الضمير السياسي المهني المفقود لدى بعض ساسة الأمر الواقع

هل هي معجزة حقيقية أن نرى ساسة أمر واقع غير مهتمّين بشؤون رعاياهم؟!

وفق ما نقرأ في المراجع العلمية، فإنّ الضمير السياسي المهني هو المبدأ الأخلاقي الذي يوجّه السلوك السياسي لأي مسؤول أو موظف، سواء أكان في الشأن العام أم الخاص. والهدف، كما توحي المراجع، هو أن يكون المسؤول أو الموظف متجهًا نحو خدمة الصالح العام بإتقان ونزاهة، بعيدًا عن المصالح الشخصية، ملتزمًا بالشفافية، ومؤمنًا بمبدأ المساءلة والعدل واحترام حقوق الرعايا على أكمل وجه.

في قاموس العلم الاجتماعي، وحتى السياسي، يُعدّ الضمير المهني أحد الركائز الأساسية لنجاح المسؤول السياسي، إذ يعبّر عن التزام المسؤول بأخلاقيات المواطنة وحُسن تدبير شؤون الرعية.

الضمير السياسي المهني في لبنان مفقود لدى بعض من يمارسون العمل السياسي، ويكمن في أدائهم فسادٌ أخلاقيٌّ نخر الجسم اللبناني. وهذا الأداء هو نتاج مباشر لتصدّع بنيان الجمهورية اللبنانية واهتراء أدواتها الشرعية، كما أنّ هذا الضمير السياسي المهني المفقود لدى بعض ممارسي السلطة أفقد السلطات الأمنية الشرعية هويتها القانونية، تلك التي يتيح لها القانون وحدها حفظ السيادة والدولة والأمن.

ضمير مهني سياسي مفقود لدى ساسة الأمر الواقع الذين ينتهجون أنماطًا سلوكية سياسية طفيلية، تضمن لهم جني المنافع واستغلال السلطة لمآرب شخصية. وهذا الأداء العفن هو على حساب كل ما هو قانوني ودستوري وأخلاقي وإنساني، وهم يمارسون السياسة رغمًا عن إرادة الشعب، في ظل تماهي الشعب عنهم وعن أدائهم.

ضمير مهني سياسي فاشل يُهمل شعبه، ويتجاهل مصلحة شعبه، ويعتمد على المناورة وتفضيل مصالح دول إقليمية على مصلحة الجمهورية اللبنانية. وليعلم أصحاب هذا الضمير أنّ التخلّي عن المبادئ الوطنية الأخلاقية قد يحقق مصلحة مؤقتة على مدى معيّن. وقد عايش الشعب اللبناني هذا الأمر حين تواطأ بعض المسؤولين مع نظام إقليمي على حساب المصلحة العامة، لكن هذا التواطؤ أدّى إلى خسارتنا السيادة الوطنية، ودمّر أقسامًا كبيرة من مدننا وقرانا، فيما نحن عاجزون عن إعادة البناء وتعويض ذوي الضحايا.

الضمير السياسي المهني المفقود يقوم على المفاضلة بين المبادئ والمصالح، وفي مجمل الأداء كانت المصالح الشخصية هي الطاغية. ومن اعتقد غير ذلك، عليه أن ينظر في الأمر من جميع الزوايا الظاهرة في الجغرافيا السياسية اللبنانية، وأن يتدبّر المسألة بعقلانية لا بعاطفة.

الضمير السياسي المهني المفقود ظهر أيضًا في شريط مصوّر، تضمن كلامًا غير منضبط، وحمل عبارات غير مقبولة طالت بعض المسؤولين الرسميين. وإن صدر لاحقًا توضيح بشأن ما ورد في ذلك الشريط، فهو ليس سوى ذريعة ومقدمة للتخلّص من لحظة انفعالية، أسبابها معروفة. وبات معلومًا أنّ اللغة المستخدمة تعكس الحالة النفسية لهؤلاء القوم الذين يتخبّطون في دهاليز مؤامرة باتت عبئًا عليهم وعلى بيئتهم.

اعتداءات على أركان السلطة، وتظاهرات سيّارة، ومسلسل أحداث أمنية متنقّلة، أوحت لنا بأنّ «جماعة الحزب» يواكبون ما يجري وينشطون في الدفاع عن السيادة التي انهارت في عهدهم وعهد من انتدبوهم. ويسعون إلى تخويف الناس عبر الإيحاء بأنّ تسليم سلاحهم سيؤدي حتمًا إلى اندحار السيادة الوطنية، باعتبار أنهم أصحاب ضمير سياسي مهني ذي شأن، فيما هو عمليًا ضمير سياسي مأجور وفاقد للمصداقية.

لغة التهديد والوعيد التي يطلقها أصحاب الضمير السياسي المُرتهن عبر وسائل الإعلام لم تعد ذات جدوى، بعد أن انكشف المخطط وسقطت الكذبة. فقد أصبحت هذه اللغة فاشلة، كفشل أصحابها الذين باعوا ضمائرهم ومبادئهم وشعبهم، ودمّروا الوطن.

وبلغة المحبة، لا العفو، نتمنى أن تتحرّك كل قطاعات المجتمع (السياسية، والدبلوماسية، والأمنية، والاقتصادية، والمالية، والاجتماعية) للتصدي لأصحاب الضمير المهني المفقود، القائم على لغة التهديد والتخوين، التي أطلقها طارئون على السياسة اللبنانية.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC