ملاحظات على قرار المجلس الدستوري القاضي بإبطال جزئي لقانون إصلاح وضع المصارف

صدر قرار المجلس الدستوري رقم 16/2025 تاريخ 3/10/2025، القاضي بالإبطال الجزئي للقانون رقم 23/2025 المتعلق بإصلاح أوضاع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. وقد قسّم المجلس الدستوري قراره إلى جزأين: مدى دستورية القانون المطعون فيه في ضوء الأسباب التي أدلى بها الطاعنون (أولًا)، ومدى دستوريته في ضوء ما يقتضي على المجلس إثارته عفوًا من أحكام الدستور والمبادئ الدستورية ذات الصلة بالقانون المذكور، باعتبار أن المجلس لا يتقيّد حصراً بمطالب الطاعنين وإدلاءاتهم (ثانيًا).


أولًا: مدى دستورية القانون المطعون فيه في ضوء الأسباب التي أدلى بها الطاعنون

أ ـ عدم وضوح النصوص وعدم فقهها، وعدم جواز ربط اكتمال عناصر قانون بصدور قانون آخر

أدلى الطاعنون بأن القانون المطعون فيه تضمّن خلطًا مشوّهًا بين مفاهيم قانونية عدة، أبرزها المهل القانونية والمهل القضائية. ووفقًا لملاحظاتهم، فإن تطبيق القانون تطبيقًا دقيقًا يحترم التعريفات المعتمدة لهذه المفاهيم، كان سيجعله غير مبرّر في جزء كبير منه. كما أشاروا إلى أن المادة الأولى من القانون، الخاصة بالتعريفات، تنص على أنّ المودعين هم “الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون (أي الأفراد والشركات) الذين يبرمون عقد وديعة مصرفية مع مصرف مرخّص حيث يقومون بتسليم مبلغ من المال إلى المصرف بهدف حفظه أو استثماره وفقًا لشروط متفق عليها، مع التزام المصرف بردّ هذا المبلغ عند الطلب أو بتاريخ محدد، مع أو من دون فائدة”. واعتبر الطاعنون أنّ هذا التعريف خطير، لأنه يوحي بأن أصحاب الودائع الاستثمارية مضمونون ومحميّون شأنهم شأن أصحاب الودائع المشار إليهم في المادة 123 من قانون النقد والتسليف، التي تُحيل إلى المادة 307 من قانون التجارة، وتنص فقرتها الأولى على أنّ “المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغًا من النقود يصبح مالكًا له، ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات عند أول طلب من المودع، أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعيّنة في العقد”.

وردّ المجلس الدستوري على هذا السبب بالقول: “إنّ التعريف الوارد في المادة الأولى من القانون المطعون فيه يشمل هاتين الفئتين من المودعين: أصحاب الودائع بهدف حفظها، وأصحاب الودائع الاستثمارية. ما يعني أنه يشير إلى نوعين من عملاء المصارف: المودعون الذين يودعون المال بهدف حفظه، والمودعون الاستثماريون، أي أصحاب السندات والأدوات المالية الاستثمارية الأخرى، ويكون كل منهما في موقع قانوني مختلف عن الآخر… وإذا كان مبدأ المساواة أمام القانون من المبادئ العامة ذات القيمة الدستورية التي نصّ عليها الدستور صراحة في المادة 7 وفي الفقرة (ج) من مقدمته، ومؤداه أن يكون القانون واحدًا في معاملته للجميع دون فرق أو تمييز، غير أنه يبقى للمشترع أن يخرج عن هذا المبدأ ويميّز في المعاملة بين المواطنين إذا وُجدوا في أوضاع قانونية مختلفة، كما في الحالة الراهنة، وإذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، شرط أن يكون هذا التمييز متوافقًا مع غاية القانون ومتناسبًا معها”.

إنّ ما ذهب إليه الطاعنون، والسبب الذي اعتمده المجلس الدستوري لردّ هذا الطعن، يستوجبان إبداء الملاحظات التالية:

 

1. في كون القانون واضحًا ولا مجال فيه لا للالتباس ولا لسوء الفهم ولا حتى للتأويل أو التفسير

لم يُشر القانون إطلاقًا إلى وجود نوعين من عملاء المصارف: المودعون الذين يودعون المال بهدف حفظه، والمودعون الاستثماريون أي أصحاب السندات والأدوات المالية الاستثمارية الأخرى؛ بل إن القانون عرّف في مادته الأولى “المودعين” على أنهم “الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون (أي الأفراد والشركات) الذين يبرمون عقد وديعة مصرفية مع مصرف مرخّص حيث يقومون بتسليم مبلغ من المال إلى المصرف بهدف حفظه أو استثماره وفقًا لشروط متفق عليها، مع التزام المصرف بردّ هذا المبلغ عند الطلب أو بتاريخ محدد، مع أو من دون فائدة”.

وهذا التعريف صحيح، لأنه لا يتحدّث إطلاقًا عن نوعين من المودعين، بل عن نوع واحد يبرم مع المصرف عقد وديعة؛ ويعود للمصرف، بعد تلقّي الوديعة، أن يحفظها أو أن يستثمرها. أي يجب التمييز بين أمرين: علاقة المصرف مع العميل، وهي علاقة وديعة دائمًا؛ وحرية المصرف في التصرف بهذه الوديعة، سواء عن طريق حفظها أو استثمارها، وغالبًا ما يستثمرها المصرف في منح قروض للغير بفائدة.

غير أن الأصل يبقى أن المصرف يتلقى المبلغ على سبيل الوديعة وليس على سبيل الاستثمار.

فالاستثمار لا يتم عبر “الوديعة”، بل عبر الاكتتاب، حيث لا يكون العميل “مودعًا” بل “مستثمرًا”. ففي هذه الحالة، يدعو المصرف (عبر المروّجين أو مديري التطوير) المستثمرين من خلال “مذكرة طرح” خاصة، إلى المشاركة عبر الاكتتاب بمبالغ مالية لتمويل مشاريع معيّنة أو لتطوير عقارات عبر تشييد مبانٍ ضخمة، بحيث تكون غاية الاكتتاب تمويل هذه المشاريع. وعند اكتمال المشروع، يحصل المستثمرون على توزيعات أرباح بنسبة تناسبية بعد حسم التكاليف والمصاريف.

ويقوم هذا النوع من الاستثمار على المضاربة، ويتضمّن درجة عالية من المخاطر، ويستوجب أن يكون المستثمر مالكًا للقدرة المالية على تحمّل المخاطر الكامنة في هذا الاستثمار طويل الأجل. وهو استثمار محفوف بالمخاطر، ويُطلب من المستثمرين النظر إليه بعناية فائقة. وغالبًا ما تتضمن مذكرة الطرح افتراضات يعتبرها المصرف معقولة، من دون أن يقدم أي ضمانات بتحقق النتائج المالية المتوقعة.

وفي هذه الحالة، تكون عوائد المستثمرين غير مضمونة، إذ تعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، منها — على سبيل المثال لا الحصر — وضع سوق العقارات، والقدرة على التحكم بتكاليف الإنشاء والمصاريف الأخرى، والقدرة على إنهاء المشروع في الوقت المحدد، وتنفيذ الالتزامات القانونية والتنظيمية كافة. وبالتالي، يكون المستثمر على علم كامل بأن استثماره ينطوي على مخاطر عالية، وأن عليه تحمّل نتائج هذا الاستثمار على المدى الطويل، من دون إمكانية حصوله على أي ضمانات من المصرف حول النتائج المتوقعة. وفي هذا النوع من الاكتتاب، يكون المستثمر واعيًا تمامًا بأن استثماره يتم على مسؤوليته الكاملة.

وعليه، يجب بصورة أساسية وواضحة التمييز بين “المودع الذي يتقاضى فائدة على وديعته” و”المكتتب الذي يستثمر بهدف تحقيق أرباح”.

والمشترع في المادة الأولى عرّف “المودع” وليس “المكتتب”. وإن العبارة الواردة في النص، لجهة أن المصرف يتسلّم المال (في حالة الوديعة) “لحفظه أو استثماره”، هي التي أوقعت الطاعنين والمجلس الدستوري معًا في الخطأ والالتباس. ذلك أن للمصرف أصلًا حق استثمار الودائع بالطرق القانونية المتاحة، سواء عبر إقراضها للغير بفائدة، أو عبر توظيفها في مشاريع استثمارية.

لكنّ المودع، في حالة الوديعة، يبقى مودعًا ولا يتحوّل إلى مستثمر؛ بينما المستثمر، في الاكتتاب، ليس مودعًا أصلًا، بل مكتتب يضع مبلغًا من المال على سبيل الاستثمار.

وفي الحالة الأولى، أي الوديعة، يجب ردّ الوديعة لصاحبها. أما في الحالة الثانية، أي الاكتتاب، فيبقى المبلغ المكتتب به عرضة للخسارة بسبب مخاطر الاستثمار.

إذن، كان المشترع واضحًا في نصّه، وإنما وقع الطاعنون والمجلس الدستوري على حدّ سواء في الالتباس.

2. في سوء تفسير المجلس الدستوري لمبدأ المساواة أمام القانون

إنّ سوء التمييز بين “المودِع” و”المكتتِب على سبيل الاستثمار” أوقع المجلسَ الدستوري في خطأ آخر، يتمثّل في تفسيره الخاطئ لمبدأ “المساواة أمام القانون”.

فقد اعتبر المجلس “أنه إذا كان مبدأ المساواة أمام القانون من المبادئ العامة ذات القيمة الدستورية التي نصّ عليها الدستور صراحة في المادة 7 منه وفي الفقرة (ج) من مقدمته، ومؤدّاه أن يكون واحدًا في معاملته للجميع دونما فرق أو تمييز، غير أنه يبقى بوسع المشترع أن يخرج عن هذا المبدأ ويميّز في المعاملة بين المواطنين إذا وجدوا في أوضاع قانونية مختلفة كما في الحالة الراهنة، أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، شرط أن يكون هذا التمييز في المعاملة متوافقًا مع غاية القانون ومتناسبًا معها”.

إنّ المجلس الدستوري ارتكب هنا خطأً مزدوجًا:

ـ الخطأ الأول: اعتماد ما يُسمّى في المنهجية القانونية بـ”المشكلة الوهمية” (Faux problème)

إذ برّر المجلس دستورية التمييز بالقول إنّه “يحق للمشترع الخروج عن مبدأ المساواة أمام القانون، والتمييز بين المواطنين إذا وجدوا في أوضاع قانونية مختلفة”.

والواقع أنّه في هذه الحالة بالذات ـ أي عندما يكون المواطنون في أوضاع قانونية مختلفة ـ ينتفي أصلًا مجال تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون؛ إذ لا معنى للمساواة عند الاختلاف، بل إنّ المساواة تفترض تطابقًا في الأوضاع وليس اختلافًا!

وبالتالي، استخدم المجلس مفهومًا مغلوطًا لحلّ مشكلة غير موجودة قانونًا.

ـ الخطأ الثاني: إهدار مبدأ دستوري مرتين لصالح مفهوم إداري لا قيمة دستورية له

لقد أهدر المجلس الدستوري مبدأً ورد النص عليه مرتين في الدستور (المادة 7، والفقرة “هـ” من مقدمته)، لصالح مفهوم إداري بحت غير دستوري ولا يتمتع بأي قيمة دستورية، هو مفهوم “المصلحة العامة” (intérêt général)، الذي ما زال المجلس ـ عن خطأ ـ مصرًّا على رفعه إلى مرتبة مبدأ ذي قيمة دستورية.

ثم أضاف المجلس شرطًا آخر إلى شرط توافر “المصلحة العامة”، وهو أن يكون “التمييز” متوافقًا مع “غاية القانون ومتناسبًا معها”. وهذا بحد ذاته يضرب مبدأ المساواة مرة أخرى، عبر تعداد الاستثناءات التي تتيح تجاوزه، بحيث تصبح الغاية من القانون مبرّرًا لمخالفته.

فكيف يمكن لغاية القانون أن تبرّر انتهاك مبدأ المساواة أمامه؟

إنّ الغاية، أيًّا كانت، لا تبرّر مخالفة المبدأ الدستوري؛ وإلا نكون قد أطحنا نهائيًا بمبدأ المساواة، لأننا بذلك نجيز للمشترع تجاوزه كلما كانت غاية القانون بنظره تقتضي ذلك. وهذا يعني أنّ القانون يصبح في الأساس مخالفًا للدستور، وأنّ المجلس الدستوري هنا قد أفرغ المبدأ من مضمونه وحوّله إلى قاعدة جوفاء لا قيمة فعلية لها.

 

ب ـ التناقض بين القانون وأسبابه الموجبة

أدلى الطاعنون بأنّ المادة 3 من القانون تنصّ على أنّه يهدف إلى “تعزيز الاستقرار المالي ومعالجة حالات التعثر وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أيّ مصرف متعثّر”، وهي أهداف متمايزة عن الهدف المحدّد في الأسباب الموجبة للقانون، الذي يتمثّل في “وضع إطار قانوني حديث وفق أفضل المعايير الدولية المتّبعة يفتقده التشريع المصرفي في لبنان، وتحتاجه الحكومة فضلًا عن مصرف لبنان للتعامل مع الأزمات المالية كافة وفي مقدّمها الأزمة الحالية”.

وانتهوا إلى القول إنّ الاختلاف في تحديد الهدف بين القانون وأسبابه الموجبة أمر غير محمود، إذ يُظهر من جهة نقصًا في المهنية التشريعية، ويقدّم من جهة أخرى سببًا جوهريًا للمجلس الدستوري لإعلان عدم دستورية القانون بالشكل فيما لو طُعن به أمامه. كما أنّه، علاوةً على ذلك، من غير الصحيح أنّ الحكومة ومصرف لبنان بحاجة ماسّة إلى قانون كالذي أُقرّ للتعامل مع الأزمة الحالية، إذ إنّ التشريع والأنظمة اللبنانية يتضمّنان رزمةً من الأحكام القانونية والنظامية المرنة التي يمكن التأسيس عليها للتعامل مع الأزمات المالية، إلى ما هنالك. ولم يرد عن مصرف لبنان، بالرغم من الأزمة المالية، أيّ إشارة إلى عدم كفاية الواقع التشريعي للتعامل مع الأزمة المصرفية، بل إنّ الحاكم السابق اكتفى آنذاك بطلب إقرار قانون للكابيتال كونترول، ما يثبت عدم إلحاقه للقانون الحاضر، لأنّه “لزوم ما لا يلزم”.

وقد ردّ المجلس الدستوري بصورة جيدة على هذا السبب، مستندًا إلى ما يلي:

ـ لم يتبيّن أيّ تناقض بين الأهداف المحدّدة في المادة 3 من القانون المطعون فيه والهدف الوارد في أسبابه الموجبة، طالما أنّ الغاية من القانون في الحالتين هي تحقيق المصلحة العامة.

ـ إنّ الأسباب الموجبة للقانون، وإن يُستأنس بها أحيانًا لتفسير أحكام القانون المطعون فيه وغاياته، لا تتمتع بحدّ ذاتها بطابع قانوني (Caractère juridique) خلافًا لأحكام القانون الذي ترافقه، وهي تالياً لا تخضع لرقابة المجلس الدستوري.

ـ بالنسبة لعدم الحاجة للقانون المطعون فيه، فإنّ تقدير ملاءمة التشريع يعود للمجلس النيابي وحده، فهو المختصّ به عملاً بأحكام المادة 16 من الدستور، وتُعدّ سلطته في هذا المجال مطلقة في تعديل أو إلغاء القانون، بشرط عدم مخالفته للدستور أو لأيّ من المبادئ ذات القيمة الدستورية.

إننا نؤيّد ما ذهب إليه المجلس الدستوري في ردّ ادّلاءات الطاعنين تحت هذا السبب، ونضيف أنّ سلطة التشريع الممنوحة حصراً للمجلس النيابي بموجب المادة 16 من الدستور، لا تجيز له تعديل أو إلغاء القانون فحسب، بل أيضًا إضافة ما يراه لازمًا على الكتلة التشريعية النافذة. فهذا من صلاحيته الحصرية، ولا يجوز لأيّ سلطة أخرى أن تمارس رقابتها عليه في هذا المجال، شرط عدم مخالفته للدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية. فصلاحية المجلس الدستوري تقتصر على هذه الناحية دون سواها، وإلاّ تحوّل إلى سلطة وصاية على المجلس النيابي، وهذا أمر غير مقبول بطبيعة الحال، إذ إنّ مصدر السلطات سيّد نفسه، ولا سلطة تعلو على سلطته.

 

ج ـ عدم جواز تعليق نفاذ القانون على إقرار ونشر قانون لاحق

أدلى الطاعنون بأنّ القانون المطعون فيه تضمّن نصوصًا تربط عددًا من أحكامه الأساسية بصدور قانون لاحق، إذ أشارت المواد 2 و14 و37 منه إلى تعليق تنفيذ القانون إلى حين إقرار ونشر قانون لاحق حول “الانتظام المالي واسترداد الودائع”. وهذا غير جائز، برأيهم، لأنه مخالف للدستور، إذ يجعل القانون الصادر غير مكتمل العناصر ويخالف تاليًا مبدأ “فقه القانون”، ويعرّضه للبطلان. فالقانون الذي صدر تضمّن أحكامًا وتعريفات أُعلن أنّ مضمونها سيُنصّ عليه في القانون اللاحق حول “الانتظام المالي واسترداد الودائع”، كما هو الحال بالنسبة للمادة 26 التي تنصّ على أنّ التراتبية في عملية التصفية ستكون وفق آليات يحدّدها القانون المنتظر، الذي يعود له أيضًا تحديد تعريفات ودائع العملاء المؤمّنة وغير المؤمّنة المنصوص عليها في ملحق القانون، وكذلك معالجة الأموال الجديدة المذكورة في هذا الملحق. كما يعود لهذا القانون المنتظر تعديل المتطلبات الاحترازية (الحدود الدنيا للأموال الخاصة والسيولة) التي تنصّ عليها المادة 36. فيكون القانون المطعون فيه غير مكتمل العناصر، وغير ضروري، وغير مقروء، وغير قابل للتطبيق، ومعرّضًا لتناقض جوهري، ومخالفًا للمبادئ المرتبطة بحسن التشريع وفقه النصوص، وبالتالي مخالفًا للدستور.

وقد ردّ المجلس الدستوري بأنّ القانون المطعون فيه يشكّل مرحلة من مراحل التشريع للتصدّي للأزمة المالية والاقتصادية والمصرفية.

وأنّ المادة 37 منه تنصّ على أنه “يُنشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويُعلّق تنفيذه إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”، كما أنّ المواد 2 و14 و26 و36 منه أحالت أيضًا إلى القانون عينه.

وأنّ القانون موضوع الطعن علّق تنفيذه على صدور قانون من دون تحديد أجل زمني، “إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”، وعلّق تطبيقه بشكل خاص على القانون ذاته، كما في المادتين 2 و14 لارتباطهما ارتباطًا وثيقًا بأحكام القانون المرتقب.

وتابع المجلس الدستوري بأنّ قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع”، المعلَّق عليه نفاذ القانون الراهن، هو متلازم ومكمّل، كما يُفترض، للقانون الأخير، إلى حدّ لا يمكن تنفيذ هذا الأخير بمعزل عن القانون اللاحق.

وأنهى المجلس الدستوري تعليله بالقول إنّ تعليق تنفيذ القانون على صدور ونشر قانون لاحق، وإن شكّل سابقة غير مألوفة تزعزع الأمان التشريعي في دولة القانون ـ التي عليها أن تضمن استقرار القواعد القانونية وجودة التشريع، وأن تكفل ثقة الأفراد في النظام القانوني ـ إلا أنّه لا يشكّل مخالفة للدستور أو للمبادئ ذات القيمة الدستورية التي تفضي إلى الإبطال.

إنّ تعليل قرار المجلس الدستوري المفضي إلى ردّ سبب البطلان الذي أدلى به الطاعنون، لا يتّفق مع النتيجة التي خلص إليها بردّ طلب البطلان المبني على هذا السبب؛ فالمجلس الدستوري أخذ على القانون المطعون فيه ما يلي:

ـ أنه معلّق التنفيذ إلى حين صدور قانون من دون أجل زمني، “إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع”، وعلّق تطبيقه على القانون نفسه لارتباط بعض أحكامه ارتباطًا وثيقًا بأحكام القانون المرتقب.

ـ أنّ قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع”، المعلّق عليه نفاذ القانون الراهن، متلازم ومكمّل للقانون الأخير، إلى حدّ أنّه لا يمكن تنفيذ هذا الأخير بمعزل عن القانون اللاحق.

ـ أنّ تعليق تنفيذ القانون على صدور ونشر قانون لاحق يشكّل سابقة غير مألوفة تزعزع الأمان التشريعي في دولة القانون، التي عليها أن تضمن استقرار القواعد القانونية وجودة التشريع، وأن تكفل ثقة الأفراد في النظام القانوني.

ومع ذلك، اعتبر المجلس الدستوري أن كل ذلك لا يشكّل مخالفة للدستور أو للمبادئ ذات القيمة الدستورية، وانتهى إلى ردّ طلب الإبطال. فهل هو على حق في ما ذهب إليه؟

نحن لا نرى ذلك، للأسباب التالية:

لا يعدّ القانون الذي لا يحدّد مهلة لبدء تنفيذه مخالفًا للدستور بحدّ ذاته، ما لم يترتّب على غياب هذه المهلة مساس بمبادئ دستورية أو بمبدأ الأمن القانوني. فالمادة 56 من الدستور اللبناني تعالج مسألة الإصدار والنشر، والمادة الأولى من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني تنصّ على أنّ القانون يصبح نافذًا بعد انقضاء مهلة محدّدة من تاريخ نشره.

إذن، المبدأ أنّ القانون لا يحتاج إلى تحديد مهلة صريحة لبدء نفاذه، لأنّ القانون ذاته أو القواعد العامة تنظّم ذلك.

فغياب المهلة بحدّ ذاته لا يعدّ مخالفة دستورية، إلا إذا خلق ارتباكًا أو غموضًا في التطبيق، بحيث يصبح المواطن أو الإدارة عاجزين عن معرفة موعد سريان القانون، كما هي الحال في القانون المطعون فيه الذي ربط نفاذه بقانون آخر عتيد غير محدّدة مهلة إصداره، ما يخالف مبدأ الأمن القانوني Sécurité juridique، ومبدأ الوضوح والتوقع المشروع prévisibilité. أو إذا أدّى النفاذ غير المحدد لقانون معيّن إلى المساس بحقوق مكتسبة أو مراكز قانونية قائمة من دون انتقال معقول، ما قد يعدّ مخالفة لمبدأ عدم رجعية القوانين principe de non-rétroactivité، أو لمبدأ المساواة أمام القانون الذي تمت الإشارة إليه سابقًا في هذه الملاحظات[1].

فالقاعدة أنّه لا توجد مخالفة دستورية بحدّ ذاتها، ولكن غياب المهلة، إذا أدّى إلى غموض أو اضطراب أو مساس بحقوق مكتسبة، قد يعتبر مساسًا بالأمن القانوني أو بمبدأ المساواة أو بمبدأ عدم رجعية القوانين، وهي مبادئ ذات قيمة دستورية[2].

وبالعودة إلى القانون المطعون فيه، نجد أنّ المشترع أوجد فترة غير قابلة لتوقع بدء نفاذها، إذ ربط نفاذ القانون بنفاذ قانون متوقَّع صدوره من دون أن يكون مضمونًا، فإذا بنا أمام مشترِع يشرّع “في الفراغ”! علمًا بأنّ التشريع يجب أن يكون محددًا في الزمان والمكان، فالمشترع يشرّع لفترة يجب أن يكون بدء نفاذها معلومًا، كما يجب أن يشرّع ضمن إقليم جغرافي محدّد؛ فلا يمكن للمشترع أن يشرّع للعالم بأسره!

وقد يؤدّي القانون المطعون فيه عند نفاذه (في حال حصول ذلك) إلى المساس بمبدأ الأمن القانوني والوضوح والتوقع المشروع، وكذلك المساس بحقوق مكتسبة قبل نفاذه أو مراكز قانونية قائمة. وهذا ما يخالف مبدأ عدم رجعية القوانين أو مبدأ المساواة أمام القانون؛ وهذه المبادئ جميعها ذات قيمة دستورية، ويشكّل المساس بها مخالفة دستورية مفضية إلى إبطال القانون.

د ـ مخالفة مبدأ فصل السلطات

يدلي الطاعنون، تحت هذا السبب، بأن المادة 29 من القانون المطعون فيه نصّت على إنشاء محكمة خاصة في بيروت، لها صلاحية الفصل في الطعون المقدّمة تنفيذًا لأحكامه، كما صلاحية النظر في جميع القضايا المتعلّقة بالحجز الاحتياطي المؤقّت، على أن تُحال الدعاوى العالقة أمام محكمة الدرجة الأولى إليها. ويرى الطاعنون أن أحكام هذه المادة تُدخل تعديلًا على التنظيم القضائي اللبناني، ولا سيّما ما يتعلّق بدوائر التنفيذ والمحاكم الابتدائية، وأنه لم تتمّ استشارة مجلس القضاء الأعلى بشأن القانون المطعون فيه قبل وضعه على جدول أعمال جلسة الهيئة العامة. وبالتالي، يكون القانون المطعون فيه، بإغفاله الأصول الجوهرية المُكرِّسة لمبدأ استقلال القضاء، قد خالف هذا المبدأ الدستوري، كما خالف المادة 20 من الدستور، فضلًا عن خرقه مبدأ فصل السلطات عبر تعدّي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة القضائية وعلى دور أبرز أدوات استقلاليتها، أي مجلس القضاء الأعلى، فيكون بذلك مستوجبًا الإبطال برمّته.

ردّ المجلس الدستوري على هذا السبب بأن القانون المطعون فيه لم يستحدث المحكمة الخاصة المشار إليها في المادتين 29 و31، بل أحال إلى المحكمة الخاصة في بيروت المنشأة بموجب قانون سابق هو القانون رقم 110 تاريخ 7/11/1991 المتعلّق بإصلاح الوضع المصرفي. وأضاف أن الفقرة “ز” من المادة الخامسة من المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 تنصّ على أنّ من صلاحيات مجلس القضاء الأعلى “إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة المتعلّقة بالقضاء العدلي، واقتراح المشاريع والنصوص التي يراها مناسبة بهذا الشأن على وزير العدل”. ويُستفاد من المادة الثانية من الدستور أنّ ثمّة ضمانات يجب حفظها للقضاة والمتقاضين لتأمين استقلال القضاة وصون حقوق المتقاضين، وأن التشريع الذي يمسّ بهذه الضمانات يكون مخالفًا للدستور. وبالتالي، يجب تفسير الفقرة “ز” المشار إليها ضمن إطار تلك الضمانات، بحيث يتوجّب أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى في كل ما يتعلّق بشؤون القضاء العدلي والقضاة، مثل التعديل في النظام القضائي أو تنظيم المحاكم أو وضعية القضاة كسنّ التقاعد، على سبيل المثال. أما ما يخرج عن إطار تلك الضمانات فلا يمكن أن يُعدّ انتقاصًا منها ولا يستوجب، بالتالي، استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى.

وأضاف المجلس الدستوري أنّ القانون المطعون فيه يرعى، بشكل أساسي، إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، وقد أحال في بعض مواده إلى المحكمة الخاصة في بيروت المنشأة بموجب قانون سابق، فلا يكون بالتالي من فئة القوانين التي يجب استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى فيها قبل إقرارها. ويقتضي، تاليًا، ردّ هذا السبب.

إنّ المجلس الدستوري على حقّ في ما ذهب إليه في معرض ردّه هذا السبب، وذلك للأسباب الآتية:

ـ لأنّ إحالة الدعوى من محكمة إلى أخرى لا يشكّل أيّ مساس بمبدأ فصل السلطات، خصوصًا وأن الضرورات العملية تبرّر هذه الإحالة.

ـ ولأن المحكمة المُحال إليها لم تُستحدَث لهذه الغاية، بل كانت قائمة قبل صدور القانون المطعون فيه، ما ينفي أيّ نيّة بالتعدّي على صلاحيات السلطة القضائية.

ـ ولأنّ الإحالة إلى المحكمة الخاصة في بيروت المنشأة بموجب القانون رقم 110 تاريخ 7/11/1991، المتعلّق بإصلاح الوضع المصرفي، لا تستوجب إطلاقًا أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، لأنها لا تتعلّق بشؤون القضاء العدلي أو بأوضاع القضاة، بل بتعديل في اختصاص المحاكم وفقًا لمقتضيات الضرورة الملحّة. وهذا ما يدخل في صلب اختصاص السلطة التشريعية.

هـ ـ حماية الملكية الفردية المتمثّلة بأموال المودعين

يدلي الطاعنون، تحت هذا السبب، بأن المادة 13 من القانون المطعون فيه تنصّ على عدد من “أدوات إصلاح وضع المصرف”، مثل الإنقاذ الداخلي Bail-in، على أن يُطبّق على جميع المودعين كما تشير إلى ذلك المادة 14 من القانون، وإعادة رسملة المصارف من المساهمين أو من المصرف الأم، أو من خلال مستثمرين جدد، وتحويل بعض أو كامل موجودات المصرف وحقوقه ومطلوباته إلى مؤسسة أخرى، وإجراء دمج مع مصرف آخر، وغيرها. ويرى الطاعنون أنه كان من المفيد، تنفيذًا للتعهّدات والوعود التي أطلقها المسؤولون حول حماية الودائع وقدسيتها، أن يتضمّن النص تأكيدًا على عدم جواز تخفيض أو تحويل الالتزامات تجاه المودعين، كما اقترح صندوق النقد الدولي.

ويضيف الطاعنون أنّ المادة 14 من القانون المطعون فيه تنصّ على مراعاة التراتبية المنصوص عنها في الملحق رقم 1 بالنسبة لتوزيع المسؤوليات وتحمل الخسائر، وأن المادة المذكورة تحوّل المودعين إلى مستثمرين رغمًا عنهم، ولا تحافظ على حقوقهم في ملكية ودائعهم، خلافًا لما تمّ الإعلان عنه في المادة 3 من القانون، وبما يخالف المادة 15 من الدستور التي تنصّ على أن الملكية في حمى القانون، وتشمل الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمادية وغير المادية، والديون، والحصص، والشهادات، وعنصر الزبائن.

وردّ المجلس الدستوري على هذا السبب بأنه، بغضّ النظر عن طبيعة الأموال موضوع الإيداع لدى المصرف، وبغضّ النظر عن الجدل القائم حول ما إذا كانت تشكّل نوعًا من حقوق الملكية المحمية بالمادة 15 من الدستور، أو من نوع الديون التي تولّد حقوقًا شخصية لأصحابها، يتبيّن أن القانون المطعون فيه قد أحاط أصحاب الودائع المؤمّنة وغير المؤمّنة بالحماية عبر إدراجهم في الفئتين 7 و8 من سلّم تراتبية توزيع المسؤوليات وتحمل الخسائر، كما هو ملحوظ في الملحق رقم 1 من القانون، الذي يوازن بين الحفاظ على الانتظام العام الاقتصادي والمالي للدولة من جهة، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح من جهة أخرى.

ويختم المجلس الدستوري بأن حقّ الملكية ليس مطلقًا، ويعود للمشترع تقييده حفاظًا على المصلحة العامة، شرط أن لا يُفرغه من جوهره، فيكون تقييد حقوق المودعين الناتج عن أحكام القانون المطعون فيه مبرّرًا بالأهداف المتمثّلة في الحفاظ على النظام العام المالي الذي حدّده المشترع، طالما أنه يبقى متناسبًا مع هذه الغاية. ويكون ما أدلي به خلاف ذلك مردودًا.

استند المجلس الدستوري في ردّ هذا الإدلاء إلى سببين:

أولهما سبَبٌ خاصّ، مبنيّ على أنّ القانون المطعون فيه قد أحاط أصحاب الودائع المؤمّنة وغير المؤمّنة بالحماية عبر إدراجهم في الفئتين 7 و8 من سلّم تراتبية توزيع المسؤوليات وتحمل الخسائر كما هو وارد في الملحق رقم 1 من القانون.

وثانيهما سبَبٌ عامّ، مبنيّ على جواز تقييد حقّ الملكية، غير المطلق، حفاظًا على المصلحة العامة، بشرط عدم إفراغه من جوهره، فيكون تقييد حقوق المودعين الناتج عن أحكام القانون المطعون فيه مبرّرًا بالأهداف المتمثّلة في الحفاظ على النظام العام المالي الذي حدّده المشترع، طالما أنه يبقى متناسبًا مع تلك الغاية.

ومن جهتنا، لا نرى في القانون المطعون فيه أيّ تعدٍّ على حقوق الملكية، سواء اعتُبرت الودائع ملكيات أم حقوقًا عقدية، بما يبرّر إبطال القانون، فضلًا عن جواز تقييد حقوق الملكية، كما ورد في قرار المجلس الدستوري؛ إلا أن العبرة تبقى للتنفيذ.

و ـ المخالفة الناشئة عن إنشاء الهيئة المصرفية العليا

أدلى الطاعنون بأن القانون المطعون فيه قد أنشأ هيئة مصرفية عليا مستضافة لدى مصرف لبنان ومموّلة منه، تتمتع بصلاحيات قضائية كبرى. فقد نصّت المادة 7 من القانون على أن قرار إصلاح وضع المصرف أو قرار شطبه وتصفيته يُتَّخذان من قبل الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية)، بالاستناد إلى تقرير تقييمي نهائي ترسله لجنة الرقابة على المصارف إليها، استنادًا إلى تقرير معدّ من قبل مقيّم مستقل، تُحدَّد فيه القيمة الصافية لموجودات المصرف وحجم الخسائر، مع إمكانية طلب الهيئة تعيين مقيّم آخر.

كما اعتبرت المادة 36 أن موجودات المصرف لدى مصرف لبنان تُحتسب ضمن الاستحقاقات الدفترية، مع إعادة ترتيب استحقاقات الودائع من قبل المصرف. ويرى الطاعنون أنّ ذلك يثير إشكالية من نوع “أنت الخصم والحكم”، باعتبار أن رئيس الهيئة هو حاكم مصرف لبنان، وأن عضوين منها هما نائبان له، في حين أن مصرف لبنان هو المتقاعس عن ردّ التزاماته تجاه المصارف. وهذا ما يعزّز حجّة المطالبين بتنصيب قضاة مستقلين في رئاسة هيئة إصلاح الوضع المصرفي بدلاً من القائمين على مصرف لبنان، منعًا لتضارب المصالح.

ويضيف الطاعنون أنّ شكل هذه الهيئة من شأنه أن يؤدّي حتمًا إلى تعقيد الإجراءات بدل تبسيطها، وإلى حرمان المتقاضين من سهولة تحديد القاضي الطبيعي ومن ضمانات المحاكمة العادلة، وأن إناطة صلاحية خطيرة مرتبطة بالملكية الفردية للأفراد والجماعات بهيئة إدارية تابعة للسلطة التنفيذية تتعارض مع المبدأ الدستوري القائم، إذ تُعدّ هذه الصلاحية من صلب حمى القضاء العدلي، ولا يجوز بالتالي للمشترع التنازل عنها لصالح هيئات تنفيذية؛ الأمر الذي يوجب إبطال المواد ذات الصلة، وفقًا لما تم بيانه في الفقرة الثانية من هذا القسم.

وردّ المجلس الدستوري على هذا السبب بأنّه يقتضي تحديد الطبيعة القانونية للهيئة المصرفية العليا، لبيان ما يترتب عليها من نتائج. ومن مراجعة الأحكام المتعلقة بهذه الهيئة، لجهة تكوينها أو مهامها أو طريقة عملها، يتبيّن وجود مجموعة من المؤشرات المتعارف عليها التي تدل على أنها من نوع الهيئات الإدارية المستقلة Autorité administrative indépendante.

ومن بين هذه المؤشرات ارتباطها المالي والعضوي بمصرف لبنان، كما يتبيّن من المادة 9 من القانون (تمويل الهيئة المصرفية العليا) التي تنص على أنّ “مصرف لبنان يتحمّل نفقات الهيئة المصرفية العليا”، ومن المادة 5 التي ترعى تأليفها، وعدم ترؤسها من قبل قاضٍ بل من قبل حاكم مصرف لبنان في غرفتيها، وممارستها بشكل أساسي لمهام تنظيمية وتقريرية، فضلًا عن غياب الأصول الوجاهية وحقوق الدفاع أمامها، ما ينفي الطابع القضائي عن أعمالها. يُضاف إلى ذلك عنصر جوهري يتمثل في إمكان الطعن بقراراتها أمام مرجع قضائي مستقل، كما يتبيّن من المادتين 29 و31، ضمانًا لحقوق المتضررين.

ويضيف المجلس الدستوري أنّ القرارات الصادرة عن هيئة إدارية مستقلة هي قرارات إدارية تقبل الطعن أمام مرجع قضائي، متمثل في الحالة الراهنة بالمحكمة الخاصة في بيروت، لا سيما أن القرارات الصادرة عن الغرفة الأولى من الهيئة تتعلق بالعقوبات الإدارية. وبالتالي، فإن إمكانية الطعن بقرارات الهيئة، بغرفتيها، أمام القضاء المختص، تشكّل بالنسبة للمتقاضين المتضررين إحدى الضمانات الأساسية التي نصّت عليها المادة 20 من الدستور، إلى جانب حق الدفاع والحق في محاكمة وجاهية وعادلة.

إلا أن الحدَّ من حق التقاضي بالطريقة الواردة في المادة 31 من القانون المطعون فيه، من خلال عدم إجازة المحكمة وقف تنفيذ القرار المطعون فيه أو إبطاله، وحصر صلاحياتها بالحكم بالتعويضات المالية دون غيرها من المطالب، يشكّل انتقاصًا من الضمانات التي أوجبت المادة 20 من الدستور حفظها للمتقاضين، ويتعارض مع أحكام الدستور ومع المبادئ ذات القيمة الدستورية؛ ما يقتضي معه إبطال العبارة الواردة في ذيل المادة 31 المذكورة.

ونحن نؤيد ما انتهى إليه المجلس الدستوري حسمًا لهذا السبب، لجهة توصيف القرارات الصادرة عن الهيئة المصرفية العليا بأنها قرارات إدارية تقبل الطعن أمام مرجع قضائي، وهذا ما هو حاصل في القانون المطعون فيه، إذ إن الطعن بالقرارات المذكورة يتم أمام المحكمة الخاصة في بيروت. غير أن الحدّ من حق التقاضي بالطريقة الواردة في المادة 31 من القانون المطعون فيه، بعدم إجازة المحكمة وقف تنفيذ القرار المطعون فيه أو إبطاله، وحصر صلاحيتها بالحكم بالتعويضات المالية دون سواها من المطالب، يشكّل انتقاصًا من الضمانات التي أوجبت المادة 20 من الدستور حفظها للمتقاضين.

وهذا ما يتعارض مع أحكام الدستور ومع المبادئ ذات القيمة الدستورية.

وعليه، يبقى الحل الذي توصّل إليه المجلس الدستوري هو الحل المناسب، إذ يقتضي إبطال العبارة الواردة في ذيل المادة 31 المذكورة، بحيث تُمنح المحكمة الخاصة في بيروت الصلاحية الكاملة للنظر في الطعون المقدّمة أمامها ضد قرارات الهيئة المصرفية العليا، من دون تقييد صلاحيتها بأي قيد أو شرط. فيعود لها وقف تنفيذ قرارات الهيئة المطعون فيها، كما يعود لها قبول الطعون أو رفضها وفق ما تراه مناسبًا. وعندها تستقيم الأمور وتُؤمَّن الضمانة اللازمة للمتقاضين المتضررين، ويصبح القانون المطعون فيه، في هذه الحالة، بمنأى عن الإبطال.

 

ثانياً: مدى دستورية القانون المطعون فيه في ضوء الأسباب المثارة عفواً من المجلس الدستوري

ذكّر المجلس الدستوري في قراره أنه، بمجرد تسجيل مراجعة طعن بدستورية قانون في قلم المجلس، يضع يده على كامل ما يشوب هذا القانون من مخالفات، بما في ذلك النصوص التي لم يتناولها الطعن، ويرتّب عليها النتائج اللازمة، من غير أن يكون مقيّداً بمطالب الطاعنين أو بالأسباب التي استندوا إليها، وذلك وفقاً لاجتهاده المستقر.

أ ـ في توصيف “قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع” بوصفه “القانون الذي تُلزَم الحكومة بإحالته إلى المجلس النيابي ليصار إلى إقراره”

جاء في قرار المجلس الدستوري أن المادة الأولى من القانون، المعنونة “التعاريف”، قد نصّت في تعريفها لـ”قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع” على أنه القانون “الملزمة الحكومة إحالته إلى المجلس النيابي ليصار إلى إقراره”. ولما كانت المادة 18 من الدستور تنص على أنّه “لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، ولا يُنشر قانون ما لم يُقِرَّه مجلس النواب”، فإن ذلك يعني أن مجلس الوزراء، أسوةً بمجلس النواب، هو أحدُ صاحبي القرار في المبادرة التشريعية.

وأضاف المجلس الدستوري أنّ المبادرة في اقتراح مشاريع القوانين تندرج ضمن إطار مبدأ التعاون بين السلطات في الحقل التشريعي، ولا سيما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو من أبرز سمات مبدأ الفصل المرن بين السلطات في الأنظمة البرلمانية. وبالتالي، لا يجوز للسلطة التشريعية أن تُلزم السلطة التنفيذية بإحالة مشروع قانون إليها، إذ يُعدّ ذلك تدخلاً في أعمال السلطة التنفيذية وإخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عنه في الفقرة “هـ” من مقدمة الدستور. وبناءً عليه، انتهى المجلس إلى إبطال عبارة “والملزمة الحكومة إحالته إلى المجلس النيابي ليصار إلى إقراره”، لمخالفتها الدستور.

إنّ ما ذهب إليه المجلس الدستوري صائب ومُستوجِب التأييد، إذ لا يصحّ أن تُلزَم السلطة التنفيذية بإعداد مشروع قانون وإحالته إلى السلطة التشريعية؛ ففي ذلك خرق لمبدأ فصل السلطات وتجاوز من السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة التنفيذية التي تشاركها صلاحية إعداد واقتراح مشاريع القوانين، حيث يعود لهذه الأخيرة ليس فقط حق اختيار مضمون هذه المشاريع، بل أيضاً حرية المبادرة إلى وضعها أو الامتناع عنها.

ومن جهة أخرى، نرى أنّ المشترِع، الذي اعتمد نهج “التشريع في الفراغ”، كما سبق أن ذكرنا، فأقرّ قانوناً من دون تحديد تاريخ بدء سريانه، قد وضع “خطة مسبقة” رسم بموجبها مسار القانون المطعون فيه، إذ ربطه بقانون آخر لم يصدر بعد، ونصّ على إلزام الحكومة بإحالة مشروعه إلى المجلس النيابي! أي إنّ المشترع لم يكتفِ بخطئه الأول المتمثل في ربط تاريخ بدء سريان القانون المطعون فيه بقانون لم يَرَ النور بعد، بل ارتكب خطأً آخر تمثّل في إلزام الحكومة بإعداد مشروع عن هذا “القانون الافتراضي” وإحالته إلى المجلس النيابي.

إنها طريقة تشريعية “مستحدثة ومنبوذة”، أحسن المجلس الدستوري صنعاً بممارسته رقابته عليها، وإلا لكنا أمام نهج تشريعي جديد يُضاف إلى ما سبق وسمّيناه “الفوضى في التشريع”، وهو نهج لا ينسجم مطلقاً مع القواعد التي تقوم عليها “دولة القانون”.

ب ـ إبلاغ المصرف قرار الهيئة المصرفية العليا بخصوص نتائج التقييم

جاء في قرار المجلس الدستوري أنّ المادة 11 من القانون المطعون فيه نصّت في فقرتها الأولى على أنّه: “يُعتبر عدم قيام المصرف بإبلاغ الهيئة المصرفية العليا بأيّ اعتراض على نتائج التقييم الذي أجراه المقيّمون المستقلّون بمثابة إقرار بنتائج التقييم. وفي حال اعتراض المصرف على نتائج التقييم لأسباب مادية، يجوز له إبلاغ الهيئة المصرفية العليا، خطياً مع نسخة إلى لجنة الرقابة على المصارف، عن الأسباب المفصّلة لاعتراضه، وذلك خلال مهلة أقصاها 30 يوم عمل من تاريخ صدور تقرير التقييم.”

وتابع المجلس الدستوري أنّ النص على سريان مهلة الاعتراض من تاريخ صدور تقرير التقييم من شأنه الانتقاص من حقّ المصرف في اللجوء إلى المحاكم، وكذلك من حقوق الدفاع ذات القيمة الدستورية، واللتين تُشكّلان معاً إحدى الضمانات المنصوص عليها في المادة 20 من الدستور، عطفاً على المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحيل إليها الفقرة (ب) من مقدمة الدستور وتشكل جزءاً لا يتجزأ منه، وتنص على أنّه: “لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحه إياها الدستور أو القانون.”

وبناءً عليه، اعتبر المجلس الدستوري أنّه يقتضي إبطال كلمة “صدور” وتحصين النصّ بتحفّظ تفسيري إلزامي مؤدّاه أنّ مهلة الاعتراض لا تبدأ إلا من تاريخ إبلاغ التقرير إلى المصرف المعني.

وإنّنا نتوافق مع المجلس الدستوري في النتيجة التي خلص إليها، مع تحفّظ بسيط سنأتي على ذكره أدناه، وذلك للسببين الآتيين:

  1. لأنّه لا يصحّ بدء سريان مهلة الاعتراض (30 يوماً) بتاريخ صدور القرار لا بتاريخ إبلاغه إلى المصرف، إذ إنّ المصرف قد لا يكون على علم بصدور القرار عن الهيئة المصرفية العليا، وبالتالي يُحرم في هذه الحالة من ممارسة حقّه في الدفاع لجهله بصدور القرار. وهذا ما يفرض، كما فعل المجلس الدستوري، ربط بدء سريان المهلة بتاريخ إبلاغ القرار لا بتاريخ صدوره.
  2. لأنّ القانون المطعون فيه أوجد تناقضاً بين أحكامه، بل وعدم مساواة بين الهيئة المصرفية العليا والمصارف.
    فقد أجاز للمصرف إبلاغ اعتراضه على نتائج التقييم لأسباب مادية إلى الهيئة المصرفية العليا خطياً، مع نسخة إلى لجنة الرقابة على المصارف، خلال مهلة 30 يوماً.

إنّ جواز إبلاغ الهيئة المصرفية العليا بالاعتراض لأسباب مادية يجعل المهلة لا تسري على الهيئة إلا من تاريخ إبلاغها؛ وكان يقتضي اعتماد القاعدة عينها ـ تحقيقاً للمساواة ـ بالنسبة لسريان المهلة على المصرف.

ومن جهة أخرى مختلفة تماماً، يظهر من القانون المطعون فيه أنّ للمصرف الحقّ في الاعتراض على التقييم ليس فقط لأسباب “مادية”، بل لأسباب غير مادية أيضاً. غير أنّ النصّ اكتفى بالترخيص للمصارف بإبلاغ الاعتراض لأسباب مادية دون غيرها، ما يثير لَبساً حول سبب استبعاد الأسباب غير المادية، وكان يقتضي أن يأتي القانون أكثر وضوحاً، عملاً بمبدأ الوضوح في التشريع ذي القيمة الدستورية.

لذلك، ينبغي إبطال النص لهذه الجهة بسبب عدم الوضوح والالتباس، وتحصينه بتحفّظ تفسيري ملزم مؤدّاه وجوب إبلاغ المصرف اعتراضه إلى الهيئة المصرفية العليا ولجنة الرقابة على المصارف سواء كان الاعتراض لأسباب مادية أم غير مادية، إذ لا موجب لتقييده بالفئة الأولى دون غيرها.

ج ـ عدم معاملة الدائنين من ضمن المرتبة الواحدة بالتساوي

جاء في قرار المجلس الدستوري أنّ المادة 16 من القانون المطعون فيه نصّت في فقرتها ما قبل الأخيرة على أنّه:
“يعود للهيئة المصرفية العليا عدم اعتماد المبدأ العام القاضي بمعاملة الدائنين من ضمن المرتبة الواحدة بالتساوي، مع تحديد الحالات التي لم يطبَّق فيها هذا المبدأ وشرح شفاف للأسباب الموجبة، وذلك فقط إذا ارتأت أنّ الأمر ضروري لاحتواء التأثير المحتمل لتعثر مصرف ما على القطاع المصرفي أو لتأمين المنفعة القصوى لصالح الدائنين ككل.”

وتابع المجلس الدستوري أنّ هذه الفقرة خوّلت الهيئة سلطة التمييز بين الدائنين الموجودين في وضعية قانونية واحدة، ومنحتها سلطة استنسابية مطلقة في تحديد الحالات التي يجري فيها هذا التمييز وتقدير الضرورة له، من دون وضع ضوابط أو معايير واضحة وموضوعية تبرره، ما يجعلها مخالفة لمبدأ المساواة ذي القيمة الدستورية المكّرس في المادة السابعة من الدستور وفي الفقرة (ج) من مقدمته، الأمر الذي يستوجب إبطال الفقرة المذكورة.

وإنّنا نتفق مع المجلس الدستوري في النتيجة التي خلص إليها، لكننا نختلف معه في التعليل الذي اعتمده، للأسباب الآتية:

إنّ المجلس الدستوري، حين اعتبر مبدأ المساواة ذا قيمة دستورية، أجاز في الوقت نفسه للهيئة المصرفية العليا مخالفة هذا المبدأ عبر التمييز بين دائنين هم في وضعية قانونية واحدة، شرط وضع ضوابط أو معايير موضوعية تبرّر هذا التمييز. وبعبارة أخرى، أجاز المجلس الدستوري خرق مبدأ المساواة بشرطين:

  1. تقدير الضرورة لهذا الخرق،
  2. وضع ضوابط ومعايير موضوعية تبرّره.

لكن السؤال الجوهري هنا: هل يكفي “تقدير الضرورة” و”وضع معايير موضوعية” لتبرير خرق مبدأ ذي قيمة دستورية؟

إننا لا نرى ذلك، لأن مخالفة أي مبدأ دستوري لا تُبرّر بمجرد تقدير الضرورة أو وضع ضوابط، إذ إنّ الوقائع، مهما وُضعت لها معايير موضوعية، لا يمكن أن تبرّر المساس بمبدأ دستوري. وإلّا أُفرغ المبدأ من محتواه، وخضع تطبيقه لاستنسابية الجهة المُفسِّرة أو القاضي، وهو ما يناقض تماماً لمفهومه ونظامه وطبيعته القانونية.

 

د ـ إحالة الدعوى إدارياً إلى المحكمة الخاصة

جاء في قرار المجلس الدستوري أنّ الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون تنصّ على أنه: “تُحال أيّ دعوى عالقة أمام محكمة الدرجة الأولى اللبنانية تتعلّق بنزاع قائم بين دائن أو مودع والمصرف المعني، ولم يصدر قرار نهائي بشأنها، إدارياً إلى المحكمة الخاصة في غضون شهر من تعيين المصفي/لجنة التصفية”. وأضاف القرار أنّ مبدأ فصل السلطات ومبدأ استقلالية القضاء، اللذين يتمتعان بالقيمة الدستورية، يمنعان إقرار أيّ قانون أو إصدار أيّ عمل إداري من شأنه التدخّل في عمل القضاء عبر رفع يده عن قضيّة عالقة أمامه، في حين أنّ القضاء هو وحده صاحب الصلاحية في إعلان عدم اختصاصه، أو في إلزام نفسه بإعادة النظر في قضية سبق أن نظر فيها، أو في إقرار نطاق صلاحياته حيالها، أو في إلغاء أحكام قضائية مبرمة. ويُصبح القاضي بالتالي بمنأى عن أيّ تدخل من السلطة التشريعية أو التنفيذية. وعليه، فإنّ إحالة الدعاوى العالقة أمام محكمة الدرجة الأولى، والتي لم يصدر قرار نهائي بشأنها، إدارياً إلى المحكمة الخاصة، يشكّل تدخّلاً في عمل السلطة القضائية عبر رفع يدها عن نزاع عالق أمامها، ما يوجب إبطال هذه الفقرة.

أمّا من جهتنا، فنحن لا نوافق المجلس الدستوري لا في تعليله ولا في النتيجة التي خلص إليها، والمتمثّلة في إبطال الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون المطعون فيه، وذلك للأسباب التالية:

إنّنا أمام حالة قانون مُعدِّل للاختصاص مباح بنصّ القانون، بل منصوص عليه صراحة في البند الأول من المادة 5 من قانون أصول المحاكمات المدنية، ولسنا أمام تدخّل من السلطة التشريعية في اختصاص السلطة القضائية.

فقد نصّ البند الأول من المادة 5 أ.م.م. على ما يأتي:

“تسري قوانين أصول المحاكمات الجديدة فوراً على ما لم يكن قد فُصل فيه من الدعاوى أو تمّ من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها، ويُستثنى من ذلك:
1 ـ القوانين المعدّلة للاختصاص متى كان تاريخ العمل بها لاحقاً لختام المحاكمة في الدعوى أو لصدور حكم فَصَل في مسألة متعلّقة بالموضوع.”

وهذا ما نصّت عليه تماماً الفقرة الثانية من المادة 29 من القانون المطعون فيه، التي جاء فيها وجوب إحالة أيّ دعوى عالقة أمام محكمة الدرجة الأولى اللبنانية تتعلّق بنزاع قائم بين دائن أو مودع ومصرف، ولم يصدر قرار نهائي بشأنها، إدارياً إلى المحكمة الخاصة في غضون شهر من تعيين المصفي/لجنة التصفية. وهذا يتوافق مع البند الأول من المادة 5 أ.م.م.، إذ إنّ الفقرة الثانية من المادة 29 هي، في توصيفها القانوني الصحيح، قانونٌ مُعدِّل للاختصاص، فيُعمل بها فوراً على الدعاوى العالقة التي لم يصدر فيها حكم نهائي بعد.

إلّا أنّ الفقرة المذكورة لم تشمل الدعاوى التي اختُتمت فيها المحاكمة ولم تصدر فيها أحكام نهائية، إذ تُحال الدعاوى في هذه الحالة إلى المحكمة الخاصة. وهذا لا يتطابق مع أحكام المادة 5، البند الأول من أ.م.م.، لكنه يبقى جائزاً طالما أنّ القانون المطعون فيه هو قانون خاص في مسألة تعديل الاختصاص، بالنسبة إلى القانون العام المتمثّل بقانون أصول المحاكمات المدنية. وعليه، يجوز أن يتضمّن هذا القانون أحكاماً مختلفة تتقدّم على أحكام القانون العام، عملاً بالقاعدة القائلة:
“الخاص يقيّد العام”Le spécial déroge au général.

وفي ما عدا ذلك، فإننا أمام تعديلٍ للاختصاص جائز ومبرّر، ولسنا إطلاقاً أمام خرقٍ لمبدأ فصل السلطات ولا أمام تعدٍّ من السلطة التشريعية على اختصاص السلطة القضائية.

هـ ـ تعريف الودائع الجديدة

جاء في قرار المجلس الدستوري أنّ الودائع الجديدة، وفق ما ورد في تعريفها في المادة الأولى، هي الودائع المحررة بالعملة الأجنبية والتي يكون مصدرها تحاويل مصرفية من الخارج أو إيداعات نقدية بعد 30/10/2019. في حين أنّها حُدّدت في البندين 7 و8 من الملحق على أنها الإيداعات الحاصلة بعد 17 تشرين الأول 2019. كما أنّ تاريخ 17/10/2019 اعتُمد أيضاً في فرض استرجاع الأموال في المادة 16 من القانون.

وتابع المجلس الدستوري بأنّ هذا التباين يثير الالتباس والتناقض حول تحديد التاريخ، ويشكّل مخالفة لمبدأ وضوح التشريع ذي القيمة الدستورية، ما يقتضي إزالة الالتباس والتناقض بإبطال التاريخ المشار إليه أعلاه واعتماد التاريخ الغالب، أي 17 تشرين الأول 2019.

إننا نؤيد ما ذهب إليه المجلس الدستوري في هذا السبب الذي أثاره عفواً، متمنّين على المشترع، خصوصاً في الآونة الأخيرة، أن يكون أكثر دقة وأن يبتعد عن التسرّع في إعداد القوانين وإقرارها، إذ يفضي ذلك إلى فوضى تشريعية تعرّض القوانين للطعن والابطال أمام المجلس الدستوري.

ومهما يكن الأمر، يبقى الأهم استرجاع ودائع المودعين وأموال الدائنين، فهؤلاء هم أول ضحايا الفساد الذي ساد لبنان في السنوات الأخيرة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار وجوب اعتماد الدقة والمهنية في التشريع. فقد آن أوان الإصلاح، وتبقى العودة عن الخطأ فضيلة.

 

[1]  أكد المجلس الدستوري الفرنسي ان غياب المهلة في قوانين معقّدة تمس مصالح قائمة، قد يخل بالامن القانوني:

Décision nº 99 – 421 DC du 16 déc. 1999,

مأخوذ من موقع CHAT GPT .

[2]  قرار المجلس الدستوري الفرنسي

Nº 99 – 421 DC du 16 déc . 1999,

مأخوذ من موقع CHAT GPT  ، اعتبر ان غياب فترات انتقالية معقولة عند تطبيق قانون مالي جديد ، يمكن ان يؤدي الى مخالفة لمبدأ الامن القانوني المستمد من ديباجة الدستور الفرنسي ( 1946 ).

مقالات الكاتب

د. عبده جميل غصوب

دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.