بعد أسبوعين على انطلاقة السنة الجديدة، لا يزال المشهد العام في لبنان ملتبساً: لا بداية واضحة ولا خاتمة ممكنة، بل مجموعة ملفات متداخلة ومختلطة، على صورة بلدٍ تحوّل إلى ما يشبه «الشوربة» السياسية والاجتماعية، حيث تختلط القضايا المصيرية بالتفاهة، ويُستبدل النقاش العام بالضجيج والاستعراض.
من عيد الميلاد المجيد، بما يحمله من دلالة دينية عميقة تتمثل في تجسّد الإله لخلاص البشر، إلى تحويله، بفعل الممارسات السياسية والاجتماعية السائدة، إلى مناسبة استهلاكية فارغة. سباق على «أجمل زينة» و«أضخم شجرة» و«أكثر مغارة إبهاراً»، ترافقه حفلات واستعراضات صوتية وبصرية أقرب إلى تشويه الذوق العام، في وقت يُستنزف فيه الناس بين تنقلات مرهقة وطرقات مقفلة فقط لالتقاط الصور ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي موازاة ذلك، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة من ما يُسمّون أنفسهم bloggers وdigital creators، حوّلوا المنصات إلى سيل من صور التسوق والطعام، في مشهد يزداد فجاجة حين يُقارن بغياب أي مبادرة إنسانية حقيقية: لا زيارة لميتم، ولا دعم لدار مسنين، ولا حتى مشاركة صادقة في قداس العيد، ولو في كنيسة القرية. مفارقة فاقعة، خصوصاً أن كثيرين من هؤلاء يعيشون طوال العام على هامش المجتمع، قبل أن يتحولوا في المواسم إلى نجوم استعراض.
الأكثر غرابة أن بعض الكنائس غصّت بالمصلّين في قداس العيد، بين من جاء بدافع الإيمان ومن حضر بدافع «المظهرة». والسؤال الذي يفرض نفسه: أين هؤلاء في قداس الأحد الأسبوعي؟ ولماذا لا يُستعاد الإيمان إلا في المناسبات؟ فإما أن يكون الإنسان مسيحياً في حياته اليومية، أو لا يكون.
بين الميلاد ورأس السنة، تتزاحم أحداث لا تُحصى، لكن همّ شريحة واسعة من السياسيين انحصر في ملف واحد: نزع سلاح حزب الله. أما عربدة العدو الإسرائيلي، فإزاءها انقسم الخطاب بين صمت أعمى، وتطبيل فجّ، بلغ حدّ أن تجرأ بعضهم على مناداة بنيامين نتنياهو بلقب «السيد». في المقابل، غابت كلياً قضايا الانهيار الاقتصادي والأمني، وتُركت سرقة أموال المودعين تمرّ بهدوء، عبر فبركة ما سُمّي «الفجوة المالية»، التي تحوّلت إلى صك براءة جاهز لكل المتورطين في النهب المنظّم.
في هذا السياق، انفجرت فضيحة «الأمير أبو عمر» الوهمي، ومدّعي الدين والمشيخة، القاضي الشرعي خلدون عريمط. وبعد الحصول على الإذن اللازم لملاحقته، جرى توقيفه ليلة رأس السنة، في خطوة يُسجَّل فيها شكر للجهات التي سهّلت منح الإذن. هذه الفضيحة لم تكشف شخصاً واحداً فحسب، بل عرّت رؤوساً كبيرة من مدّعي الوطنية والسيادة والحرية والاستقلال، وفضحت هشاشة عقولهم وسوء ارتباطهم بمراكز القرار الفعلي في الديوان الملكي السعودي، كما كشفت شهيتهم المفتوحة للسلطة، التي من دونها يصبحون بلا وزن ولا قيمة.
كذلك أظهرت هذه القضية تراجع القدرة السعودية على ضبط المشهد السياسي، سواء أكان ذلك عن قصد وبعلم الأجهزة المعنية، أم نتيجة جهل وتواطؤ بعض الأشخاص مع عريمط، ولا سيما في تمرير معلومات حساسة في لحظات بالغة الخطورة.
ثم تأتي ليلة رأس السنة، وهي بدورها مناسبة دينية تُعرف بـ«ختانة ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح بالجسد»، لكنها شهدت فراغاً شبه كامل في الكنائس، بعدما حُوّلت، بفعل الجهل، إلى ليلة مفرقعات وسكر وفجور. وعندما يُثار هذا الواقع، يكون الجواب الجاهز: «هذا شعب يحب الحياة». وكأن من ينتقد هذا السلوك يُصنَّف تلقائياً ضمن ثقافة الموت. والحال أن المشكلة أعمق: شعبٌ بعيد عن الله، لا يستحق وطناً، ولا أكثر من حفنة عروض stand-up comedy، تقف خلفها زعامات حزبية تُقاد الجموع وراءها كما تُقاد الأغنام.
يزيد الطين بلّة مشهد إعلامي يروّج للدجل، من خلال شاشات تُفسح المجال لمحللي الأبراج والمتنبئين بالمستقبل، من ميشال حايك إلى ليلى عبد اللطيف وماغي فرح ومايك فغالي. يجلس الناس في صمتٍ تام، يستمع كل واحد إلى «توقعاته» بحسب برجه: أورانوس يهاجم فينوس، والسنة «سنتك يا عنتر ويا عبلة».
أما الذروة، فكانت في حادثة التعري داخل مطعم «ليزا»، حيث انشغل الحاضرون بالتصوير والبث المباشر، من دون أن يتحرك أحد لتغطية هذا الشخص الذي وُصف بالمريض. المفارقة أن من لم يتحرك في تلك اللحظة، بدا أكثر مرضاً من المعني نفسه. وفي اليوم التالي فقط «استفاقت» كرامة الدولة، فتحركت لإقفال المطعم وتوقيف الشاب/الفتاة. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا لا تستفيق هذه الكرامة نفسها لتوقيف كل من نهب المال العام والخاص، ودمّر الاقتصاد والبنى التحتية، وأفقر المؤسسات الأمنية، وحوّلها إلى أدوات حماية للفاسدين السياسيين والأمنيين والقضائيين وأعوانهم؟
وفي الإقليم، برزت العملية الأميركية التي انتهت باختطاف رئيس فنزويلا عبر مجموعات كوماندوس ومكافحة مخدرات، من دون إصابة عنصر واحد، في دليل صارخ على حجم الخيانات داخل الأجهزة الأمنية الفنزويلية. وزاد من وضوح الصورة اعتراف قائدة القيادة الجنوبية الأميركية بأطماع واشنطن في النفط والموارد الفنزويلية من ذهب وليثيوم ونحاس. ومع ذلك، يكفي الاستماع إلى بعض «الخبراء» اللبنانيين في السياسة والاستراتيجية، وعلى رأسهم وئام وهاب وناصر قنديل، لفهم «الحقيقة الكاملة» للوضع الفنزويلي، مع العبارة الساخرة: «نام يا كبير بكامل أناقتك، لأنك لا تعرف متى تصل طائرتك».
وفي ختام هذا المشهد، جاءت الزيارة الخاطفة لرئيس الجمهورية وعقيلته إلى قبرص لتهنئتها بتولي رئاسة الاتحاد الأوروبي، فيما العدو الإسرائيلي «سكّوا ركابه»، والجنوب عاد «سيداً حراً مستقلاً» بضمانة الاتفاقية الأمنية السورية – الإسرائيلية.
كان الاعتقاد أن عام 2026 قد يحمل بعض التغيير والانفتاح في عقلية المجتمع اللبناني. لكن الواقع، للأسف، أثبت العكس: زيادة في منسوب الجهل والغباء، بلا مفاجآت تُذكر.
وكما قال نزيه نجم: «راح البلد راح البلد يا جويل… وعلى فكرة، الأسود لابقلك».

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
