ماري تيريز عبد المسيح… حين يصبح النقد مشروعًا حضاريًا

ليست قيمة الجوائز في لحظة الإعلان عنها فقط، بل في الأسماء التي تمنحها هذه الجوائز معناها الحقيقي. فبعض الشخصيات حين تُكرَّم لا يكون التكريم احتفاءً بفرد، وإنما اعترافًا بمشروع فكري كامل، وبمسيرة طويلة من البحث والتعليم والإنتاج المعرفي. ومن هذا المنطلق أقرأ فوز الدكتورة ماري تيريز عبد المسيح بجائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 2026؛ فهو ليس مجرد تتويج لأستاذة بارزة في الأدب الإنجليزي والأدب المقارن، بل هو احتفاء بنموذج المثقف الذي جعل من المعرفة رسالة، ومن النقد وسيلة لفهم الإنسان والعالم.

منذ سنوات أتابع كتابات الدكتورة ماري تيريز عبد المسيح باللغة الإنجليزية، ولا سيما دراساتها المتعلقة بالعولمة، والأدب المقارن، والعلاقات بين الثقافات. وما جذبني إليها لم يكن فقط عمقها الأكاديمي، بل ذلك التوازن النادر بين الانتماء والانفتاح. فهي لم تنظر إلى الهوية باعتبارها جدارًا يفصلنا عن الآخرين، ولم تر في التواصل مع العالم ذوبانًا للذات، بل آمنت بأن الثقافة الحية هي التي تدخل الحوار وهي واثقة من نفسها.

وهنا تكمن أهمية مشروعها النقدي؛ فهي لم تتعامل مع الأدب المقارن بوصفه مقارنة شكلية بين نصوص تنتمي إلى لغات مختلفة، بل بوصفه مساحة لفهم كيفية تشكل الثقافات وتفاعلها. ففي كتابها “الثقافة القومية بين العالمية والعولمة” تنطلق من سؤال جوهري: كيف يمكن للثقافة المحلية أن تدخل فضاء العالمية من دون أن تفقد خصوصيتها؟ وهي لا تجيب عن هذا السؤال بالانغلاق أو برفض الآخر، بل تؤكد أن الثقافة التي تعرف جذورها هي الأقدر على الحوار مع الثقافات الأخرى.

ومن هذا المنطلق يصبح الأدب المقارن، في رؤيتها، أكثر من فرع أكاديمي؛ إنه مشروع للتقارب الإنساني. فالأدب ليس مجرد نصوص منفصلة عن التاريخ والمجتمع، بل هو تعبير عن تجارب بشرية تتقاطع وتتفاعل. ولذلك كانت ترى أن مهمة الناقد لا تقتصر على شرح النصوص، بل تمتد إلى الكشف عن علاقاتها بالتحولات الفكرية والحضارية التي أنتجتها.

لقد أدركت الدكتورة ماري تيريز مبكرًا أن مشكلة الثقافة العربية ليست في غياب الإبداع، وإنما في ضعف حضور هذا الإبداع عالميًا. ولهذا لم تكتف بقراءة الأدب المصري والعربي داخل اللغة العربية، بل اختارت أن تكتب بالإنجليزية أيضًا، انطلاقًا من إحساسها بمسؤولية الناقد في تقديم الأدب المصري للعالم بالصورة التي تليق به.

فالأدب المصري، في رؤيتها، يمتلك ثراءً خاصًا نابعًا من تنوعه التاريخي والثقافي؛ من تداخل الفصحى والعامية، ومن حضور التراث والحداثة، ومن قدرة الكاتب المصري على تحويل الحياة اليومية بتفاصيلها الاجتماعية والإنسانية إلى مادة جمالية. ولذلك كانت تحذر من تراجع الدراسات النقدية التي تقدم هذا الأدب بلغات أخرى، لأن غياب الصوت النقدي قد يؤدي إلى غياب الأدب نفسه عن كثير من المحافل العالمية.

واللافت في مشروعها أنها لم تقع في فخ تحميل الآخر مسؤولية كل إخفاقاتنا. لقد طرحت سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا فعلنا نحن للتعريف بأدبنا؟ وهل قمنا بما يكفي لترجمة أعمالنا وإدخالها في المناهج والجامعات العالمية؟ هذه الدعوة إلى مراجعة الذات تكشف عقلًا نقديًا حقيقيًا، لأن النهضة لا تبدأ باتهام العالم، بل تبدأ بإصلاح أدواتنا في التواصل معه.

ومن أبرز القضايا التي دافعت عنها أيضًا قضية الترجمة واللغات الأجنبية. فهي لا تراها أدوات تقنية فقط، بل جسورًا حضارية. وقد استندت إلى تجارب التاريخ العربي نفسه، حين ازدهرت الحضارة العباسية بفضل حركة الترجمة، وحين أصبحت الأندلس مركزًا للمعرفة بسبب انفتاحها على الثقافات. فالحضارات الواثقة من نفسها لا تخشى التفاعل، بل تجعل من الحوار وسيلة للنمو والتجدد.

وفي زمننا الحالي، تبدو أفكارها أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فعندما تحدثت عن أن العالم يُقاس بمن ينتج المعرفة، كانت تشير إلى التحول الأساسي في مفهوم القوة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لم تعد مكانة الأمم مرتبطة فقط بما تملكه، بل بما تنتجه من أفكار وأبحاث وابتكارات. ولهذا فإن الدفاع عن الفلسفة واللغات والعلوم الإنسانية ليس دفاعًا عن مجالات هامشية، بل عن قدرة الإنسان على فهم ذاته وبناء مستقبله.

كما أن قيمة تجربتها لا تكمن في كتبها فقط، بل في دورها الأكاديمي الممتد لأكثر من أربعة عقود. فقد أسهمت في تعليم أجيال من الطلاب والباحثين، ورسخت فكرة أن الجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات فحسب، بل فضاء لصناعة العقول. فالأستاذ الحقيقي لا يترك مؤلفات فقط، بل يترك طريقة في التفكير ومنهجًا في النظر إلى العالم.

وربما كان السؤال الذي بقي يرافقني وأنا أقرأ مشروع ماري تيريز عبد المسيح هو: هل استطاعت مؤسساتنا الثقافية أن تواكب هذا النوع من التفكير المنفتح الذي تدعو إليه؟ فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود أسماء كبيرة أو إنتاج دراسات رائدة، بل في قدرة الثقافة العربية على تحويل هذه المشاريع الفردية إلى تيار عام. فالمثقف مهما بلغ عطاؤه لا يستطيع وحده أن يعوض غياب المؤسسات القادرة على الترجمة والنشر والتواصل العالمي. ومن هنا تصبح قيمة هذا التكريم أكبر من مجرد الاحتفاء؛ لأنه يذكرنا بالفجوة بين وجود العقول المبدعة وبين البيئة التي تمنحها القدرة على التأثير.

وحين نتحدث عن هذا الإرث الثقافي، لا يمكن أن ننسى أن مصر التي أنجبت هذه النماذج ما زالت تحمل تقليدًا عريقًا في صناعة الفكر. فمن أرض طه حسين، الذي جعل من العقل والحرية أساسًا للنهضة، ونجيب محفوظ الذي نقل الرواية العربية إلى العالمية، وأحمد أمين الذي جمع بين التحقيق العلمي والكتابة الحضارية في مشروعه الفكري، ومحمود تيمور الذي أسهم في ترسيخ فن القصة، تواصل الثقافة المصرية إنتاج أصوات تؤكد أن المعرفة جزء من هوية الأمة.

إن ماري تيريز عبد المسيح ليست مجرد اسم جديد في قائمة المكرمين، بل امتداد لهذا الخط الثقافي الذي يرى في الفكر قوة، وفي الأدب جسرًا بين البشر، وفي النقد وسيلة لفهم الذات والآخر. لذلك فإن تكريمها هو تكريم لكل باحث يعمل بصمت، ولكل أستاذ يؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.

وحين تُكرَّم المعرفة، فإن الأمة لا تحتفي بالماضي فقط، بل تراهن على المستقبل. فالدول العظيمة لا تُقاس بما تبنيه من جدران، وإنما بما تبنيه من عقول قادرة على إنتاج المعنى، وصناعة الحوار، وفتح الطريق أمام الإنسان نحو عالم أكثر فهمًا وإنصافًا.

مقالات الكاتب

فاروق خداج

 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني