لبنان الكبير… هل كان خطأً تاريخياً؟

قراءة في كتاب للدكتور لويس صليبا

بعد أكثر من مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، لا يزال السؤال الذي يطرحه الباحث والأكاديمي الدكتور لويس صليبا يفرض نفسه على الوعي اللبناني: هل كان قيام لبنان الكبير عام 1920 خياراً تاريخياً ناجحاً، أم خطأً تأسيسياً ما زالت البلاد تدفع أثمانه السياسية والديموغرافية حتى اليوم؟
في كتابه «لبنان الكبير أم لبنان خطأ تاريخي؟ نزاعات على الكيان نشأة وهويّة»، الصادر عن دار ومكتبة بيبليون في جبيل، يفتح صليبا واحداً من أكثر الملفات حساسية في التاريخ اللبناني الحديث. وقد صدرت الطبعة الأولى عام 2015، لتتوالى الطبعات وصولاً إلى الطبعة العاشرة عام 2025، في مؤشر يعكس استمرار الجدل حول أطروحة الكتاب، وراهنيّة السؤال الذي يطرحه في النقاش اللبناني المعاصر.

تجاوز المقولة التقليدية

تكمن أهمية هذا العمل في أنه يتجاوز القراءة التي تختزل إشكالية لبنان الكبير في ثنائية الانقسام الطائفي بين المسلمين والمسيحيين. فبحسب تقديم المؤرخ عبد الرؤوف سنّو، يكشف صليبا شبكة أوسع من التباينات داخل البنية المسيحية نفسها، ولا سيما بين الموارنة الداعمين للمشروع، والروم الأرثوذكس الذين رأى عدد من رموزهم أن مستقبل المنطقة يرتبط بمشروع سوري أو عربي أوسع.
ولا يكتفي المؤلف بعرض المواقف، بل يتجه إلى تفكيك خلفياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يمنح العمل بعداً تحليلياً يتجاوز السرد التاريخي إلى قراءة أعمق لمسار تشكّل الكيان.

أربعة أبواب لفهم أزمة التأسيس

يتألف الكتاب من أربعة أبواب رئيسية ترسم معاً ملامح الجدل حول نشأة لبنان الحديث.
في الباب الأول، يعالج صليبا مرحلة الانتقال من متصرفية جبل لبنان إلى دولة لبنان الكبير، كاشفاً عن مشروعين متقابلين برزا بعد الحرب العالمية الأولى. مثّل الأول البطريرك غريغوريوس حداد، الذي دعم الحكومة العربية الفيصلية في دمشق ورفض تقسيم بلاد الشام، فيما مثّل الثاني البطريرك الياس الحويك الذي دعم قيام لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسي.
أما الباب الثاني فيتناول شخصيات لبنانية وفرنسية عارضت صيغة لبنان الكبير، من بينها سليمان البستاني وروبير دوكيه، معاون الجنرال غورو، حيث طُرحت بدائل تراوحت بين لبنان أصغر حجماً أو إدماجه ضمن صيغة سورية ذات طابع فيدرالي.
وفي الباب الثالث، يدرس صليبا ردود الفعل على إعلان الكيان الجديد، ولا سيما داخل الأوساط الأرثوذكسية، محللاً الخلفيات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية لهذه المواقف، ومشيراً إلى شخصية نجيب سرسق الذي ارتبط اسمه بعبارة «لبنان خطأ تاريخي»، قبل أن يتكيف لاحقاً مع الواقع السياسي الجديد.
أما الباب الرابع فيقدّم صورة لبنان الكبير وهو في حالة بحث مستمر عن توازن داخلي وهويّة جامعة وسط مجتمع شديد التعدد الطائفي والسياسي.

مفارقة التأسيس: الربح الأرضي والخسارة الديموغرافية

تتمثل إحدى أبرز خلاصات الكتاب في المفارقة التي يشير إليها عبد الرؤوف سنّو، حين يوضح أن الموارنة «أرادوا كسب الأرض الزراعية والاستراتيجية فخسروا الديموغرافيا التي كانت لصالحهم». فالتوسّع الجغرافي منح الكيان الجديد مجالاً اقتصادياً واستراتيجياً أوسع، لكنه أعاد تشكيل التوازنات السكانية بما أضعف المعادلات السياسية السابقة.
ولا تكمن أهمية هذه الخلاصة في بعدها التاريخي فقط، بل في الأسئلة التي تفتحها حول طبيعة الأزمة اللبنانية: هل تعود إلى خطأ في التأسيس، أم إلى عجز في بناء دولة المواطنة والمؤسسات بعده؟ فالتاريخ يرسم الإطار، فيما تبقى إدارة الدولة هي العامل الحاسم في تحديد المصير.

نقد الفرصة البديلة

يطرح الكتاب سؤال البدائل الممكنة في تلك المرحلة: هل كان المشروع السوري الذي دافع عنه بعض معارضي لبنان الكبير خياراً واقعياً؟
تُظهر القراءة التاريخية أن هذا الطرح كان يصطدم بتعقيدات كبرى فرضتها التوازنات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، حيث كانت خرائط المنطقة تُرسم في ظل النفوذ الفرنسي والبريطاني، بعيداً عن الإرادات المحلية وحدها.
كما أن موقف البطريرك الياس الحويك لم يكن خياراً سياسياً مجرداً، بل جاء في سياق انهيار الدولة العثمانية والمجاعة وتفكك البنى الاجتماعية، ما جعل الخيارات محدودة ومثقلة بهواجس وجودية.
وبهذا المعنى، لا يُقرأ الكتاب كحكم على الماضي، بل كدعوة إلى فهم شروطه وحدوده، وإدراك المسافة بين الممكن التاريخي والمستحيل السياسي.

منهجية علمية ومقاربة متوازنة

يشيد العميد الركن علي أبي ناصيف بمنهجية صليبا، معتبراً أنه اعتمد على الوثائق والمصادر الأصلية دون انحياز طائفي أو سياسي، ما يمنح عمله قيمة أكاديمية واضحة.
كما تبرز أهمية هذا النهج في أنه يعرض مواقف الأطراف المختلفة بقدر متوازن، ويترك للقارئ حرية بناء استنتاجاته بعيداً عن الأحكام المسبقة.

سؤال مفتوح على المستقبل

في خاتمة عمله، يطرح صليبا سؤالاً حول جدوى إعادة قراءة الماضي بمعايير الحاضر، في كيان أصبح قائماً ونهائياً من الناحية السياسية. لكنه في الوقت نفسه يحذر من استمرار هشاشة البنية الوطنية إذا بقيت الانقسامات التأسيسية فاعلة في الحاضر.
وعليه، فإن قيمة هذا الكتاب لا تكمن في حسم سؤال «هل كان لبنان الكبير خطأً؟»، بل في إعادة فتح سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن تحويل كيان تأسس على التعدد والتباين إلى دولة مواطنة مستقرة قادرة على إنتاج عقد وطني جامع؟
ولعل استمرار هذا السؤال بعد أكثر من قرن على التأسيس هو الدليل الأوضح على أن الإشكالية اللبنانية لم تُحسم بعد، بل ما زالت تنتظر جواباً سياسياً ومؤسساتياً يتجاوز منطق السجال التاريخي إلى منطق بناء الدولة.
المصادر
– صليبا، لويس. «لبنان الكبير أم لبنان خطأ تاريخي؟ نزاعات على الكيان نشأة وهويّة». دار ومكتبة بيبليون، جبيل، 2015 (الطبعة العاشرة 2025).
– تقديم الدكتور عبد الرؤوف سنّو.
– قراءة الدكتور عبد الغني عماد، موقع الحوار، 2018.
– مقالة العميد الركن علي أبي ناصيف، 2025.
مقالات الكاتب

فاروق خداج

 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني