كيف تفكر الدول في زمن الحرب والسلم؟

تشكل الدولة الصيغة النهائية التي تعبّر عن وحدة الداخلية، حيث يمثل العقد الاجتماعي الميثاق الذي يخضع له الجميع، ويتكرس في وثيقة دستورية تنظم الحياة العامة وتوجّه الدولة نحو تحقيق الاستقرارٍ والازدهارٍ. ومن هذا المنطلق، تفكر الدول بطريقة تختلف عن طريقة تفكير الأفراد أو الجماعات، اذ إن مسؤولياتها تتجاوز المصالح الخاصة لتشمل حماية المجتمع وضمان استمرارية مؤسساته.

فالدولة مسؤولة عن شعبها في السلم كما في الحرب. وقد أُنيطت هذه المسؤولية بالسلطات الدستورية التي تعمل وفق مبدأ فصل السلطات، بحيث تؤدي كلُّ سلطة دورها في خدمة غاية واحدة وهي تحقيق المصلحة الوطنية. السلطة التنفيذية تضع السياسات العامة تجاه الداخل والخارجٍ، ويتولى مجلس النواب الرقابة والمساءلة، بينما يقوم القضاء بحماية الحقوق والحريات من أي تعدٍّ قد يصدر عن السلطات الأخرى.

منطق الدول لا يقوم على تمجيد الحرب بوصفها غايةً في حدّ ذاتها أو قيمة مقدسة، انما ينظر إليها باعتبارها خياراً يُلجأ إليه عندما تستنفد الوسائل الأخرى. وحتى الدول الكبرى، بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة، تسعى في معظم الأحيان إلى تجنب الحروب ولا تقدم عليها إلا كخيارٍ أخير، انطلاقاً من كون الحرب امتداداً للسياسة أو إحدى أدواتها، وليست سياسة موزاية. فكيف الحال بالدول الصغيرة التي لا تملك الموارد والإمكانات الكافية لخوض حروبٍ تتجاوز طاقتها على الاحتمال؟

إن الدول، قبل الذهاب إلى الحرب، تسأل عن أثمانها وعن مدى التناسب بين الكلفة والنتائج المطلوبة، لا سيما عندما تكون هناك وسائل أخرى متاحة، وإن بدت أحياناً أقرب الى المثالية، لكنها تبقى أقل كلفة على المجتمعات والدول، وأكثر انسجاماً مع قواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدةٍ، فضلاً عن كونها تعكس حرص الدولة على عدم تعريض شعبها ومقدراته للمخاطر غير المحسوبة.

انطلاقاً من هذه المسلّمات، كرست الدساتير الحديثة مبدأ السيادة تجاه الداخل والخارجٍ. فمن جهة، تحتكر الدولة الاستخدام المشروع للقوة، ومن جهةٍ أخرى تحتكر قرار الحرب والسلمٍ، نظراً إلى خطورته على حاضر الدولة ومستقبلها. وبذلك يصبح اللجوء إلى الحرب أو الجنوح إلى السلم تعبيراً عن المصلحة الوطنية، كما تحددها المؤسسات الدستورية المخولة اتخاذ هذا النوع من القرارات المصيرية.

ويعكس هذا السلوك وحدة الدولة وتماسكها وعقلانية خياراتها، إذ تصدر القرارات الكبرى عن مؤسسات تمثل الإرادة العامة وتتحمل مسؤولية نتائجها أمام الشعب. أما عندما يظهر داخل الدولة كيان غير دولتي يمتلك القدرة على فرض الحرب أو السلم بمعزل عن الآليات الدستورية، فإن ذلك يؤدي إلى إضعاف وحدة القرار الوطني، ويقوّض هيبة الدولة ومصداقيتها، ويخلق فجوة بين من يتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يُعدّ لبنان دولة صغيرة جغرافياً وديمغرافياً، إضافة إلى تنوّعه الطائفي، الذي قد يتحول سريعاً إلى عامل انقسام داخلي ينعكس على استقرار الدولة نفسها. وفي مثل هذا السياق، فإن تفرّد أي مكوّن بالقرار، من دون مراعاة الأثمان التي تتجاوز منطق التوازن الداخلي، يؤدي إلى تعقيد المشهد الوطني وإضعاف قدرة الدولة على إدارة تبعات هذا القرار. واللافت عندنا أن حكومات الوحدة الوطنية تتشكل بهدف تحصيل مكاسب من الدولة في الإدارة والمال العام، وعند وقوع الكارثة ينفرط عقد تلك الحكومات بعد أن يتعطل قرارها السياسي.

فهل تستطيع أي الدولة أن تتحمّل قرارات حرب غير محسوبة، جاءت من خارج الإجماع الوطني ومن دون مشاركة مؤسسات الدولة فعلياً؟ فيما المطلوب أن تبقى الدولة ملزمةً في جميع الأحوال بمعالجة آثار الحرب من خلال احتضان النازحين وصون كرامتهم، وبالقيام بدورٍ دبلوماسيٍ فاعلٍ من أجل وقف العدوان. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يتمثل في من يتحمّل قرار الحرب إذا كانت كلفته تقع على جميع اللبنانيين، بينما يُخنق النقاش الجدي حول مسؤولية متخذ قرار الحرب.

فمما لا شك فيه أن هناك بوناً شاسعاً بين منطق الدولة ومنطق التنظيمات العقائدية. فالدولة تحسب الخسائر والمكاسب، وتُقدّر انعكاسات قراراتها على الداخلٍ وعلى علاقاتها الخارجية، بما يضمن الحفاظ على استقرارها واستمرارية مؤسساتها، وتبقى في كل الاحوال خاضعة لمحاسبة الشعب.

أما التنظيمات العقائدية، فغالباً ما تربط قراراتها بحسابات أوسع من حدود الدولة، حيث تُؤطَّر الخسائر في إطار التضحيات التي قد يتطلبها تحقيق أهدافها أو ما تعتبره نصراً. وفي ظل تضارب المرجعيات، تنشأ تباينات في ترتيب الأولويات الوطنية، وفي تقييم الكلفة والنتائج.

يعيش لبنان راهناً تجربة قاسية في ظل حربٍ ضروسٍ تستهدف مدنه وقراهٍ، حيث بلغ العدوان الإسرائيلي ذروته، بالتوازي مع توغلٍ عسكريٍ نحو العمق الجنوبيٍ. وفي هذا السياق  وجد لبنان نفسه أمام واقعٍ يفرض عليه اللجوء إلى خيار التفاوض كضرورة لوقف الحرب والسعي إلى هدنة صلبة، يمكن أن تشكّل أساساً لاستقرار مستدام على الحدود.

ويأتي هذا الخيار في ظل تبلور قناعة داخلية متزايدة بأن القدرة على تحقيق أهداف الحرب تبدو محدودة، في ظل اختلال موازين القوى وارتفاع  الكلفة البشرية والمادية.

ومن هنا، يبرز التحدي الأساسي أمام لبنان في استعادة قراره السياديٍ، بما يتيح له الخروج من هذه الأزمة الخطيرة، وإعادة صياغة خياراته وفق المنطق الدستوري، لا وفق اعتبارات أيديولوجية تتجاوز الدولة وحساباتها.

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.