في البداية، من المهم التنبيه إلى أن الانحدار الأخلاقي في المجتمعات مسألة نسبية، تختلف باختلاف المرجعيات الثقافية والدينية. كما أن هناك، دائماً، تيارات إصلاحية وأخلاقية داخل المجتمعات تعمل على عكس هذا الاتجاه.
فالانحدار الأخلاقي يمسّ واقع كثير من المجتمعات، ويمكن فهمه على أنه تراجع في القيم، كالصدق، والعدل، والاحترام، والمسؤولية.
ومن العوامل التي يُنظر إليها بوصفها مغذية لهذه الظاهرة:
- إضعاف المؤسسات التربوية والدينية التي كانت تقوم بدور توجيهي.
- وسائل الإعلام ومنصات التواصل ومساعداتها التي تعمل على ترويج محتويات عنيفة أو سطحية، أو تنتهك الخصوصية.
- التفاوت الاقتصادي والظلم الاجتماعي، مما يولّد الشعور بالإحباط واللامبالاة بالآخر.
- النزعات الاستهلاكية المفرطة التي تُعلي قيمة المال والمظهر على حساب القيم الأخلاقية.
أما الجهات التي تُتَّهم عادة بتغذية هذا الانحدار، فتشمل:
- جهات إعلامية أو أفراداً يربحون من نشر الفضيحة أو الفتنة.
- بعض الأنظمة السياسية التي تهمّش دور الأخلاق لصالح السيطرة أو المصلحة الضيقة.
- شركات التكنولوجيا التي تصمّم خوارزميات تزيد من الغضب أو الإدمان الرقمي.
أما في ما يتعلق بالانحدار الأخلاقي في وسائل الإعلام التقليدية، من إذاعة وتلفزيون وصحف مقروءة، فيظهر في ممارسات أصبحت معتادة، لكنها تتنافى مع القيم المهنية والأخلاقية. وهذه أبرز مظاهره وأسبابه:
المظاهر
- الإثارة والتطبيل للعنف: كبثّ مشاهد دموية أو جثث من دون حساسية، ووصف الجرائم بتفاصيل مروّعة لجذب المشاهدين.
- انتهاك الخصوصية: كاقتحام منازل المصابين في الكوارث، أو تصوير ضحايا الحوادث من دون إذن، واستغلال أحزان العائلات.
- التضليل والتحيّز الإعلامي: كحذف وقائع مهمة، أو الترويج لأكاذيب سياسية واقتصادية تحت غطاء “الخبر”.
- تطبيع الفجور الأخلاقي: كتقديم برامج تبرّر الخيانة، أو تحوّل النقاش الحاد إلى ابتذال وإسفاف في حوارات “التوك شو”.
- الإعلانات المضلّلة: كالترويج لطب بديل وهمي، أو قروض ربوية، أو منتجات تدميرية، مثل ألعاب الحظ أو الحشو الجلدي، من دون تحذير.
من الذي يغذّي هذا الانحدار؟
- المشاهد/القارئ نفسه: إذ إن ارتفاع نسبة مشاهدة المحتوى المثير يفرض قانون “الكلب يأكل ذيله”، فالإعلام ينتج ما يستهلكه الجمهور.
- الجهات المعلنة: وهي شركات ترغب في برامج منحطة أخلاقياً، لكنها تدرّ أرباحاً ضخمة، فتموّلها.
- سياسات مالكي وسائل الإعلام: إذ يعتبر بعض المالكين الأخلاق عائقاً أمام الشعبوية أو أمام التوجه السياسي الداعم لسلطة فاسدة.
- غياب هيئات ضبط رادعة: فكثير من الدول لا تطبّق قوانين الإعلام بصرامة، أو تكون الهيئات القائمة فيها غير مستقلة.
أما بالنسبة إلى الانحدار الأخلاقي في وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه يعود إلى عدة أسباب مترابطة:
- تصميم الخوارزميات التي تهدف إلى تعظيم التفاعل، غالباً ما يكافئ المحتوى الصادم أو الاستفزازي، لأنه يحقق مشاهدات ونقاشات أسرع من المحتوى الهادف.
- منح المستخدمين مساحة من المجهولية، أي إخفاء الهوية الحقيقية أو استخدام أسماء مستعارة، مما يقلل المساءلة الشخصية، ويشجع البعض على التصرف بطريقة أسوأ مما قد يفعلونه وجهاً لوجه.
- سرعة انتشار المعلومات تتفوّق على قدرة المجتمعات على وضع معايير أخلاقية للتداول، مما يخلق فراغاً تنظيمياً.
- التركيز على بناء “قبائل” رقمية متطابقة الفكر يضعف التعاطف مع المختلفين، ويحوّل الحوار إلى صراع وجودي بدلاً من أن يكون تبادلاً للأفكار.
كيفية المعالجة
أولاً: على الصعيد المجتمعي
لا بد من مقاربة متعددة المستويات تعيد بناء القيم من الداخل والخارج، وأبرز خطواتها:
- إصلاح منظومة التربية والتعليم: من إدراج التربية الأخلاقية والقيمية في المناهج الدراسية منذ مرحلة مبكرة، لتعزيز الصدق والتعاون والمسؤولية والتعاطف، إلى تدريب المعلمين ليكونوا قدوة عملية، لا مجرد ملقّنين للمعلومات.
- دور الأسرة كحصن أخلاقي: وذلك بتقوية الروابط الأسرية عبر الحوار اليومي والأنشطة المشتركة، وضبط وقت استخدام الأبناء للشاشات، وإحياء نماذج العيش البسيط الذي يبرز فضائل كالقناعة والتواضع.
- تحفيز مؤسسات المجتمع المدني والأوقاف: من خلال دعم مبادرات الشباب في العمل التطوعي والخيري التي تنمّي الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر، وتطوير خطاب الكنائس والمساجد والأماكن الثقافية، بالتركيز على الجانب الأخلاقي العملي، لا الطقسي فقط.
- العدالة الاقتصادية وتقليل الفجوات: من مكافحة الفساد والرشوة، اللذين ينشران الظلم المالي المذيب للحافز الأخلاقي لدى الفقراء والمهمشين، إلى توفير فرص عمل لائقة تمنح الناس كرامة، وتقلّل من الاحتياج الشديد الذي يقود غالباً إلى سلوكيات غير أخلاقية، كالسرقة والغش والاستغلال.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
