من واشنطن عام 1861… إلى بيروت

شهدت الولايات المتحدة، عام 1861، انفجاراً مدوياً لتناقضات هيكلية تراكمت على مدى عقود حول الهوية والمواطنة وإلغاء الآخر. وقبل ذلك، اكتفت واشنطن بتسويات سياسية «ترقيعية»، إذا صحّ التعبير، ورحّلت الأزمات بدلاً من حسمها، فكان الثمن حرباً أهلية طاحنة كشفت حقيقة ما قد تؤول إليه المجتمعات عندما تتحول التباينات السياسية إلى احتقان ثقافي وكراهية وجودية. وتعود تلك اللحظة الأميركية الشديدة القسوة، اليوم، لتشكل مرآة تحذيرية حادة أمام الواقع اللبناني؛ واقع وطن ينزف منذ عقود، لا بسبب تعدد مكوناته، بل بسبب إصراره الدائم على تكرار الأخطاء التاريخية ذاتها.

عندما انتهت الحرب الأميركية عام 1865، لم تتحول البلاد، بسحر ساحر، إلى واحة للمساواة، بل ظلت تركة التمييز جرحاً ينزف سنوات طويلة. لكن ما أنقذ التجربة الأميركية على المدى الطويل لم يكن الحسم العسكري وحده، بل انطلاق مسار شاق ومؤلم من إعادة البناء، والعدالة الانتقالية، والمواجهة الشجاعة للحقيقة. وقد أدرك الأميركيون، ولو ببطء، أن الظلم لا يزول بالصمت، وأن التعايش لا يعني النسيان القسري، بل التفكيك الجريء لمسببات الانقسام.

في المقابل، اختار لبنان، عقب انتهاء الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، مساراً معاكساً تماماً، هو مسار التغاضي القسري وتكريس شعار «عفا الله عما مضى». لقد كرّست قوانين العفو العام الصمت في النصوص، لكنها تركت نفوس الضحايا تغلي تحت السطح، إذ استُعيض عن المصالحة الوطنية الحقيقية بتسوية وصفقة بين أمراء الحرب، لتتحول كل طائفة إلى قلعة لذاكرة مقفلة، تحتكر روايتها الخاصة للمأساة وتستمر في شيطنة الآخر.

إن المشكلة في لبنان لم تكن يوماً في التعددية ذاتها، فالتنوع الثقافي والطائفي هو علة وجود الكيان والسر الكامن في استثنائيته. وتبدأ الكارثة عندما تُدار هذه التعددية بالخوف الوجودي المتوارث، فتتحول الهواجس إلى كراهية، والكراهية إلى رغبة مضمرة في الاستقواء أو إلغاء الشريك، وتتحول الذاكرة الجماعية من درس للاتعاظ ومنع تكرار المأساة إلى وقود جاهز للاشتعال مع كل استحقاق سياسي أو إقليمي.

لقد برهن التاريخ أن الشعوب لا تُشفى حين تنتصر جماعة على أخرى، وأن الغلبة السياسية أو العسكرية في المجتمعات المتعددة ليست سوى وهم مؤقت، وأن هزيمة أي فريق ليست إلا صاعقاً قد يفجّر الحرب القادمة.

إن مواجهة الحقيقة في لبنان لا تعني فتح محاكمات تاريخية لا نهاية لها، أو تبادل السباب وتوزيع المسؤوليات، بل تبدأ بخطوات متسلسلة تعيد هيكلة العقل الجمعي. ويأتي في مقدمتها بناء ذاكرة وطنية جامعة، من خلال حسم ملف كتاب التاريخ الموحد، والتوقف عن تدريس أجيال المستقبل تواريخ مجزأة تغذي العصبيات.

كما تتطلب هذه العملية الانتقال الفعلي من منطق الطائفة إلى منطق الدولة، عبر بناء دولة القانون والمواطنة الكاملة التي تضمن حماية الفرد وصون حقوقه، بحيث يحل الاستقرار المؤسسي محل الخوف الوجودي، إلى جانب الإقرار الصريح بالوجع المشترك، والاعتراف بأن الألم خلال الحرب كان عابراً للطوائف، وأن الضحية كانت لبنانية قبل أن تكون منتمية إلى طائفة أو مذهب.

يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما البقاء أسير ذاكرة الخوف وجمر الانقسام المتربص تحت الرماد، وإما امتلاك الجرأة على تحويل الذاكرة إلى منصة لبناء عقد اجتماعي جديد. فالتعايش في لبنان ليس شعاراً رومانسياً يصلح للبطاقات البريدية، بل هو ضرورة سياسية وأمنية ووجودية، إذ لا يمكن أن تقوم دولة قابلة للحياة فيما ينظر المواطن إلى شريكه في الوطن بوصفه خصماً دائماً أو تهديداً محتملاً.

قد لا نملك القدرة على تغيير الماضي أو محو آلامه، لكننا نملك بالكامل قرار تحديد كيفية التعامل معه. فالمستقبل لا يبتسم لوطن يحاول كل فريق فيه إلغاء الآخر، بل يبدأ فقط حين يصبح صوت المواطنة أعلى وأقوى من صوت الكراهية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.