غزة… الأرض التي لم تركع

في مشهد غير مسبوق منذ اندلاع الحرب على غزة في 8 أكتوبر 2023، توصلت حركة حماس وقادة إسرائيل، برعاية أميركية وقطرية ومصرية مباشرة، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تزامن مع بدء انسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء من قطاع غزة.

الإعلان، الذي صدر فجر الخميس الماضي، شكّل لحظة فارقة ليس فقط في مسار الصراع، بل في التحولات العميقة التي تشهدها الساحة الدولية حيال القضية الفلسطينية.

إرهاصات اتفاق السلام – من ضغوط نيويورك إلى شرم الشيخ

تسارع وتيرة المفاوضات الأخيرة يعود إلى جملة من العوامل المتشابكة السياسية والعسكرية والدبلوماسية، أبرزها:

1- ضغط عربي وإسلامي موحّد في نيويورك: للمرة الأولى منذ عقود، شهدت اجتماعات نيويورك التي جمعت قادة الدول الإسلامية والعربية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب توافقاً واضحاً على ضرورة إنهاء الحرب. هذا الضغط المنسّق، خصوصاً من دول محورية مثل السعودية وتركيا وقطر ومصر، إضافة إلى دول أخرى، خلق مناخاً سياسياً حاسماً لدفع واشنطن نحو فرض تسوية عاجلة.

2- فشل إسرائيل في تحقيق أهم أهداف الحرب: بعد 733 يوماً من العمليات العسكرية، وجدت إسرائيل نفسها عاجزة عن تحقيق أهم أهدافها المعلنة في 8 أكتوبر 2023، وفي مقدمتها القضاء على المقاومة والإفراج عن الأسرى، رغم كل الفرص والدعم الأميركي والغربي. وتحدثت تقارير عسكرية إسرائيلية (هآرتس – معاريف) عن مأزق عميق في قطاع غزة، حيث لم تُفلح العمليات في كسر بنية المقاومة أو استعادة الرهائن.

3- تحوّل الرأي العام العالمي: في سابقة تاريخية، شهدت الساحتان الأوروبية والأميركية تحولاً جذرياً من تأييد إسرائيل إلى التعاطف مع نضال الفلسطينيين. عشرات الدول اعترفت رسمياً بدولة فلسطين خلال العامين الأخيرين، فيما تصاعدت الحملات الشعبية ضد الحرب في الجامعات الأميركية وأوروبا الغربية.

4- الوضع الداخلي الأميركي وضغوط مباشرة على ترامب: داخل الولايات المتحدة، تحوّلت غزة إلى قضية انتخابية مركزية:

  • تصاعد الأصوات المعارضة للحرب داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع تأثير واضح للرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي وثّق مشاهد المجازر والحصار يومياً طوال عامين.
  • ضغوط داخل التيار الجمهوري – حركة MAGA: أتباع حركة Make America Great Again” (MAGA)” بدأوا يعبرون علناً عن استيائهم من الدعم غير المشروط لإسرائيل، متسائلين عن جدوى “التضحيات الأميركية من أجل دولة أجنبية”، ما أثر مباشرة على حسابات ترامب السياسية.
  • محاولة أميركية لإنقاذ صورة إسرائيل عالمياً: صرّح ترامب صباح الخميس الماضي على شبكة سكاي نيوز قائلاً أن إسرائيل لا يمكن أن تحارب العالم أجمع… وأن العالم سيحب إسرائيل مرة أخرى. جاء ذلك في محاولة واضحة لإعادة تسويق صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي بعد أن تدهورت أخلاقياً وسياسياً بسبب الجرائم التي ارتكبت في غزة.
  • حلم ترامب بجائزة نوبل للسلام: لم يُخفِ الرئيس الأميركي رغبته في أن يُتوج هذا الاتفاق بجائزة نوبل، بعد أن فشل في الحصول عليها عام 2020 إثر اتفاقيات أبراهام. هذه المرة، راهن ترامب على سلسلة اتفاقات السلام التي رعاها مؤخراً في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط لتقديم نفسه للعالم كـ”صانع سلام”، وليس الزعيم التصادمي. إلا أن رياح الرئيس الأميركي جرت بعكس الرياح النرويجية، حيث تبخّر حلمه بمنح جائزة نوبل للسلام، وقررت لجنة “نوبل” النرويجية منحها لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو.

5- صمود غزة… العامل الحاسم: ربما الأهم، هو الصمود الأسطوري لأهالي غزة طوال 733 يوماً من الحرب، حيث تنقلوا من منطقة إلى أخرى تحت القصف، وعاشوا الجوع والحصار، لكنهم لم يغادروا أرضهم. هذا الصمود أجبر جميع الأطراف، بما فيها واشنطن وتل أبيب، على الاعتراف بأن الحسم العسكري مستحيل.

صمود الغزاويين: سابقة تاريخية ستُدرّس للأجيال

ما جرى في غزة خلال العامين الماضيين ليس مجرد فصل دموي في سجل الصراع العربي–الإسرائيلي، بل هو أحد أعظم مشاهد التحدي الإنساني في التاريخ المعاصر. فوسط القصف والحصار والمجازر التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، ظل الشعب الفلسطيني ثابتاً في أرضه، متمسكاً بحقّه الإلهي والوطني في البقاء.

سجّلت آلة الحرب الصهيونية مجازر مروّعة بحق الأطفال والنساء والمستشفيات والمدارس، في مشهد أعاد إلى الذاكرة أكثر لحظات القرن العشرين سواداً. ومع ذلك، لم تنكسر إرادة الناس، ولم تُمحَ هوية المكان. هذا الثبات الشعبي لم يكن مجرد مقاومة عسكرية، بل مقاومة وجودية وروحية وثقافية، صنعت واقعاً جديداً فرض على العالم إعادة حساباته.

إنّ صمود الفلسطينيين أمام آلة حرب مدججة على مدار 733 يوماً هو سابقة تاريخية بكل المقاييس، سيتوقف عندها المؤرخون طويلاً، وسيدرسها طلاب الحرية في الجامعات والمعاهد لعقود قادمة، بوصفها نموذجاً نادراً لصمود الشعوب في وجه الاحتلال.

لقد أثبت الفلسطينيون أن مقاومة المحتل ليست مجرد حق قانوني أو سياسي، بل هي حق سماوي مقدس، يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى عمق الوعي الإنساني والضمير العالمي.

وهكذا، من تحت الركام ومن رحم المعاناة، وُلدت معادلة جديدة: “لا يمكن لأي قوة مهما بلغت جبروتها أن تهزم إرادة شعب يؤمن بحقه”.

سلاماً على غزة، على صبرها وجراحها، على شهدائها ومفقوديها، وعلى أطفالها الذين حملوا شعلة الحياة في وجه الموت. بصمودهم، لم ينتصر صوت الدبلوماسية وحدها، بل انتصر صوت الحياة على آلة الحرب.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.