اتفاق تحت النار… سلام هشّ يعقب حرباً بلا منتصرين

تحليل – خاص «بيروت 2030»

جاء الإعلان عن اتفاق السلام الجديد، الذي خيّم على أروقة البيت الأبيض، ليعكس رغبة واضحة في استبدال النزاعات العسكرية المباشرة والمطوّلة باستعراضات سياسية–دبلوماسية، يُراد لها أن تبدو قادرة على حسم الملفات العالقة. ومع توجّه الأطراف نحو توقيع هذا الاتفاق لإنهاء حالة الحرب مع إيران، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى استدامة هذا المسار، ومستقبل التوازنات في المنطقة.

ومع ذلك، فإن أي اتفاق سلام يُبنى في ظروف معقّدة كهذه، يحمل في جوهره بذور الهشاشة. فالصيغة المرتقب توقيعها في جنيف لا تمثّل تسوية نهائية وشاملة، بقدر ما تشكّل امتداداً لتهدئة مؤقتة، تهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، مقابل فتح باب المفاوضات مجدداً حول الملف النووي الشائك، والالتزام بجدول زمني لرفع العقوبات تدريجياً عن طهران. إن اللجوء إلى هذا المسار الدبلوماسي يعكس، في جوهره، اعترافاً ضمنياً من القوى الدولية بفشل خيار الحسم العسكري الشامل، وبكلفته الباهظة.

على الجانب الآخر من المشهد، تبرز ملامح عدم الرضا لدى أطراف إقليمية وازنة. فالحكومة الإسرائيلية ترى في هذا الاتفاق، ولا سيما البند المتعلّق بوقف العمليات المتبادلة بينها وبين حزب الله في لبنان، تراجعاً لا يخدم مصالحها الأمنية بعيدة المدى. وفي ظل التجاذبات السياسية الداخلية والانتخابات الوشيكة، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً وانتقادات حادّة من معارضيه، الأمر الذي قد يدفع باتجاه تجدّد العمليات العسكرية إذا ما استمرّت هواجس تل أبيب بشأن إعادة تسليح حزب الله شمال نهر الليطاني.

إن هذا الاتفاق ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة الاضطرابات المزمنة التي تحيط بمضيق هرمز. وبينما تنطلق جولات الحوار حول البرنامج النووي، تظلّ المساحة واسعة أمام سوء الفهم والنزاعات المتبادلة. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو الدخول في مرحلة من الاسترخاء الحذر للتوترات، تتخلّلها نوبات متفرقة من التصعيد، من دون أن يفضي المشهد إلى انتصار مطلق لأي طرف من أطراف الصراع.

أما في واشنطن، فتبدو خيبة الأمل واضحة لدى التيارات المتشدّدة التي كانت تراهن على إحداث تغيير جذري في هيكل النظام الإيراني أو تفكيك ترسانته النووية بالكامل، وهو هدف يبدو اليوم بعيد المنال. وفي المقابل، ينظر المحافظون في طهران بريبة شديدة إلى بنود الاتفاق، خشية أن يؤدي تجميد الأصول والحدّ من النفوذ الإقليمي إلى إضعاف أوراق القوة الاستراتيجية التي تمتلكها البلاد. وقد تُرجم هذا الاستياء داخلياً عبر تظاهرات محدودة في العاصمة ومدن أخرى، رُفعت خلالها شعارات تنتقد الدبلوماسية الرسمية وممثليها في المفاوضات. وبالتوازي مع ذلك، يواجه الاتفاق في واشنطن معارضة من مشرّعين يرون أن الإدارة قدّمت تنازلات مجانية تتعلّق بأمن الملاحة ورفع العقوبات مقابل وعود غير مضمونة، ما قد يفتح الباب أمام مواجهات سياسية داخل الكونغرس لإعاقة تمريره.

وبالانتقال إلى ضفّة الخليج، تتباين القراءات وتبدو متشابكة إلى حدّ كبير. فدول المنطقة، كالمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، تحتاج بشكل ملحّ إلى استقرار مستدام يضمن تدفّق الصادرات النفطية وحرية الملاحة الدولية. ومع ذلك، فإن سلاماً هشّاً، تشوبه صراعات بالوكالة أو تهديدات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، لن يكون كافياً لتبديد مخاوف المستثمرين أو طمأنة الأسواق العالمية وقطاعات السياحة والخدمات.

وعليه، مهما بلغت براعة واشنطن في تحويل التعثّر إلى إنجاز، فإن الحكم النهائي على هذا الاتفاق لن يصدر من غرف التفاوض ولا من المؤتمرات الصحافية، بل من الميدان نفسه. فإذا نجح في فرض هدوء طويل الأمد، سيسجَّل كنقطة تحوّل تاريخية في المنطقة. أما إذا عادت الجبهات إلى الاشتعال، فسينضم إلى قائمة طويلة من الاتفاقات التي وُقّعت بالحبر وسقطت تحت وقع النار.

وبين هذين الاحتمالين، يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق دقيق، مترقّباً ما إذا كان هذا الاتفاق بداية عصر جديد، أم مجرّد استراحة قصيرة تسبق الجولة التالية من الصراع.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.