الصبر الاستراتيجي… الشرق الأوسط بين الحصار والانفجار

تحليل – خاص «بيروت 2030»

تتسارع فصول المشهد السياسي فوق جغرافيا الشرق الأوسط المشتعلة، حيث لم يعد الصراع مجرد تنازع مصالح أو تقاطع نفوذ، بل أخذ طابعاً وجودياً يُدار بعقلية دقيقة تقوم على فنّ هندسة التوتر والبقاء عند “حافة الهاوية”، كاستراتيجية محسوبة لاختبار الإرادات وفرض موازين قوى جديدة.

فبينما تُحكم الولايات المتحدة قبضتها على الشرايين البحرية عبر استراتيجية “الخنق الجيوسياسي”، تتبنى إيران عقيدة “الدفاع الهجومي” التي لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى نقل المعركة إلى عمق المصالح الحيوية للخصم.

هذا المشهد المفتوح على احتمالات غير محسوبة يضع العالم أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة “توازن القوة” على منع الانفجار الكبير، لا سيما مع تحوّل الممرات المائية من طرق للتجارة إلى ساحات لاختبار الأسلحة النوعية والمسيّرات الانتحارية التي قد تكسر رتابة الحصار التقليدي في أي لحظة.

داخل دوائر صنع القرار الأميركية، لا تبدو الخيارات الأخرى أكثر إغراء؛ فالعودة إلى الضربات العسكرية تحمل مخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة، في حين إن الانسحاب أو تخفيف الضغط قد يُفسَّر على أنه تراجع استراتيجي. لذلك، يُطرح الحصار كحلّ وسط يمنح واشنطن وقتاً ومساحة للمناورة، من دون التورّط المباشر في مواجهة شاملة.

وفي كواليس القرار في طهران، تتبلور قناعة بأن سياسة “الصبر الاستراتيجي” قد استنفدت أغراضها، وأن الانتقال إلى مرحلة الأفعال العسكرية، لا الألعاب السياسية، بات ضرورة لحماية ما تبقى من هيبة الدولة. فالإشارات القادمة من الحرس الثوري توحي بأن الردّ المقبل لن يكون تقليدياً، بل قد يشمل “حرب استنزاف رقمية وبحرية” تستهدف شلّ حركة الملاحة الدولية، ما يضع القوى العالمية أمام خيارين أحلاهما مُرّ:

  • إمّا القبول بواقع إيراني جديد،
  • أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة تُعيد أسعار الطاقة إلى مستويات تاريخية مدمّرة للاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، تصرّ واشنطن على أن الحصار هو “السلاح النظيف” الذي سيجبر طهران على مقايضة طموحها النووي ببقائها الاقتصادي، مراهنة على أن التآكل الداخلي سيسبق الانفجار العسكري.

غير أن هذا الرهان الأميركي يصطدم بصلابة قدرة طهران على بناء تحالفات استراتيجية مع قوى دولية ترى في كسر الحصار الأميركي مصلحة عليا لها، إذ إن إطالة أمد المواجهة لم تعد تعمل لصالح واشنطن وحدها، بل منحت طهران وقتاً لتطوير “اقتصاد المقاومة” وابتكار تكنولوجيا عسكرية تعتمد على الكلفة المنخفضة والتأثير العالي، ما يجعل تكلفة الحفاظ على الحصار البحري باهظة جداً على دافع الضرائب الأميركي.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات البحرية، أصبح احتمال وقوع “خطأ تقني” أو سوء تقدير ميداني أكبر من أي وقت مضى، ما قد يحوّل أي احتكاك بسيط بين زورق إيراني ومدمّرة أميركية إلى فتيل يشعل المنطقة بأسرها.

وتبرز المعضلة الكبرى في أن الطرفين باتا سجيني خطابيهما التصعيدي؛ فواشنطن لا تملك ترف التراجع من دون تحقيق مكاسب ملموسة في الملف النووي، وطهران لا تستطيع القبول بشروط مذلّة تحت وطأة الجوع.

هذا الانسداد السياسي سيحوّل الحصار البحري من أداة ضغط إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الجميع، حيث تدرك القوى الإقليمية أن أي مواجهة لن تظل محصورة في مياه الخليج، بل ستمتد لتشمل عواصم ومصالح حيوية في عمق المنطقة.

إنها لعبة “عضّ الأصابع” في نسختها الأكثر خطورة، حيث لا يربح من يصمد أطول، بل من يمتلك القدرة على التنبؤ بخطوة الخصم الانتحارية قبل وقوعها، في ظل واقع دولي لم يعد يحتمل المزيد من الصدامات العسكرية والصدمات الجيوسياسية التي قد تغيّر وجه التاريخ المعاصر.

ما هو واضح حتى الآن أن الطرفين يسيران على حافة هاوية مُدارة بعناية، حيث يُستخدم الوقت كسلاح بحدّ ذاته؛ فواشنطن تراهن على أن عامل الزمن يعمل لصالحها اقتصادياً، وأنه سيُضعف قدرة الخصم على المناورة. في المقابل، تراهن طهران على استراتيجية الإنهاك المعاكس، معتبرة أن إطالة أمد المواجهة قد تُفضي إلى لحظة اختلال في حسابات الخصم، إمّا عبر انزلاقه إلى خطأ استراتيجي، أو رضوخه تحت ثقل الكلفة السياسية والعسكرية المتنامية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.