خداع الـ«CIA» في هروب ترامب

تداولت وسائل إعلام أميركية مسألة «خداع» إسرائيل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA»، من خلال معلومات قدّمتها حول نيّة إيران استهداف ترامب أثناء حضوره قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في تركيا، وذلك بعد جدل حول تفاصيل قصة الهروب بواسطة رحلة تخفٍّ، كانت بطلتها «حاوية تموين»، وتساؤلات عدّة حول حياة مَن هي أغلى: الرئيس أم مَن يرافقه؟ وذلك بعد قصة التمويه.

لا تعنينا التفاصيل كثيراً؛ فما يهمّنا هو دور إسرائيل في إرباك وكالة الاستخبارات الأميركية، التي لم تجد بُدّاً، وفقاً لما نُقل، من التحوّط لخطر كهذا. لكنّ قدرة الـ«CIA» هذه لا تزيد، إن صحّت التقارير، على قدرة معلّمي مدرسة ابتدائية في التعامل مع إشاعة.

إنّ دور مؤسسة بهذا الحجم يجب ألّا يسمح، لا لإسرائيل ولا لغيرها، بالتلاعب في مواقف الدولة. ولا نعني، طبعاً، المواقف المعلنة، من صداقة وتحالف وعداء… إلخ، بل تلك التي تتحرّك فيها الولايات المتحدة خفية، تحت ستار العلاقات الدولية.

فعلى سبيل المثال، أوضحنا مراراً كيف يلعب ترامب على حبال ودّ تركيا عموماً، وأردوغان خصوصاً، وهو لا يُضمر ذلك حقاً. غير أنّ خطته هذه وجدت خندقاً ساقها إلى قعره تصرّف الـ«CIA»، حين تمكّنت إسرائيل من إقامة فاصل بينه وبين خطته هذه، التي صارت معها تركيا بلداً غير أهل للاعتماد عليه في حماية شخص واحد، فكيف بما هو أبعد من ذلك؟

وقد رافق انعدامَ الأهلية هذا تهديدٌ إيراني «بحجم متوهَّم» يلاحق ترامب، وهو أكبر من التهديد الذي تدبّره إيران فعلاً. إنّه صنيعة إسرائيل التي تريد لترامب أن يبقى حبيس بيته الأبيض، كي لا يتمكّن من تغيير أيّ تفصيل من تفاصيل حركته في المنطقة، قد ترشده إليه لحظة هدوء ما، أو فكرة خارجة عن مكانه، ستضطرّه الأحداث إليها.

ويبقى أن نتساءل: هل كانت لعبة إسرائيل هذه بتدبير نتنياهو وفريقه، أم بتدبير خصومه، ولا سيّما أولئك الذين يدعمهم تيار أوباما؟

ربما تكون الأمور أقلّ تعقيداً فيما لو كان نتنياهو هو صاحب المصلحة، لكنّها تزداد غموضاً وقلقاً بالنسبة إلى ترامب حين يفكّر في مصلحة الجهتين معاً في عمل كهذا، تتعاكس فيه الحركات.

لقد «رسبت» الـ«CIA»، ومعها الموساد، حين أقلقوا أنفسهم بتفاصيل كهذه. فهل يمكن لصاروخ محمول على الكتف أن يتسلّل إلى مكان تجتمع فيه معظم قوة الأرض، ليتمكّن، بعد تربّص يدوم أياماً، من استهداف غايته؟ وكيف وصلت المعلومة قبل أيام من دون إحباط مفاعيلها، ولا سيّما أنّ تقارير تحدّثت عن أنّ إعلان تغيير طائرة العودة كان لخدمة هذا الهدف؟

ماذا لو أُعيد المشهد، وفكّر أحد «العسكريين» في فكرة لم أعرف، حتى اللحظة، أحداً ناقشها، وقوامها أنّ ترامب يسعى إلى حياكة سيناريو ما، ولا سيّما أنّ التهديد باستهدافه يُعدّ أمراً مألوفاً ومفروغاً منه، ولا يحتمل تفاصيل كهذه؟ عليكم أن تدقّقوا في عمليات استهداف ترامب كلّها، لتجدوا أنّها فردية أو شبه فردية.

إنّ فكرة استخدام صاروخ محمول على الكتف لتنفيذ عملية استهداف بهذه السذاجة لا تروق لعقليتنا العسكرية، التي ترقب التجاذب بين تركيا والولايات المتحدة حول عقدة شدّ الأكراد، الذين تسعى تركيا إلى فتح صفحة عفو معهم، تسحبهم من صفّ الولايات المتحدة، ومن الوقوف على أبواب رجاء الدعم الإسرائيلي.

إنّ الـ«CIA» ذاتها لا تستطيع الإجابة عن هذه التساؤلات. تذكّروا خطط التعاكس الطارئة التي حدّثتكم عنها سابقاً.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.