في خطوةٍ مهمة تعكس عمقَ وقوةَ العلاقة الاستراتيجية بين باكستان والصين، أعلن وزير التخطيط والتنمية الباكستاني، الدكتور أحسن إقبال، عن انطلاق المرحلة الثانية من مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني، وذلك خلال زيارته إلى الصين الأسبوع الماضي. وجاء هذا الإعلان عقب اختتام الاجتماع الرابع عشر للجنة التعاون المشترك بين البلدين، في مؤشرٍ واضح إلى دخول المشروع مرحلةً جديدة من التعاون والتنمية المشتركة.
إنجازات المرحلة الأولى
شهدت المرحلة الأولى من المشروع إنجازاتٍ كبيرة ومهمة على مختلف المستويات، إذ تمّ الانتهاء من 43 مشروعاً بتكلفة إجمالية بلغت نحو 25 مليار دولار. ومن أبرز هذه الإنجازات بناء شبكة من الطرق السريعة بطول 888 كيلومتراً، ما ساهم في تعزيز الربط الداخلي وتسهيل حركة التجارة والمواصلات في باكستان.
وفي قطاع الطاقة، جرى تنفيذ 17 مشروعاً لتوليد الكهرباء أضافت إلى الشبكة الوطنية نحو 8800 ميغاواط، الأمر الذي ساعد في التخفيف من أزمة انقطاع الكهرباء التي عانت منها البلاد لفترات طويلة. كما تم تطوير مناجم فحم، وإنشاء خطوط نقل كهربائية عالية الجهد (+660 كيلوفولت) لضمان استقرار واستمرارية التيار الكهربائي، ما عزّز البنية التحتية بشكلٍ ملحوظ.
ولم يقتصر المشروع على البنى التحتية فحسب، بل شمل أيضاً تطوير ميناء غوادر، الذي تحوّل إلى مركز اتصالٍ إقليميٍ مهم يدعم التجارة البحرية والاقتصاد الوطني.
أهداف المرحلة الثانية
تفتح المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني آفاقاً جديدة للتعاون بين البلدين، إذ لم تعد تقتصر على مشاريع البنية التحتية فحسب، بل تمتد لتشمل مجالاتٍ متعددة مثل تحديث الزراعة، وتوسيع التعاون الصناعي، وتعزيز الشراكات التكنولوجية، مع التركيز على الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة.
وترتكز خارطة الطريق الجديدة على خمسة ممرات رئيسية تُعدّ الركائز الأساسية لنجاح هذه المرحلة، وهي:
- ممر النمو: لدعم التطور الاقتصادي وتوسيع البنية التحتية الحيوية.
- ممر سبل العيش: لتحسين مستوى المعيشة عبر خلق فرص عمل مستدامة.
- ممر الابتكار: للتركيز على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.
- الممر الأخضر (البيئي): لتعزيز الطاقة النظيفة ودعم التنمية المستدامة.
- ممر الانفتاح والربط الإقليمي: لتعزيز الروابط التجارية والتكامل الاقتصادي مع الدول المجاورة.
وتسعى هذه الممرات الخمسة إلى تحريك عجلة التنمية الشاملة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
المشاريع الاقتصادية الجديدة
تشمل المرحلة الثانية عدداً من المشاريع الضخمة الرامية إلى تعزيز البنية التحتية وربط المناطق الحيوية في باكستان بشبكة النقل والتجارة الإقليمية. ومن أبرز هذه المشاريع تطوير خط سكة حديد ML-1، الذي يُعدّ شرياناً رئيسياً لنقل البضائع والركاب، وسيسهم في تسريع حركة النقل واللوجستيات داخل باكستان وربطها مباشرةً بالصين.
إلى جانب ذلك، ستبدأ أعمال إعادة تنظيم طريق كاراكورام السريع، الذي يُشكّل محور اتصالٍ استراتيجي بين البلدين، بما يسهم في تسهيل التجارة والنقل وتعزيز التواصل الاقتصادي. وفي خطوة أخرى بالغة الأهمية، سيُنشأ ممر معدني في إقليم بلوشستان يربط ميناء غوادر بالمناطق الشمالية الغنية بالمعادن، الأمر الذي سيحوّل الميناء إلى مركز تجاري واقتصادي جاذب للاستثمارات، ويساعد في استغلال الموارد المعدنية المحلية على نحوٍ أفضل وأكثر كفاءة.
أهمية الممر الاقتصادي للمنطقة
يمتد تأثير الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني إلى ما هو أبعد من حدود البلدين، إذ يمثل نقطة انطلاق لتعزيز التكامل الاقتصادي في جنوب آسيا وأفغانستان ومنطقة آسيا الوسطى. ومن خلال تعزيز الربط اللوجستي والتجاري بين باكستان والصين، يسهم المشروع في فتح أسواق جديدة وتوسيع حجم التجارة البينية، بما يدعم استقرار الاقتصاد الإقليمي ويحفّز النمو في الدول المجاورة.
كما يسهم الممر في خفض تكاليف النقل وتحسين الوصول إلى الموانئ البحرية، ولا سيما ميناء غوادر الذي أصبح بوابة بحرية استراتيجية تربط الصين بأسواق الخليج وأفريقيا والشرق الأوسط، مما يعزز من مكانة باكستان كمركز إقليمي حيوي في شبكة التجارة العالمية.
إن هذا التكامل الاقتصادي الإقليمي يدعم السلام والاستقرار عبر تشجيع التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة، ويسهم في بناء روابط اقتصادية متينة تساعد على تجاوز التحديات السياسية والجغرافية التي طالما أعاقت التنمية في بعض أجزاء المنطقة.
تأثير المشروع على باكستان
كان للممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني تأثيرات ملموسة على الاقتصاد الباكستاني، إذ ساهم في خلق نحو 236 ألف وظيفة مباشرة، إضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة، مما ساعد في تقليل معدلات البطالة وتحسين مستوى المعيشة. كما دعم المشروع أكثر من 100 شركة صغيرة ومتوسطة، معززاً بذلك قطاع الأعمال المحلي. وساهم المشروع كذلك في التخفيف من أزمة انقطاع الكهرباء وتحسين البنية التحتية لقطاع الطاقة، الأمر الذي أدى إلى رفع كفاءة الإنتاج الصناعي وتعزيز استقرار النمو الاقتصادي في البلاد.
فضلًا عن ذلك، لعب المشروع دوراً محورياً في تحويل باكستان إلى مركز إقليمي للتجارة والصناعة، من خلال تطوير قدراتها في قطاعات التصنيع والزراعة، وتوسيع قاعدة التصدير، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويدفع باتجاه نمو اقتصادي مستدام.
وتُعد المرحلة الثانية من المشروع نقلة نوعية في مسار التعاون بين البلدين، إذ تركز على الابتكار، وتنمية المهارات، ودعم النمو الأخضر، وتعزيز التنمية البشرية. ومن المتوقع أن تفتح هذه المرحلة آفاقاً واسعة لخلق فرص عمل جديدة، وتحسين مهارات القوى العاملة، فضلاً عن دعم الصادرات وتعزيز الاقتصاد الرقمي الباكستاني.
تكمن أهمية المشروع أيضاً في تسريع تنفيذ البرامج التنموية، وخلق فرص العمل، والحد من الفقر، مما جعله ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لباكستان. لقد تحول الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني من مشروع بنية تحتية تقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة وتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة في باكستان والمنطقة بأسرها. وتمثل المرحلة الثانية بداية عهد جديد من التعاون والازدهار المشترك، إذ تركز على الإنسان، والابتكار، والتنمية الشاملة، مبشّرةً باكستان بمستقبل أكثر ازدهاراً، وفرص أفضل لمواطنيها، ومزيد من الاستقرار والنمو لجنوب آسيا والمنطقة الأوسع.
ردود الفعل الدولية والإقليمية وتأثيرها على الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني
على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تُعلن رفضها للممر بشكل مباشر، فإنها أعربت في مناسبات عدة عن مخاوفها من توسّع النفوذ الصيني في جنوب آسيا وتأثيره على التوازن الإقليمي. وتَعتبر واشنطن أن المشروع قد يُعزّز نفوذ بكين في منطقة استراتيجية مثل باكستان، بما قد يُغيّر موازين القوى ويُقلّص من دور الولايات المتحدة وحلفائها.
وعملياً، لم تُقدِم واشنطن على منع تنفيذ المشروع بصورة مباشرة، إلا أنّها مارست ضغوطاً دبلوماسية غير مباشرة على باكستان، وأطلقت أحياناً انتقادات تتعلق بحقوق الإنسان أو بالشفافية في تنفيذ بعض المشاريع. كما سعت إلى طرح بدائل اقتصادية ومبادرات تنموية في المنطقة لتوفير خيارات موازية للدول الإقليمية.
ومع ذلك، يواصل الممر تقدّمه بثبات، ويُعدّ أحد أهم مشاريع البنية التحتية في جنوب آسيا، مدعوماً بقوة من الصين وباكستان، حيث ترى الدولتان أنّ المشروع سيستمر في النمو رغم التحديات الجيوسياسية، مع سعي إسلام آباد إلى الاستفادة القصوى من فرص التنمية الاقتصادية التي يتيحها.
موقف الهند ودول الخليج من الممر
تعتبر الهند الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني تحدياً استراتيجياً مباشراً، لاسيما أنه يمر عبر إقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين. وتُعارض نيودلهي المشروع وتصفه بأنه انتهاك لسيادتها الوطنية، مؤكدةً أنها لن تعترف بشرعية أي مشاريع تُنفّذ في المناطق المتنازع عليها. وقد دفع هذا الموقف الهند إلى تعزيز تعاونها الاقتصادي والتنموي مع دول أخرى مثل الولايات المتحدة واليابان، في إطار محاولة لطرح بدائل لمبادرة “الحزام والطريق” التي تقودها الصين.
في المقابل، تنظر دول الخليج إلى الممر على أنه فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري مع كلٍّ من باكستان والصين. وقد بدأت الاستثمارات الخليجية تتزايد في مشاريع البنية التحتية والطاقة ضمن إطار الممر، ولا سيما في ميناء غوادر الذي يُعدّ نقطة استراتيجية على طريق التجارة البحرية بين الشرق الأوسط وآسيا.
تأثير التوترات الإقليمية
رغم التحديات السياسية والإقليمية، يواصل مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني تقدّمه بثبات، مع تركيز واضح على الأبعاد الاقتصادية والتنموية التي تعود بالنفع على جميع الأطراف. وتسعى باكستان إلى الحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق مع القوى الكبرى، مُقدّمة المشروع كجسر للتعاون الإقليمي والتنمية المشتركة، بعيداً عن الصراعات الجيوسياسية.
من جهتها، تواصل الصين استثماراتها بكثافة لضمان تنفيذ المشروع بسلاسة، وتعمل على تعزيز علاقاتها مع الشركاء الإقليميين لتخفيف حدة التوترات وتأمين استمرارية الاستثمارات.
لقد تحول الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني من مشروع بنية تحتية تقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة تُعنى بالتنمية المستدامة، وتعزيز الابتكار، وتحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة في باكستان والمنطقة بأكملها.
نحو مرحلة جديدة من الازدهار
تمثل المرحلة الثانية من المشروع انطلاقة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً، إذ يُعاد التركيز فيها على الإنسان بوصفه محور التنمية، وعلى الشراكة كأداة للتقدّم الجماعي. وتُعدّ هذه المرحلة بوابة جديدة لتوسيع فرص العمل، وتطوير المهارات، وتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يعود بالفائدة على شعوب جنوب آسيا وآسيا الوسطى بأسرها.
وفي ظل الدعم الصيني المتواصل والتطلعات الباكستانية الكبيرة، يبقى الممر الاقتصادي نموذجاً معاصراً للتعاون الدولي القائم على التنمية المشتركة وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً في واحدة من أكثر مناطق العالم تحدياً وحيوية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
