الأسبوع الماضي، كشفت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن استراتيجيتها المرتقبة منذ فترة طويلة للأمن القومي. ومن الآمن القول إننا أصبحنا الآن أمام أوضح تقييم للرئيس ترامب حتى تاريخه، بشأن مصالح الولايات المتحدة الدولية، وترتيب أولويات تلك المصالح، والنظام العالمي المتغير بشكل عام.
من الناحية الأسلوبية، تتميز الوثيقة بالإيجاز – إنها مكتوبة بلغة مفهومة للعموم، ومشحونة بلمسات ترامب البلاغية المميزة وفريقه. وتمثل خروجًا ملحوظًا عن المانيفستوات الأكثر تحفظًا التي اعتمدتها الإدارات السابقة. لكن الانفصال الحقيقي عن الوضع الراهن ليس في الأسلوب، بل في الجوهر، وهو واضح بشكل بارز.
هذه الاستراتيجية ليست مجرد قائمة أمنيات أو أهداف طموحة. في الواقع، يوجّه ترامب أصابعه مباشرة نحو ما أسماه “قوائم الأمنيات أو النتائج المرجوة” و”العبارات الفضفاضة” في عصر ما بعد الحرب الباردة، والتي، بحسب وجهة نظر الإدارة، افتقرت لأي شعور بالبراغماتية أو تحديد الأولويات، ناهيك عن غياب تصور واضح لما يجب أن نسعى إليه.
منذ البداية، تحدد الوثيقة معنى الاستراتيجية فعليًا، مؤكدة أهمية وجود روابط واضحة بين الأهداف والوسائل، والمصالح الوطنية والقدرات، والتضحيات الصارخة المتأصلة في صنع السياسات. ويمكن ملاحظة بصمة معسكر التقييد بوضوح — وهم الذين يقلقون بشأن عواقب انتشار الولايات المتحدة على نطاق واسع — حيث تكشف الاستراتيجية عن شك الرئيس العميق في الهيمنة الأميركية، متسائلاً عما إذا كانت “السيطرة الدائمة للولايات المتحدة على العالم بأسره في مصلحة بلادنا”. وبدلاً من الهيمنة، تقترح الإدارة تصميمًا استراتيجيًا يمزج بين القوة والانضباط، البراغماتية والأيديولوجية في آن.
والحال أن ثمة عدة عناصر برزت وتستحق مزيدًا من التدقيق. أولها، حديقة بلادنا الخلفية — نصف الكرة الغربي — والتي تخضع، للمرة الأولى كتابة، لما أسماه “القاعدة المضافة لترامب على مبدأ مونرو”. إذ تتطلب الاستراتيجية وجود حكومات مرنة ومتوافقة في أميركا الوسطى والجنوبية لوقف تدفق المهاجرين والمخدرات، واستبعاد وطرد القوى المعادية من المجال السياسي والأصول الاستراتيجية (مثل الموانئ والمعادن). وقد بدأت هذه القاعدة تؤثر مباشرة على القارة، كما يتضح من حالة فنزويلا.
لكن سيكون لذلك تأثير عالمي أيضًا، إذ إن فرض قاعدة ترامب سيتطلب إعادة تخصيص الموارد، سواء السياسية أو العسكرية، من مناطق أخرى — مثل المحيطين الهندي والهادئ، والمسرح الأوروبي، ومنطقة الشرق الأوسط — نحو هذا المسرح. وبالمثل، فإن مشروع ترامب المقترح للدفاع الصاروخي، “القبة الذهبية”، سيفرض متطلبات إضافية على ميزانية الدفاع الأميركية وقاعدة الصناعة الدفاعية، باسم الدفاع عن الوطن، وليس الإسقاط القوي للسلطة.
ثانيًا، يتجلّى نقص التركيز على المنافسة بين القوى الكبرى. إذ تم ذكر الصين بالاسم لأول مرة قرابة دخول الوثيقة ثلثها الأخير. في استراتيجية الأمن القومي للرئيس جو بايدن، كانت الصين في صدارة الاهتمام، بينما في استراتيجية ترامب الجديدة، لا يوجد ذكر مباشر لدفع الصين لتعطيل توازن القوى الحالي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل تقتصر الإشارات على تحذيرات غير مباشرة بشأن خطر فقدان الوصول المضمون إلى أشباه الموصلات التايوانية وسلسلة الجزر الأولى.
للإنصاف، تم تسليط الضوء على قضايا الدعم الحكومي الجائر والسياسات الصناعية، والممارسات التجارية غير العادلة، والسرقة الكبرى للملكية الفكرية والتجسس الصناعي، وحتى التهديدات ضد سلاسل التوريد التي قد تعرّض وصول الولايات المتحدة إلى الموارد الحيوية، بما فيها المعادن والعناصر الأرضية النادرة، للخطر. لكن غالبًا ما تُذكر هذه القضايا دون ربطها باسم الصين، على الرغم من أن الأخيرة هي المخالف الأكبر بلا منازع. هذه القضايا إنما تمثل جوهر العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، فقد تُركت إلى حد كبير خارج الطاولة في الوقت الراهن، ربما لأن الإدارة تعتبرها مشكلات عسيرة الحل.
أما روسيا، فيُنظر إليها بدرجة أقل كقوة مراجِعة للنظام العالمي، وأكثر كقضية تثير القلق الوجودي لدى الأوروبيين، ما قد يؤدي إلى نزاع مسلح. فالولايات المتحدة ليست طرفًا في مثل هذا الصراع، بل هي تعمل كوسيط مكلف بمنع اندلاعه.
ثالثًا، تدعو الإدارة إلى إعادة ضبط العلاقات عبر الأطلسي. وهي تُناقش أوروبا بمصطلحات أيديولوجية صريحة، على نحو يختلف عن أي منطقة أخرى، مع تشديد الاستراتيجية على استعادة “الثقة الحضارية الأوروبية والهوية الغربية” كعنصر حاسم لأي شراكة مستمرة. وتصوّر الوثيقة السياسة الداخلية الأوروبية كمتغير أساسي: فهي تُدين سياسات الهجرة للاتحاد الأوروبي لأنها “تحوّل القارة”، وتستنكر اللوائح العابرة للحدود التي “تقوّض الحرية السياسية والسيادة”، وتحذر من أنظمة الرقابة التي “تكبح المعارضة السياسية” وتقوّض حرية التعبير. كما يشير ترامب إلى أن مستقبل التحالف يعتمد على تغيير جذري في المسار الداخلي لأوروبا، بما يجلب ممارساتها الحاكمة إلى توافق أكبر مع أولويات اليمين الأميركي.
في الوقت نفسه، تطالب الإدارة بتحول هيكلي في دور أوروبا ضمن نظام التحالف، مؤكدة أن الدول الأوروبية تتحمل “المسؤولية الأساسية عن دفاعها الخاص”، وأن تتخلى عن توقعات توسع حلف “الناتو” المستمر، وأن تلبي معيار الإنفاق الدفاعي المرتفع بشكل كبير. ومع أن هناك عناصر صحيحة في انتقاد ترامب لأصدقائنا الأوروبيين (مثل الإفراط التنظيمي)، إلا أن هذا التدخل الصريح في السياسة الداخلية الأوروبية قد يثبت أنه ذو أثر معاكس.
رابعًا، تمثل الاستراتيجية انتصارًا مطلقًا للمصالح الاقتصادية أو التجارية والأدوات المرتبطة بها. فصناعة الصفقات الاقتصادية المفتوحة بطريقة مباشرة تُعد مبدأ تنظيميًا رئيسيًا للسياسة الخارجية الأميركية خلال ولاية ترامب الثانية. ولا تزال الإدارة حريصة على استغلال الوصول إلى الأسواق والقوة الاقتصادية في مناطق المحيطين الهندي والهادئ، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية، وأوروبا، لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، سواء أكانت اقتصادية أو غير اقتصادية.
ومع ذلك، فإن الاستراتيجية تهمل إلى حد كبير التنازلات والمخاطر المترتبة على حرب تجارية عالمية وتأثيرها، سواء على استعداد شركائنا للعمل معنا في قضايا أخرى، أو على المستهلكين والعمال الأميركيين المعتمدين على الواردات والصادرات الأميركية.
خامسًا، يجدر أخذ الحيطة في كيفية تعارُض الاستراتيجية مع بعض الإجراءات التي اتخذتها الإدارة خلال العام الماضي. هنا، يجب أن نفكّر في الحاجة المعلنة للولايات المتحدة إلى امتلاك “قوة ناعمة لا تضاهى”. ومع ذلك، قامت الإدارة بتخفيض المساعدات التنموية الخارجية بشكل كبير، دون أن تقدم فعليًا بدائل عملية لممارسة القوة الناعمة. كما تدعو الاستراتيجية البلاد إلى الاستثمار في “التقنيات الناشئة والعلوم الأساسية لضمان استمرار ازدهارنا، والحفاظ على ميزة تنافسية، والهيمنة العسكرية للأجيال القادمة”. لكن في الوقت نفسه، قامت الإدارة بخفض التمويل للبحث والتطوير في المختبرات البحثية الجامعية والمدعومة حكوميًا. علمًا بأن هذا التناقض في صميم هدفها لتحقيق “عصر ذهبي جديد للابتكار” ليس جديدًا؛ وربما تتيح هذه الصياغة الأوسع لاستراتيجية الإدارة رؤية إدخال بعض التعديلات المستقبلية على المسار.
أخيرًا، تكشف الاستراتيجية عن تفضيل الإدارة للاستقرار، على الرغم من الإجراءات التي عطلت العديد من عوامل هذا الاستقرار خلال الثمانين عامًا الماضية. فبعد رفض “مفهوم الهيمنة العالمية المصيرية”، تتبنى الإدارة عالمًا يُحافظ فيه على الاستقرار عبر “توازن القوى” ومنطق “الواقعية المرنة”، الذي يقبل الحاجة للعمل مع دول تختلف أنظمتها “بشكل كبير عن تقاليدنا وتاريخنا”. ويمتد هذا الإطار إلى التكنولوجيا، حيث تستحضر الإدارة نوعًا من الاعتماد الاستراتيجي المتبادل—مزاوجة دعوة الابتكار الأميركي الذي “يدفع العالم قُدمًا” مع سياسات تهدف إلى نشر القدرات المتقدمة ليس فقط بين الحلفاء، بل بشكل متزايد إلى الدول المتأرجحة جيوسياسيًا وحتى الدول محل القلق، مثل الصين، التي وافق ترامب مؤخرًا على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي التي كانت محظورة سابقًا إليها.
إن الاستراتيجية عملية، لكنها تتضمّن مخاطرة في تشجيع القوى المراجِعة للنظام العالمي على رسم مناطق نفوذ تحت شعار التوازن، وتحمل إشارة ساخرة إلى قيمة الاعتماد المتبادل—وهو النموذج الذي سعى ترامب للتنديد به وأجرى محاولات لتفكيكه جزئيًا خلال ولايته الأولى من خلال سلسلة من ضوابط التصدير والعقوبات المصممة لفصل الأنظمة التكنولوجية الأميركية والصينية.
بإلقاء نظرة شاملة، فإن وثائق استراتيجية الأمن القومي لا تتحول دائمًا إلى سياسة فعلية على الأرض. طبعًا، هناك الكثير مما يمكن الاعتراض عليه في هذه الاستراتيجية، لكن يُحسب لها وضوحها وصدقها في الإقرار بأن السياسة الخارجية مقيدة بطبيعتها بالوسائل المحدودة والتغيرات الهيكلية في النظام العالمي التي لا يمكن تجاهلها.
الزمن وحده كفيل بالكشف عمّا إذا كانت تشخيصات ترامب صحيحة، وكذلك أولوياته ووسائل تحقيقها. لكن ليس باستطاعة أحد وصف تصاميمه بالغموض؛ فقد قيل الجزء الصامت بصوت عالٍ، وهو إنما يُنفَّذ بسرعة فائقة.
ترجمة بتصرّف
بقلم: مايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
