مشروع فيصل كرامي بين الشعبوية الانتخابية والاستحالة المالية

أبو دياب لـ«بيروت 2030»: القانون لن يُقرّ قبل عودة الانتظام المالي

على أبواب الانتخابات النيابية، ينشط النواب في إبراز جهودهم لحفظ حقوق الناخبين بهدف ترجمتها لاحقاً في صناديق الاقتراع. من بين هذه الجهود مشروع قانون قدّمه النائب فيصل كرامي إلى مجلس النواب، يهدف إلى رفع الغبن عن تعويضات نهاية الخدمة بعد العام 2019، بعدما ذوّبها الفرق بين سعر الدولار الذي تقاضوا فيه تعويضاتهم على 1500 ليرة لبنانية، وبين سعر الدولار في السنوات التي تلت الانهيار المالي.

لا شك أن الهدف من المشروع محق، وأنعش آمال الكثير من موظفي المؤسسات والإدارات العامة بإمكانية استرداد حقوقهم، بعدما تقاضوا تعويضات نهاية الخدمة بعد العام 2019 على دولار 1500، لكن تحوّل مشروع القانون إلى قانون نافذ (مع مراسيم تطبيقية)، يحتاج  إلى موافقة على السير به، ليس فقط من مجلس النواب، بل أيضاً من وزارة المالية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والهيئات الاقتصادية. وهذا مسار صعب ودونه عقبات عديدة، إذ ينص القانون على تسوية مستحقات نهاية الخدمة، للعاملين للفترة بين 2019 و2024 على أساس سعر صرف 45 ألف ليرة للدولار، بعد أن تمّت تسويتها سابقاً بسعر الصرف الرسمي القديم – أي 1500 ليرة – مما ألحق غبناً كبيراً بالأجراء والموظفين.

وفق المشروع المقدّم تتحمل الدولة 50 بالمئة من الكلفة بينما يتحمل أصحاب العمل 50 بالمئة منها، ويهدف إلى تعويض ما يقارب 60 ألف مواطن لبناني، حسب إحصاءات قدمتها إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. الدراسات الأولية التي أجراها الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي أظهرت أن التكلفة الإجمالية للمشروع تتراوح بين 700 و800 مليون دولار. و كما ذكرنا أعلاه هناك عقبات مالية كبيرة تحول دون إقراره وتنفيذه، أولها أصحاب العمل الذين لا يبدون حماسة في تحمّل أي نسبة، ويرغبون في أن تتولى مهمة تغطية التعويضات الدولة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في حين أن الأخير يرفض المشاركة بشكل قاطع مشيراً إلى وضعه المالي المُنهار وأن لا قدرة له على تحمّل أي التزامات إضافية.

ثاني هذه العقبات هي وزارة المال، فلا قدرة لها على تأمين المبالغ المطلوبة لأنها غير مدرجة في الموازنة وليس لها مداخيل مخصصة لتغطيتها، كما أبدت تخوفها من أن فتح هذا الملف سيؤدي إلى مطالبات جديدة من فئات أخرى لحقها الغبن، مثال العسكريين المتقاعدين، ما سيفاقم الأزمة المالية.

حالياً مشروع القانون موجود في لجنة المال والموازنة النيابية لمزيد من الدراسة. وفي هذا السياق يوضح الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي – الاجتماعي الدكتور أنيس أبو دياب لـ”بيروت 2030″ أن “ما سمعه على طاولة لجنة المؤشر من الهيئات الاقتصادية مباشرة، أنهم موافقون على تمويل نصف المشروع، شرط أن تموّل الدولة النصف الآخر وبالتقسيط، ولا مانع لديهم أن تتمّ تغطية هذه الكلفة عبر قرض من الدول المانحة بكلفة متدنية”، مشدداً على أن “الكلفة التي ستترتب على إقرار هذا المشروع هي بين 800 مليون ومليار دولار، وهو مبلغ أكبر من أن تتحمله الدولة، والمشكلة هي في تأمين التمويل، لأنه في مكان ما تدرك الهيئات الاقتصادية جيداً أنه لا يمكن للدولة تأمين هذه الكلفة بسهولة”.

ويضيف أبو دياب: “تنفيذ المشروع ليس سهلاً، رغم أنه إنساني ومُحق لكن كلفته كبيرة. شخصياً، ومن باب التحليل، أرى أنه وسط هذه الظروف الصعبة وقبل إقرار قانون الفجوة المالية وإعادة الانتظام المالي، من الصعب البحث في تمويل هذا القانون ولو تمّ إقراره”، لافتاً إلى “الودائع التي ستتحرر بعد إقرار الفجوة المالية، وجزء من أصحابها هم الهيئات الاقتصادية، يُمكن أن تحرّك هذا المشروع. كما أن صندوق النقد حريص على الحفاظ على توازن في الموازنة، فهل سيضاف تمويل هذا المشروع كدين إضافي على الدولة؟”.

ويختم: “هو ملفّ مُعقّد ومُرتبط بالانتظام المالي للدولة، ولا أعتقد أنه سيجري البحث به قبل إقرار قانون الفجوة المالية، وإعادة وصل ما انقطع مع المؤسسات المالية الدولية وإعادة جدولة الدين العام”.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.