تتصاعد داخل المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة مخاوف حقيقية من احتمال تعرّض مدينة «إيلات» لسيناريو أمني غير تقليدي، يعيد إلى الأذهان الصدمة النفسية والعسكرية التي أحدثتها هجمات «طوفان الأقصى»، في مؤشر إضافي بارز إلى حجم التحوّلات الجوهرية التي طرأت على العقيدة الدفاعية الإسرائيلية ومفاهيم الأمن القومي بعد تلك الحادثة الفاصلة. فبعد سنوات طويلة ساد فيها انطباع راسخ بأن المدينة الساحلية الواقعة في أقصى جنوب إسرائيل بعيدة نسبياً عن بؤر التهديد المباشر، ومحصّنة بطبيعتها الجغرافية، باتت اليوم تحتل موقعاً متقدماً وحرجاً في سلّم الأولويات الأمنية، مستنزفةً جزءاً كبيراً من الجهد الاستخباري الموجّه لرصد التهديدات الناشئة.
وتكشف المعطيات المتداولة خلف الكواليس داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية عن تنامي القناعة بأن الموقع الجغرافي الفريد لمدينة «إيلات»، وعزلتها النسبية عن مراكز الثقل السكاني والعسكري الرئيسية في وسط البلاد، يجعلانها خاصرة رخوة وواحدة من أكثر المناطق عرضة لاحتمالات المفاجأة الأمنية، وصيداً ثميناً للفصائل المسلحة. فالمدينة ترتكز عند نقطة التقاء حدودية شديدة الحساسية والتعقيد، وتشرف مباشرة على خليج العقبة وشمال البحر الأحمر، ما يمنح الخصوم هامشاً واسعاً للمناورة، ويفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات اختراق متعددة، قد تشمل عمليات تسلّل برّية مباغتة عبر الحدود الطويلة، أو إنزالات بحرية غير متوقعة، أو حتى هجمات متزامنة تتدفق من أكثر من اتجاه في آن واحد.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تشير التقديرات التقييمية إلى أن التهديدات المحتملة لم تعد تقتصر على نموذج المواجهة التقليدية الكلاسيكية التي استعدت لها إسرائيل طويلاً، بل أصبحت تشمل فرضيات أكثر تشابكاً تقوم على ما يُعرف بـ«العمليات المشتركة متعددة الجبهات». وهذا النمط الهجومي الحديث يجمع بدقة بين التسلّل البشري البرّي، واستخدام أسراب الطائرات المسيّرة الانقضاضية، وإطلاق الصواريخ الباليستية والموجّهة، إلى جانب الهجمات البحرية الخاطفة، وهو الأمر الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى إرباك غرف العمليات العسكرية والاستخباراتية، وإغراق المنظومات الدفاعية، مثل «القبة الحديدية» و«منظومة حيتس»، حتى تصل إلى نقطة العجز، ومن ثم إحداث تأثير نفسي وسياسي زلزالي يتجاوز الأثر العسكري المباشر.
وانطلاقاً من هذه الفرضيات القاتمة، برزت داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية، ولا سيما قيادة المنطقة الجنوبية، دعوات ملحّة لرفع مستوى الجهوزية العملياتية في «إيلات» وتحفيز النشاط الاستخباري المرتبط بها، عبر تكثيف عمليات الرصد والإنذار المبكر، وتحديث خطط الطوارئ بشكل ديناميكي، ومراجعة سيناريوهات الإخلاء والدفاع الجوي. وقد تُرجمت هذه المخاوف عملياً خلال الأشهر الأخيرة من خلال رصد سلسلة من الجولات الميدانية المكثفة لكبار القادة العسكريين، وتنفيذ مناورات عسكرية واسعة تحاكي فرضيات سقوط المدينة في حصار مطبق، أو تعرّضها لهجمات متزامنة من عدة محاور إقليمية.
غير أن هذه التقديرات المتشائمة لا تحظى بإجماع كامل داخل أروقة صناعة القرار في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، إذ ترى جهات تقييمية أخرى أن تضخيم حجم التهديد لا يزال يفتقر إلى المؤشرات الملموسة والإنذارات الاستخباراتية الساخنة التي تدل على هجوم وشيك، محذّرةً من الانزلاق نحو استنزاف القدرات العسكرية في جبهات فرعية بناءً على هواجس افتراضية. ويعكس هذا التباين الحاد في القراءة استمرار الجدل الداخلي المتوهّج بشأن كيفية فك رموز البيئة الأمنية الجديدة التي نشأت في الشرق الأوسط بعد أحداث السابع من تشرين الأول، وحدود الفصل بين الحذر المشروع المطلوب لحماية الأمن، والمبالغة المفرطة في تقدير المخاطر، التي قد تقود إلى شلل في التفكير الاستراتيجي.
ويكشف هذا السجال المستمر أيضاً عن أزمة ثقة أعمق وأكثر تعقيداً تعيشها المؤسستان العسكرية والسياسية في إسرائيل، وتتمثل في تراجع اليقين بقدرة الأجهزة الاستخباراتية على التنبؤ بالتهديدات الاستراتيجية العابرة للحدود، ومنع المفاجآت الكبرى قبل وقوعها. فالإخفاق الاستخباراتي المدوّي الذي سبق عملية «طوفان الأقصى» ما زال يلقي بظلاله النفسية الثقيلة على عقول مسؤولي تقدير الموقف، ويدفع العديد منهم اليوم إلى تبنّي مقاربات متطرفة تقوم على افتراض أسوأ السيناريوهات الممكنة وتجهيز الردود العسكرية لها، حتى في ظل غياب الأدلة القطعية، تفادياً للوقوع تحت طائلة المساءلة التاريخية مجدداً.
ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، فصل هذه المخاوف المتنامية المحيطة بمدينة «إيلات» عن تفاعلات المشهد الإقليمي الأوسع وتشابك الساحات، خصوصاً في ظل استمرار التوتر المحموم في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، واتساع نطاق المواجهة مع أطراف «محور المقاومة» من اليمن إلى العراق، وصولاً إلى الجبهة الشمالية في لبنان. ومن هذا المنظور الاستراتيجي الشامل، لم تعد «إيلات» مجرّد مدينة سياحية ذات طابع اقتصادي أو ميناء تجاري حيوي على البحر الأحمر، بل تحوّلت، في الفكر الدفاعي الإسرائيلي الجديد، إلى نقطة اختبار حقيقية ومصيرية لقدرة الدولة على حماية أطرافها الجغرافية البعيدة، وضمان سيادتها، ومنع تكرار سيناريو المفاجأة الاستراتيجية التي قد تكسر هيبة الردع الإسرائيلي إلى الأبد.
وعليه، تكشف هذه التحذيرات المتسارعة والسيناريوهات الافتراضية بشأن «إيلات» أن إسرائيل، برغم ترسانتها العسكرية الضخمة، ما زالت تعيش تفاصيل تداعيات «طوفان الأقصى» على المستويين الأمني والوجودي، وأن هاجس المفاجأة والمباغتة لم يعد مرتبطاً بجبهة تقليدية واحدة أو بخصم محدد على الحدود المباشرة، بل تحوّل إلى عقيدة راسخة ومكوّن ثابت من مكوّنات العقل الاستراتيجي الإسرائيلي في مرحلة تاريخية تتسم بارتفاع غير مسبوق في مستويات عدم اليقين، وتداخل وتشابك دائرة التهديدات الإقليمية من كل حدب وصوب.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
