اعتبر عُلماء اللغات الحيّة، أن الحروف الأبجدية، هي بمثابة عائلات، والكلمات التي تألّفت منها، شكّلت الأُسر. وكل أسرة تبدأ كلماتها بالحرف نفسه، أو تنتهي بالحرف نفسه. وعندما يضم عالِم اللغة كلمة إلى حيّز الوجود، يضعها ضمن أسرة عائلتها، التي ترتبط معها بالشكل أو بالمعنى أو بالمقصد.
فمثلاً كلمة أُم بالفرنسية Maman، مِن أفراد أسرتها كلمة Mamelle، أي الثدي، أو النهد، بلغة الشعراء اللبنانيين، أو مصدر الغذاء الأول للطفل، أو البيدر بِلغة الشعراء والأدباء، أيضاً. وكلمة أُم، التي هي شريكة الله في عمليّة الخلق، هي الكلمة الأُولى التي ينطق بها الطفل، لِيحصل على قوته.
وجمع كلمة أُم عند البشر، هو أُمهات، بينما جمع كلمة أُم عند الحيوانات، هو أُمّات. والفرق شاسع بين كلمة والدة وكلمة أُم. فكلمة والدة مشتقّة مِن كلمة ولادة، بينما كلمة أُم، تدل على فعل ومجهود التربية. مِن هُنا جاء القول المأثور، “الدنيا أم”، فَخُصّص لها الحنين. وقد حافظت مُعظم الأُمهات اللبنانيات والشرقيات، على صفتي الوالدة والأُم معاً، فاستوطنهن الحنان، بعدما راقبن بزوغ الفجر عشرات المرّات، قرب أَسِرَّة أطفالهن، وذلك، بِعكس المُجتمع الغربي، الذي لم نتخطَّه حتى الآن، في هذا السباق، إلا نادراً، بِالرّغم مِن تَوفُّر بعض الشروط والوسائل، للإحتفاظ بِصفة واحدة.
ومَن لاحظ وتفرَّس بقوانين الطبيعة وظواهرها، التي طبّقتها الغريزة الحيوانية، يجد أن أُنثى الحيوان، ترعى وتُدافِع وتحمي وتُؤَمِّن قوت صغيرها، حيث ينمو في ظل كنفها، حتى يستطيع الإمساك بِمقاليد نفسه، والدفاع عنها، وتأمين قوته، ومبيته. وخير مِثال على ذلك، ما جاء في إنجيل متّى، الفصل 21: “أرسل يسوع تلميذين، وقال لهُما: امضيا إلى القرية التي أمامكما، فَتجِدا في الحال، أَتاناً مربوطة وجحشاً معها…”. وأضاف لوقا في الفصل 28: ” تجدان جحشاً مربوطاً، ما علاه إنسانٌ قط”…، أي لا يزال صغيراً.
فمصنّفات القوانين، وأَروِقَة المحاكم، إذا أَخذت بِهذا المأخذ، لا تُحرم الأُمّهات مِن رِعاية الأطفال والأولاد، في جميع الظروف القاسية، بِغض النظر عن سيرتهن الذاتية، مع استثناء نادر.
غير أن الأُمهات يدافعن بِشراسة عن مصالِح أولادهن، فَخير مِثالٍ على ذلك، جواب الأُم الكنعانية للسيد المسيح، في إنجيل متّى الفصل 15، عندما قالت: “إن صغار الكلاب تأكل مِن الفتات الذي يسقط مِن موائد أربابها”، فكان لها ما أرادت.
كما تسعى وتطلب الأُم الرفاهية لأولادها، وخير مثالٍ على ذلك ما جاء في إنجيل متّى أيضاً، الفصل 20، عندما تقدَّمت أُم ابني زبدى وسجدت للسيد المسيح، وطلبت مِنه: “مُر أن يجلس ابناي هذان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك في ملكوتك”…
وإذا رافقت الأُم ولدها إلى الطبيب، ليعاين طفلها المريض، فَعِندما يسأل الطبيب الولد عن مكان أَلَمَه، يعتصم الطفل بِالصمت، لَكِنه ينظر إلى والدته، لكي تُطلِق سراح الجواب، لأنه على دراية، بِأن والدته، تشعر بِشعوره وتحس بإحساسه.
وإذا أردنا الحديث عن الأُم التي تُعلِّم أولادها خدمة الآخرين، فعلينا معرِفة ما حصل في عرس قانا الشهير، حيث تخلَّت السيدة العذراء (عليها السلام)، عن مقعدها في الديوان، وائتزرت بوزرتها، وبدأت تخدم علِيَّة القوم، وبعد حين، أدركت في غرفة الطهو، أن الدن فرغ مِن النبيذ، فطلبت مِن ابنها يسوع أن يتصرّف، وراحت تلهو بِالزمن، حتى قَدَّمته، لكي تأتي ساعته، لأجل ذلك.
وعندما يصبح الولد مِن عديد التلامذة، فبعد عودته إلى المنزل، يلج غرفة الطهو ليعانق والدته، وإذا رأى والده لاحقاً، يكلّمه ثمّ يقبّله.
أيها الولد، العالَم ليس مِثل أُمك، ففي بعض الأحيان، تغضب وتصرخ أنت في وجهها في النهار، وعند المساء تناديك لِتناول العشاء، كجري عادتها، لأنها مسؤولة، قبل أن تنام قرير العين، استعداداً للذهاب إلى المدرسة في الصباح التالي. وقد شاعت قديماً في القرى اللبنانية بِشكل خاص، قُبلة الأُم لِكسرة الخبز، بعدما تلتقطها عن الأرض.
وفي المدرسة، عندما سأل المعلّم التلامذة عن عدد الحروف الأبجدية، انبرى أحدهم وقال 27 حرفاً. وقد تبيّن بعد الأخذ والرد، أن مَخارج الحروف عند والدته لا تساعدها على لفظ أحد الحروف.
ومعلِّمٌ آخر سأل تلامذة صفه عن عدد ألوان الطعام الشرقي، فانبرى أحدهم وقال 4، وبعد الأخذ والرد، تبيّن أن والدته تُجيد طهو 4 ألوان مِن الطعام الشرقي.
إنها الأُم وكفى…
وبعدما ينجرف الولد بتيار الهجرة النازف، يبقى صوت أُمه في قلبه، حيث عبّر شاعر الضيعة أسعد السبعلي عن هذه الحالة بِقوله:
«وهالقلب، بعدو صوت أمي ما نسي … كل يوم، تزيح بيّي وتعجقو!
فكري انشغل.. فكّت ولاد المدرسي … وليش قولك هالولاد تعوقوا!؟»
وفي يوم عيد الأُم، يسوق الحنان، ولدها إليها، بِلسان الشاعر جوزف الهاشم، المعروف بزغلول الدامور الذي قال:
«لكِن لأنو حنانِك ما إلو تحديد… تا تضل مِن حولنا ترفرف جناحيكِ
كلَّفت قلبي يجي لعندك بيوم العيد… تا يبوس مطرح ما مر خيال إجريكِ…»
وشاب آخر بعث بِرسالة إلى والدته، مِن ديار الغربة، عبَّرت عن حالته، بِقلم شاعر لبنان الزجلي موسى زغيب:
«باعِت إلك مكتوب يا أمي… حامل عزابي بغربتي وهمّي
ومشتاق لجناحك الكان يضم… قلبي ويزرع ضحك عا تمّي…»
أَمّا الأُمَّهات اللواتي انجرفن بتيار الهجرة، بَقِيت مُحافِظات على العادات والتقاليد اللبنانية، وأساليب التربية، التي كانت سائدة في المجتمع اللبناني، وقد اختصر هذه الظاهرة الراسخة، الأَديب اللبناني المهجري جبران خليل جبران بِقوله: «وجه أُمِّي، وجه أُمَّتي».
ويشعر الرجل أَنَّه لا يزال ولداً أمام والدته. لقد عبَّر شاعر الشرق، سعيد عقل عن هذه الحقيقة، بِقصيدة شهيرة أنشدتها فيروزة الشرق، التي تبدأ:
«أُمي يا ملاكي يا حُبّي الباقي إلى الأبد.. ولم تزل يداكِ أرجوحتي ولم أزل ولد…»
وإذا شعر الرجل بدنو أَجله قبل والدته، يخاف أَن تموت كلمة أُمه على شفاهه. هذه الأُم التي أوصته أن يُعلن هزيمته، إذا كان العدو شقيقه.
وعندما تصبح الأُم في ضمير الله وذمّته، وكماله، تبكي الرجال. فدموع الشمع تجمد، ودموع بعض الرجال لا تجمد، فيسير تحت المطر، لكي لا يلاحظ أحدٌ، أنه يبكي، لأنه يريد أن يرى أُمّه، لكن أين المفر مِن رؤيتها في الأحلام؟ لقد عبّر الشاعر الجنوبي ابراهيم خليل شحرور، بِقصيدة رائعة عن الحلم، ومِمّا جاء فيها :
«وفي حلم غالي شوي حقو شهر… لازم تنام كتير تتكفّيه
وفي حلم غالي كتير، حقو دهر… هيدا حلم بتشوف أمّك فيه».
فبعد رحيل أُمك، ربّما يتخلّى العالم عنك لِتموت جوعاً.
ولكن، عندما تُغادِر الأُم، وتستقر في جنّة الجنات، ثم ترى مِن بعيد، ابنها يقاسي العذاب في جهنّم، (ذكر لوقا في الفصل 17، أن الغني رأى مِن جهنم، لعازر في حضن ابراهيم)، فهل تبقى على نعيمها؟، وإذا كان العكس صحيحاً، فهل تبقى في جهنّم على شقائها، أَم يُخفِّف هذا المشهد من عذابها ومقاسيها؟ سأَترُك الإجابة لَكَ أَيُّها القارِىء.

د. حسام شمعون
دكتور دولة في التاريخ ومسؤول ومنظم أرشيف بلدية زحلة-المعلقة وتعنايل.
