في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عُقد منتدى توسيع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهو حدثٌ مهم يعكس التزام الاتحاد بتوسيع عضويته، ويأتي في توقيتٍ حساس يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، في ظل استمرار العدوان الروسي على أوكرانيا. استضافت مفوضة التوسيع، مارتا كوس، هذا الحدث الذي جمع قادة رفيعي المستوى من مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني، وخبراء في السياسات العامة، وشباب من الدول الأعضاء والدول المرشحة. وتناول المنتدى مسألة توسّع الاتحاد الأوروبي بوصفها خطوة استراتيجية أساسية لضمان الاستقرار والازدهار وترسيخ الأنظمة الديمقراطية في أوروبا.
أهمية التوسع في ضوء العدوان الروسي
لم يكن التوسّع مجرد هدف سياسي أو إداري، بل جاء بوصفه استجابة استراتيجية للتحولات الجيوسياسية الراهنة. فقد أكد المنتدى على ضرورة المضي في التوسع، ليس فقط كأداة لتطوير الاتحاد الأوروبي، بل كوسيلة ضرورية لمواجهة التهديدات التي تسببت بها روسيا، ولا سيما في سياق الأزمة الأوكرانية. ويمثل هذا التوسع فرصة جديدة للمناطق التي تأثرت بالصراعات والتحديات الاقتصادية، من أجل تعزيز استقرارها وأمنها تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.
وبحسب رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي وجهت رسالة مصورة إلى المنتدى، فإن عملية التوسّع تتطلب سلسلة من الإصلاحات والتغييرات في الدول المرشحة، إلا أنها تبقى عملية قابلة للتحقيق خلال السنوات الخمس المقبلة. كما أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل بتقديم الدعم للدول المرشحة، مشددة على أن هذه الدول تُحرز تقدماً ملحوظاً نحو الامتثال لمعايير الاتحاد.
نقاشات استراتيجية حول التوسع الجيوسياسي
افتُتح المنتدى بحلقة نقاش حملت عنوان «الضرورة الجيوسياسية للتوسع»، جرى خلالها تناول الأسباب التي أدت إلى تحول عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من مجرد مسألة تقنية إلى ضرورة استراتيجية. وتم التأكيد على أن انضمام دول جديدة من شأنه أن يمنح الاتحاد الأوروبي مزيداً من الاستقرار الأمني، إذ ترى دول مثل مولدوفا وأوكرانيا في التوسع أداة فعالة للتصدي للعدوان الروسي. كما يُنظر إلى التوسع على أنه محرّك للاستثمار الاقتصادي، وعنصر داعم لتعزيز سياسات الدفاع والأمن في أوروبا.
وأشار المتحدثون في هذه الحلقة إلى ضرورة تحسين علاقات الاتحاد الأوروبي مع تركيا، باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً. كذلك، جرى بحث الفوائد الاقتصادية المترتبة على التوسع، بما في ذلك زيادة المرونة الاقتصادية، وتوسيع السوق الأوروبية، وتعزيز الإصلاحات الديمقراطية في الدول المرشحة.
التوسع من منظور الدول الأعضاء
في الجلسة الثانية، التي تناولت «التوسع من منظور الدول الأعضاء»، ناقش المشاركون كيفية مقاربة دول الاتحاد لمسألة التوسع. وركّزت الجلسة على مدى تأثر الرأي العام داخل الدول الأعضاء بعمليات التوسّع، حيث أكد المتحدثون أن الاتحاد الأوروبي مطالب بمعالجة المخاوف المرتبطة بالهجرة والفساد وتراجع المعايير الديمقراطية في بعض الدول المرشحة. كما شددوا على أن نجاح التوسع يتطلب، إلى جانب الإصلاحات في الدول المرشحة، إصلاحات داخلية قوية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، للحفاظ على الديمقراطية وسيادة القانون.
الاتحاد الأوروبي من منظور مواطني الدول المرشحة
أما الجلسة الثالثة، فحملت عنوان «الاتحاد الأوروبي من منظور مواطني الدول المرشحة»، وتطرقت إلى تأثير التجارب اليومية والتطلعات الشعبية في دول مثل مولدوفا وأوكرانيا ودول غرب البلقان على تصورات مواطنيها للاتحاد الأوروبي. وجرى التركيز على أهمية المشاركة الشعبية في تعزيز الشعور بالانتماء إلى الاتحاد، ليس فقط بوصفه مشروعاً جيوسياسياً، بل كعملية يقودها المواطنون أنفسهم وتقوم على التفاهم المتبادل.
خطاب رئيس الوزراء الألباني حول التوسّع
وتخلل المنتدى خطاب لرئيس الوزراء الألباني، إيدي راما، تناول فيه أهمية التوسع باعتباره عملية لإعادة توحيد أوروبا، تهدف إلى ضمان السلام والازدهار والاستقلال الاستراتيجي في مواجهة التحديات العالمية، وفي مقدمها العدوان الروسي. وأشاد راما بنجاح ألبانيا في فتح جميع فصول المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن 92 في المئة من الشعب الألباني يؤيد الانضمام إلى الاتحاد.
التوسع كأولوية استراتيجية للاتحاد الأوروبي
اختُتم المنتدى بجلسة نقاش خُصصت لبحث سبل استكمال المراحل النهائية لعملية الانضمام، وتحديد الخطوات السياسية والاقتصادية اللازمة لدعم مسار التوسع. وأكد المتحدثون أن عملية التوسع ينبغي أن تتم بحذر، وبالتوازي مع إصلاحات داخلية تضمن تحقيق توافق حقيقي مع المواطنين داخل دول الاتحاد. كما جرى التأكيد على ضرورة معالجة المخاوف المتعلقة بالهجرة والفساد، من خلال تواصل واضح وواقعي مع الرأي العام.
وفي الكلمة الختامية، أكد أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، أن التوسع يُعد من أبرز أولويات الاتحاد الأوروبي وأحد أكبر التحديات التي يواجهها، مشيرًا إلى أن هذه العملية ستُسهم في تعزيز الديمقراطية، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق الازدهار المشترك في أوروبا. كما شدد على الأهمية الاستراتيجية لدمج دول مثل أوكرانيا ومولدوفا، بما يمكّن الاتحاد الأوروبي من مواجهة التهديدات الخارجية، ولا سيما تلك الصادرة عن روسيا.
الدول المرشحة للانضمام
حتى عام 2025، يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة عضوًا. وتشارك هذه الدول في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، التي تتيح حرية حركة الأفراد والبضائع والخدمات ورأس المال عبر الحدود. كما يعتمد الاتحاد سياسة خارجية مشتركة، ويعمل على تعزيز التعاون بين أعضائه في مجالات متعددة، من بينها الأمن والدفاع.
إلى جانب الدول الأعضاء الحالية، توجد مجموعة من الدول المرشحة التي تسعى إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتنتمي معظم هذه الدول إلى أوروبا الشرقية أو جنوب شرق أوروبا، أو تُعد من الجيران المباشرين للاتحاد. ومن بين هذه الدول:
- أوكرانيا: بعد الغزو الروسي عام 2022، تقدمت أوكرانيا بطلب رسمي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. وقد أكد الاتحاد دعمه لأوكرانيا في هذا المسار، باعتباره جزءًا من استراتيجيته الرامية إلى التوسع وتعزيز الأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات الروسية.
- مولدوفا: تُعد مولدوفا أيضًا إحدى الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإنها تُعتبر نقطة محورية في استقرار المنطقة، ولا سيما في سياق علاقتها المعقدة مع روسيا.
- الجبل الأسود: دخل الجبل الأسود في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو من دول غرب البلقان الساعية إلى العضوية. وقد بدأت محادثات الانضمام عام 2012، وأحرزت البلاد تقدمًا ملحوظًا في تنفيذ معايير الاتحاد الأوروبي.
- ألبانيا: تسعى ألبانيا بدورها إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقد نجحت في فتح جميع فصول المفاوضات المتعلقة بعملية الانضمام.
- صربيا وكوسوفو: لا تزال صربيا وكوسوفو في مرحلة التفاوض، إذ تواجه صربيا تحديات مرتبطة بتطبيع علاقاتها مع كوسوفو، في حين تأمل كوسوفو في الحصول على دعم كامل من الاتحاد الأوروبي لمسار انضمامها.
- تركيا: على الرغم من كونها أحد المرشحين الرئيسيين للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 1987، فإن مفاوضات الانضمام مع تركيا شهدت تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، بسبب قضايا تتعلق بحقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية.
التحديات والتوسع المستقبلي
لا تُعد عملية توسيع الاتحاد الأوروبي مسارًا سهلًا، إذ تواجه عددًا من التحديات، من أبرزها:
- المعارضة الداخلية: تعارض بعض الدول الأعضاء توسيع الاتحاد، نتيجة مخاوف اقتصادية وسياسية.
- قضايا الأمن والجغرافيا السياسية: قد يترتب على انضمام دول مثل أوكرانيا تداعيات كبرى، في ظل النزاع القائم مع روسيا.
- الإصلاحات الداخلية: يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إجراء إصلاحات مؤسساتية تُمكّنه من استيعاب عدد أكبر من الدول، بما في ذلك إصلاح آليات اتخاذ القرار.
الاستراتيجيات المستقبلية
يمكن لتوسّع الاتحاد الأوروبي أن يُحدث تأثيرًا بالغ الأهمية على استقرار المنطقة وازدهارها. فالعديد من الدول الراغبة في الانضمام تسعى إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية والسياسية من خلال تبنّي المعايير الأوروبية. ومن شأن هذا التوسع أن يعزز أمن الاتحاد الأوروبي، ويُسهم في استقرار دول الجوار، كما يدعم مكانة الاتحاد على الساحة الدولية.
إجمالًا، يمثل توسّع الاتحاد الأوروبي خطوة محورية نحو تعزيز الوحدة الأوروبية، إذ يجمع دولًا ذات تاريخ مشترك وتطلعات مستقبلية متقاربة، بما يعزز الاستقرار والأمن في القارة الأوروبية.
دور الدول المرشحة في مستقبل التوسع للاتحاد الأوروبي
تُعتبر الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي جزءًا أساسيًا من مستقبل عملية التوسع لهذه المنظمة الإقليمية المهمة. فالتوسع المستمر للاتحاد الأوروبي لا يقتصر على زيادة عدد الأعضاء فحسب، بل يشكل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في القارة الأوروبية، وتحقيق تكامل اقتصادي وسياسي أعمق بين الدول الأعضاء. ورغم ما يكتنف هذه العملية من تحديات سياسية واقتصادية، فإن للدول المرشحة دورًا محوريًا في تشكيل ملامح مستقبل الاتحاد الأوروبي واستقراره على المدى الطويل.
لقد نجح منتدى الاتحاد الأوروبي لعام 2025 في تقديم رؤية استراتيجية شاملة حول أهمية التوسع بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي. إذ كان التوسع موضوعًا استراتيجيًا في المقام الأول، يعكس التزام الاتحاد القوي بتعزيز الأمن الأوروبي ومواجهة التحديات الجيوسياسية المتسارعة. ورغم وجود بعض التحديات السياسية والتواصلية، أبرز المنتدى التزام الاتحاد بتوسيع عضويته على أسس الجدارة والشفافية، مع تعزيز القيم الديمقراطية والمساهمة الفعلية في استقرار المنطقة.
وفي الختام، يُعد التوسع في الاتحاد الأوروبي خطوة محورية نحو تحقيق مستوى أعلى من الاستقرار في المنطقة الأوروبية، وتعزيز الأمن والازدهار لجميع الدول الأعضاء. فالتوسع لا يقتصر على إضافة دول جديدة، بل هو عملية استراتيجية تعكس التزام الاتحاد بمواكبة التحولات الجيوسياسية وتعزيز الشراكات الاستراتيجية، بما في ذلك مع الدول المرشحة مثل أوكرانيا ومولدوفا، إضافة إلى الدول الأخرى في منطقة البلقان. وفي ضوء ذلك، يمكن التأكيد على أن هذه العملية ستكون حاسمة لتشكيل مستقبل أوروبي متين في مواجهة التحديات العالمية، لا سيما فيما يتعلق بالأمن والديمقراطية والتنمية الاقتصادية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
