«تحرير المجتمع المدني»… خطوة أولى نحو لبنان الجديد

أن نحرّر المجتمع المدني هو أن نحرّر الإنسان اللبناني من شبكة التبعية السياسية التي تخنق وعيه وتوجّه مصيره منذ عقود. فالمجتمع المدني، في جوهره، ليس قطاعاً محادياً إلى جانب الدولة، بل هو فضاء السيادة الشعبية الحقيقية، حيث تُقاس الديمقراطية بقدرة المواطن على محاسبة السلطة والأحزاب كل يوم، وليس فقط في صناديق الاقتراع.

من هنا، تنطلق فكرة «تحرير المجتمع المدني» كمشروع سياسي تأسيسي: أن نعيد تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، بين السلطة والمجتمع، بين الانتماء والمساءلة. أي أن نؤسس حزباً لا يملك الناس، بل يملكه الناس؛ حزب يخضع للمحاسبة اليومية من قاعدته الشعبية، لا من لجنته المركزية.

إن المأزق البنيوي في الحياة السياسية اللبنانية هو أن الأحزاب احتكرت المجتمع المدني بدل أن تعبّر عنه. فتحوّلت النقابات إلى أذرع حزبية، والجمعيات إلى واجهات تمويل، والعمال والموظفون إلى أدوات انتخابية. بهذا المعنى، لم تعد الأحزاب تُنتج السياسة، بل تُعيد إنتاج الولاء، فيما السياسة الحقيقية ـ أي فنّ إدارة الشأن العام لمصلحة الجميع ـ اضمحلّت في طيات رماد الزبائنية والطائفية.

وقد تبيّن في السنوات الأخيرة أنّ المجتمع المدني لم يعد أسيراً للسلطة فقط، بل هو تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداةٍ بِيدها. تُستخدم مكوّناته ضد بعضها البعض تبعاً لموازين القوى داخل الوزارات والطوائف والأحزاب. ففي ملفاتٍ مثل قضية المياومين، أو خلال انتفاضة تشرين، أو حتى في محطات التعيينات وانتخاب النقابات، ظهر كيف تُدار المؤسسات المدنية أحياناً كأذرع ضغط متبادَلة، لا كقوى مستقلة. أذرع يُمارَس عبرها النفوذ السياسي لتجميد مبادرةٍ هنا أو شلّ حركةٍ هناك، بحسب الانتماء أو الولاء. وبهذا، تحوّل المجتمع من أداة ضغطٍ على السلطة إلى وسيلة ضغطٍ بِيدها، يتمّ الركون إليها لتمرير مصالحها أو تصفية حسابات مكوّناتها في ما بينهم.

تحرير المجتمع المدني يعني كسر هذه المعادلة: أن يصبح المواطن – الناشط أقوى من القيادي – الحزبي، وأن تُبنى المشاركة السياسية على قاعدة المحاسبة لا التبعية. فالمجتمع المحرَّر هو الذي يحاسب قياداته يومياً، بالوعي والموقف والضغط، لا بالتصويت الموسمي فقط.

لقد حاول عالِم السياسة الهولندي – الأميركي أرند ليبهارت أن يجد صيغة لإدارة المجتمعات المتعددة كالتي في لبنان، فاقترح نموذج «الديمقراطية التوافقية» (Consociational Democracy)، مؤسَّساً على خمسة أعمدة رئيسة:

  • حكومة وحدة وطنية موسّعة تشارك فيها المكوّنات كافة.
  • نظام تمثيل نسبي يضمن مشاركة الأقليات.
  • حق الفيتو المتبادل لحماية المكوّنات.
  • حكم ذاتي نسبي في القضايا الحساسة لكل جماعة.
  • نسبية التوظيف في مؤسسات الدولة لحفظ التوازن.

لكنّ التجربة اللبنانية، بدل أن تستلهم هذا النموذج لتحرير المجتمع من الخوف الطائفي الموروث، إنما هي استخدمته لتكريس الطائفية نفسها. فأصبحت المشاركة محاصصة، والتمثيل تقاسماً للمغانم، والفيتو أداة تعطيل، والحقوق الطائفية جدراناً لعزل الناس عن فكرة المواطنة.

هكذا، تحوّلت الديمقراطية التوافقية إلى نظام حماية للسلطة من الشعب، لا للشعب من السلطة، وأصبح «التوافق» غطاءً لاحتلال الدولة من قِبَل طوائف منظّمة في أحزاب لا تؤمن إلّا بمبدأ البقاء للأقوى.

حين اندلعت انتفاضة تشرين، بدا أنّ المجتمع اللبناني يكتب فصلاً جديداً من تاريخه. فللمرة الأولى، خرج الناس من كنف الطوائف إلى الشوارع كمواطنين. لكن ما لبثت الموجة أن عُطبت، لا بسبب القمع فقط، بل لأن من تصدّر المشهد من «التغييريين» وقع في الفخ نفسه الذي أراد تحديداً كسره.

فبدل أن يرمي هؤلاء إلى تحرير المجتمع المدني من الأحزاب، بحثوا عن موقعٍ تحت عباءتها. وبدل أن يبنوا أدوات ضغط مدنية دائمة، تسابقوا إلى حصد مقاعد نيابية. وبدل أن يؤسّسوا لغة سياسية جديدة، استعاروا مفردات السلطة التي ثاروا ضدها.

هكذا، أعاد «التغييريون» إنتاج الأزمة: تكلّموا بلغة الناس لكنّهم تصرفوا بمنطق «النخب» القديمة. تحالفوا تكتيكياً مع قوى النظام، فبُدّد زخم الثورة في لعبة برلمانية ضيقة، وأضيعت فرصة تاريخية لتحرير المجتمع المدني من الأسر الحزبي والطائفي.

تحرير المجتمع لا يتم بالشعارات، بل بإنشاء بنية موازية للسلطة، قادرة على الرقابة والضغط والمحاسبة. وهذا ما غاب تماماً عن مشروع «التغيير» – بمعظمه إن لم يكن برمّته.

قد يُخيّل لكثيرين أن تحرير المجتمع المدني مشروع نخبة أو حلم طوباوي. لا؛ إنه محاولة لإعادة بناء الدولة من أسفل إلى أعلى. دولة لا تقوم على تحالف الطوائف، بل على تعاضد الأفراد الأحرار. في هذه الدولة، الحزب ليس سلطة بل وسيط بين المواطن والدولة، والمجتمع المدني سلطة مراقبة دائمة.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من الجمعيات والتجمعات ولا سيلاً من الخطابات، بل بنية سياسية جديدة تنقلنا من «التمثيل بالوكالة» إلى المشاركة بالمساءلة.

فحين يستطيع المواطن أن يُحاسب حزبه يومياً، وأن ينسحب من عضويته من دون أن يخسر عمله أو يُخدش بكرامته، وحين تصبح النقابة فضاءً حرّاً لا مكتباً انتخابياً، عندها فقط يمكن القول إن المجتمع اللبناني بدأ يتحرّر.

لسنا هنا بصدد إعلان حرب ضد الأحزاب، بل ولادة «حزبٍ» جديد، إن صحّت التسمية، من رحم المجتمع، لا من عباءة الطائفة. حزبٌ يعلن أن السياسة مسؤولية، وأن الانتماء مشاركة.

تلك هي بداية طريق الألف ميل إلى تحرير المجتمع المدني… ومن دونه، لا دولة، لا ديمقراطية، ولا لبنان.

«تحرير المجتمع المدني» دعوة مفتوحة إلى كلّ من يؤمن بلبنان الممكن؛ لبنان الذي لا يُبنى على الغرائز والانقسامات، بل على وعيٍ مدنيٍّ جديد يعيد السياسة إلى معناها الأول: خدمة الناس لا حكمهم.

أبناء هذا المشروع لا يبحثون عن أتباع، بل عن شركاء في تأسيس عقدٍ اجتماعي جديد، يقوم على المشاركة اليومية والمحاسبة المستمرة، بعيداً عن الأنا، والانتماءات الضيّقة، وكلّ أشكال الوصاية الفكرية أو الحزبية.

وهذه دعوة، لا بل يد ممدودة، لكلّ من تعب من الوعود الكاذبة ومن يرى في الحرية التزاماً وفي العدالة مشروعاً. لنعمل معاً، لا من أجل مقعدٍ أو مكسب، بل إحقاقاً للبنان يليق بأجيالنا. لبنان يتحرّر فيه المجتمع قبل الدولة، ويعلو فيه المواطن فوق كلّ الاعتبارات – مكاسب، أكانت، أو طوائف أو زعامات.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.