صحيح أن هناك احتمالاً كبيراً لتولّي ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة جائزة نوبل للسلام وزعيمة المعارضة، الحكم، على الأقل في فترة انتقالية، بعد فوز المعارضة بقيادتها في الانتخابات (على الرغم من أن مادورو منعها شخصياً من الترشح)، إلّا إن “الديكتاتور” حالَ دون تسليم السلطة؛ وربما تحاول جهات أُخرى داخل نظام مادورو، إذا نجحت في الحفاظ على السيطرة على مراكز القوة والجيش، الاستمرار في الحكم.
تداعيات تغيير الحكم
إن تغيير الحكم في فنزويلا يحمل تداعيات عميقة على الصراع الجيو-استراتيجي بين المحور الصيني، الذي تنتمي إليه إيران، والمحور الأميركي-الغربي. وعملياً، كانت فنزويلا قاعدة صينية: إلى جانب العناصر التجارية وتوريد النفط بشكل مستمر إلى الصين (نحو 90% من نفط فنزويلا يُباع للصين، في مقابل استثمارات وقروض)، وآبار نفط جرى تأميمها من شركات أميركية – كانت أيضاً قاعدة استخباراتية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
لكن الأهم من ذلك أن فنزويلا كانت القاعدة الأقوى والأكثر هيمنةً للحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وحتى “حماس”، والقاعدة “إلإرهابية” التي تم منها التخطيط والتوجيه لهجمات. إحدى هذه الهجمات وقعت قبل نحو نصف عام – محاولة اغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك عينات كرينتس – نيغر؛ حينها، كشف الموساد المخطط، وأُحبط الهجوم بالتعاون مع أجهزة الأمن المحلية.
وإلى جانب نشاط الحرس الثوري وإيران وحزب الله، عملت من فنزويلا أيضاً شبكات جريمة دولية استُخدمت لتمويل النشاطات، ولتبييض الأموال، وانخرطت هذه الشبكات في زراعة وتجارة المخدرات وتهريبها إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة، فضلاً عن الإتجار بالبشر وتجارة السيارات المسروقة وتجارة السلاح. وشكلت القاعدة في فنزويلا منصة لهذه المنظمات لنشاط دولي واسع، والأمل بأن يعمل النظام الجديد الذي سيُقام على محاربتها.
الرسالة إلى إيران
بالعودة إلى “PEACE MAKER“، أثبت ترامب فعلاً في الماضي، وبطريقة مفاجئة، أنه يعرف كيف يطلق النار – وليس فقط كيف يهدد. حدث ذلك عندما دمرت قاذفات B-2 أميركية، مزودة بقنابل خارقة للتحصينات، أجزاء كبيرة من المنشأة النووية في فوردو خلال الحرب بين إيران وإسرائيل في حزيران/يونيو.
وكانت قضية إيران الأولى على جدول الأعمال خلال لقائه رئيس الوزراء نتنياهو، فيما يتعلق بالبرنامج النووي، الذي يدّعي ترامب أن النظام يحاول إحياءه، وبمشروع الصواريخ الباليستية. الاحتجاجات في إيران تتصاعد، وحذّر ترامب النظام بشكل فعلي من إيذاء المتظاهرين. إن خطف مادورو في فنزويلا هو أكثر من مجرد إشارة إلى النظام في طهران – بل رسالة، مفادها بأن هذا الرئيس لا يتردد في استخدام القوة عند الحاجة.
في إسرائيل، ينظرون إلى ما جرى في فنزويلا بارتياح كبير، على أمل أن تكتمل الخطوة ويتم استبدال النظام بالكامل، واستعراض القوة. هذا مشجع ويُظهر أن حاجز سياسة عدم التدخل الأميركية لم يعُد قائماً – وأن العمل ضد إيران ممكن فعلاً.
وزير الخارجية جدعون ساعر قدّم الرد الرسمي: “إسرائيل ترحب بعملية الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب، التي تصرفت كقائدة للعالم الحر. في هذه اللحظة التاريخية، تقف إسرائيل إلى جانب الشعب الفنزويلي المحب للحرية، الذي عانى تحت حكم مادورو غير الشرعي”، وأضاف: “إسرائيل ترحب بإزاحة “الطاغية” الذي يقف على رأس شبكة مخدرات و”إرهاب”، وتأمل بعودة الديمقراطية إلى الدولة، وبعلاقات صداقة بين البلدين. يستحق شعب فنزويلا أن يحقق حقه الديمقراطي، وتستحق أميركا الجنوبية مستقبلاً خالياً من محور المخدرات و”الإرهاب” إذا رغبت في ذلك”.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
