بين دعم اعتكاف المساعدين القضائيين وسرقة الأملاك جنوباً… دولة «الشيزوفرينيا» تتهاوى

فيما تتصاعد وتيرة الأزمة المعيشية في لبنان، وتتفاقم الاحتجاجات داخل مؤسسات الدولة، يبرز تناقض صارخ في تعاطي السلطة مع ملفين حيويين متوازيين: الأول، ملف موظفي الإدارات العامة، ولا سيما المساعدين القضائيين الذين يطالبون بتحسين أوضاعهم المعيشية، وقد أدى تحرّكهم إلى تعطيل مرفق العدالة لأسابيع ثلاثة؛ والثاني، ملف آخر ضجّ به الإعلام لفترة، حين كان المطلوب ترهيب كاشف فساد على صلة مباشرة بملف استرداد أملاك الدولة المنهوبة في الجنوب.

الاعتكاف الأول لقي دعمًا وتأييدًا واضحين من نادي قضاة لبنان، تجلّيا في الإضراب التضامني المُعلن تحت عناوين المؤازرة والتكاتف، بل وحتى من داخل الجسم القضائي نفسه، الذي سمح باستمرار الاعتكاف الطويل، قبل أن يستعمل مجلس القضاء الأعلى مطرقته ويقول: «كفى».

في المقابل، الملف الثاني، الذي تصدّت له رئيسة نادي قضاة لبنان متجاوزة مبدأ سبق الادعاء العائد للنيابة العامة المالية، جرى دفعه إلى الظل، عبر تفخيخ التحقيقات السابقة بتحقيقات موازية، وملاحقات لكاشفي الفساد، في مشهد يُطمس ولا يُتحدّث عنه، رغم خطورة دلالاته القانونية والمؤسساتية.

رئيسة نادي القضاة أطلت على الجمهور اللبناني عقب عدم تمرير نسبة الواحد بالألف العائدة للقضاة في جلسة الموازنة، لتؤكد أنّ العدالة المرجوّة من اللبنانيين لن تتحقق من دون تأمين اللوجستيات الضرورية لمرفق العدالة، وبالتالي لا بد من رفع قيمة الموازنة المخصصة لوزارة العدل.

هذا الكلام لم يكن وليد فراغ، إذ تبيّن أنّ وزير العدل اللبناني المحامي عادل نصّار حاول تمرير رسم إضافي على المعاملات التي يجريها كتبة العدل بنسبة واحد بالألف لمصلحة القضاة، إلا أنّ هذا الاقتراح لم يُمرَّر في حينه.

غير أنّ رئيسة نادي قضاة لبنان، شأنها شأن غالبية القضاة، لم تُصارح اللبنانيين – الذين خاطبتهم في الوقت نفسه – بحقيقة صندوق التعاضد، ولا بمصير أمواله المودعة في المصارف، والتي جرى حجزها وكانت بمعظمها بالعملة اللبنانية.

هنا تبرز مفارقات ومقارنات لا بد من طرحها في توقيت واحد، لأنها تكشف عن معايير مزدوجة، وسياسة متعمّدة لحماية الفاسدين وتهميش المدافعين عن المال العام، إن لم نقل ترهيبهم بالقانون الذي يُفترض به أن يستوعبهم، بل أن يحميهم.

ويبقى السؤال مشروعًا: هل سيجرؤ كتبة العدل على اقتطاع بدلٍ لهم مقابل تحصيل هذه النسبة، بمعدل واحد في المئة إضافية من الواحد بالألف، لتصبح حصتهم 1.2 بالألف من المعاملات المجراة أمامهم؟ أم أنّ ما ينطبق على نقابتي المحامين لا ينطبق على رسم مُحصَّل لمصلحة القضاة والمساعدين القضائيين في حال إقراره؟

المساعدون القضائيون: مطالبات تُلبّى بالتساهل غير القانوني

في الوقت الذي كان فيه المساعدون القضائيون يطالبون بتحسين أوضاعهم المادية، جرى اقتراحٌ على نقابة المحامين في بيروت – عبر موفدين من هيئة التفتيش القضائي – بوجوب تسهيل الأمور للعاملين في مرفق العدالة، والموافقة على فرض رسوم إضافية على المعاملات القضائية. ويقضي هذا الاقتراح بتسديد 500 ألف ليرة لبنانية عن كل معاملة قضائية يجريها لبناني لمصلحة صندوق المساعدين القضائيين، ومليون ليرة عن كل معاملة يجريها أجنبي.

كان المطلوب تمرير هذا الاقتراح تحت ذريعة «الضرورات المعيشية»، وأن يحظى بتساهل، بل بتغطية مسبقة، من نقابة المحامين في بيروت، مع التعويل على تجاوب اعتادت عليه السلطة في عهود سابقة. غير أنّ نادي قضاة لبنان، الذي يقدّم نفسه كجمعية تُعنى بمواجهة الفساد ضمن أهدافها المعلنة، وبعد رفض نقابة المحامين تمرير رسوم غير قانونية والتهديد بوجوب فتح مرفق العدالة طوعًا، وإلا فبقوة القانون، رفع الصوت ببيان داعم للمطالب المعيشية المشروعة، لكنه في الوقت نفسه تغاضى عن الانحرافات المقترحة.

وهنا يُطرح السؤال بحدّته الكاملة: هل باتت الغاية تبرّر الوسيلة؟ وهل التضامن مطلوب مهما كان الأسلوب؟

مصادر متابعة للملف تقول إنّ «طابخ السمّ آكله». فبرفض نقابة المحامين في بيروت تمرير الرسوم الجديدة، وأمام الحائط المسدود، اضطر الجسم القضائي إلى التضحية بثلث نسبة الواحد بالألف المفروضة على المعاملات المنجزة لدى كتبة العدل، لمصلحة مساعديهم، الذين جرى استخدامهم كورقة ضغط. فتم تحريضهم تارة على وجوب الاستمرار في الاعتكاف، وتهديدهم تارة أخرى بوجوب فكّه، في معركة أكبر لتحسين أوضاع سواهم قبلهم، كما جرى التدخل حتى في صياغة بيان العودة إلى العمل الصادر عنهم.

أما نقابة المحامين في بيروت، فقد أرسلت خلال الفترة الماضية رسائل مشفّرة بإمكانية قلب الطاولة على الجميع، خصوصًا وأنّ العرف السابق القائم على تحقيق المصالح المشتركة عبر الخروج على أحكام القوانين لم يعد خيارًا متاحًا اليوم. وهنا فالسؤال إشكالي جوهري ا لا يمكن القفز فوقه، ولا بد من مقاربته عبر المقارنة بين ملفين سارا بالتوازي: كيف يُسمح بتمرير اقتراح لتحصيل رسوم غير قانونية في قصور العدل، فيما يُلاحق من يدافع عن أملاك الدولة؟

إنها شيزوفرينيا مؤسساتية لا تنتهي، وانفصام حقيقي في أداء مريب ومستغرب.

أملاك الدولة السائبة في الجنوب: ملف يُراد له الوأد ولو بالقوة

الاهتمام الرسمي معدوم بالملفين معًا: الملف الأول يتمثّل في الإمعان في تعطيل مرفق العدالة، حيث لم تقدّم السلطة السياسية سوى الوعود، دون أي إجراءات فعلية تضع حدًا لانهيار أحد أعمدة الدولة. أما الملف الثاني، فهو ملف استرداد أملاك الدولة في الجنوب، الذي تناولته وسائل الإعلام، رغم قيمته المالية الهائلة، ورغم توافر الأدلة القضائية الدامغة التي تثبت حصول تزوير منهجي واسع النطاق.

وبدلًا من تسريع الإجراءات القضائية والإدارية لاستعادة هذه الأراضي لمصلحة الدولة اللبنانية، فُتحت تحقيقات موازية من قبل أجهزة أمنية رسمية لبنانية، بهدف إرباك المسار القضائي الذي كانت قد باشرته النيابة العامة المالية، بالتعاون مع قاضية مشهود لها بالنزاهة والحزم، هي النائب العام المالي بالتكليف سابقًا دورا الخازن.

الأكثر إثارة للقلق، هو تحويل المدافعين عن المال العام، ومن بينهم محامون كشفوا ملفات فساد موثقة، إلى أهداف مشروعة وسهلة للملاحقات الجزائية. وهذه ليست المرة الأولى، وحتماً لن تكون الأخيرة. فكيف يمكن لكاشف فساد يعمل على استرداد أملاك الدولة في الجنوب أن يواجه اتهامات بالتزوير، في حين أن الهدف الحقيقي لتحركه هو إعادة الأراضي المسلوبة إلى كنف الدولة؟ علمًا أن النظام القانوني نفسه ينصّ على أن كاشف الفساد لا ينال أي نسبة إلا في حال نجحت الدولة في استرداد أملاكها، وعندها فقط يحصل على عربون تقدير لا يتجاوز 5%. أما في حال عدم الاسترداد، فلا ينال الكاشف أي مقابل.

هذا التحويل المتعمّد للمدافع عن حقوق الدولة من موقع الحماية القانونية إلى موقع الاتهام، يوجّه رسالة خطيرة إلى المجتمع بأسره: هل من يحاول حماية حقوق الدولة يُعاقب، فيما من ينهبها يُحمى؟ وهل ما يجري هو معارك «إثبات وجود» لقضاة وافدين حديثًا إلى مراكز ومناطق نفوذ؟ أم أنّها معارك تصفية حسابات داخل السلطة القضائية نفسها، بين قضاة يتنافسون في ما بينهم؟

دعم للمساعدين القضائيين في مكان، وملاحقة كاشفي الفساد في مكان آخر

المفارقة الصادمة تتجلّى في موقف نادي قضاة لبنان، الذي توسم فيه اللبنانيون خيرًا عند تأسيسه، ولعلّ البعض لا يزال حتى اليوم. ففي الوقت الذي يتساهل فيه أعضاء النادي مع مطالبات بفرض رسوم تتضمن مخالفات مالية صريحة داخل قصور العدل، بذريعة «الضرورة»، يُظهر النادي تشدّدًا غير مبرر في ملاحقة كاشف فساد كبير مرتبط مباشرة بأملاك الدولة.

النيابة العامة الاستئنافية في النبطية، التي تترأسها رئيسة نادي قضاة لبنان، تبدو – وفق المسار القائم في التحقيقات الأولية التي تشرف عليها – وكأنها تتبنى رواية مسّاح تابع لدائرة المساحة. هذا المسّاح كان قد جرى الادعاء عليه سابقًا من قبل النيابة العامة المالية بجرائم التزوير والإدلاء بالشهادة الكاذبة، وأُحيل إلى التفتيش المركزي، وصدر قرار عن وزارة المالية بوقفه عن متابعة عمله في مركزه الوظيفي، بعدما تبيّن قيامه بمسح آلاف الأمتار المربعة على اسمه، وعلى أسماء أفراد من عائلته، ونافذين في مختلف السلطات والقوى الحزبية.

في المقابل، يتم التشكيك في خريطة كانت النيابة العامة المالية قد تثبّتت من صحتها عبر تقارير خبرة رسمية، وكلها تصبّ في مصلحة الدولة اللبنانية. فأين تكون العدالة هنا؟ وأين يقف أعضاء نادي قضاة لبنان من هذا الأداء؟ ولماذا يُصار إلى حرف الأنظار عن الجريمة الكبرى المرتكبة بحق الدولة اللبنانية، عبر اختزال القضية ضمن إطار طائفي، وكأن الطائفة الشيعية تحاول الاستيلاء على أملاك المسيحيين في الجنوب، في حين أن الضحايا الحقيقيين هم عموم الشعب اللبناني، بكل طوائفه، والدولة التي تُنهب ثرواتها؟

ألم يحن الوقت بعد للاعتراف بأن الفاسد لا طائفة له؟

الصمت الرسمي: تواطؤ أم عجز؟

الصمت الرسمي المُطبق حيال هذا الملف مدهش، رغم الضجيج الإعلامي الكبير والصخب المتواصل. فالحملة الإعلامية التي استمرت على مدى أسبوعين لا يمكن توصيفها بالعفوية أو المجانية، ولا يمكن إدراجها ضمن سياق التنافس التقليدي بين المحطات التلفزيونية، نظرًا لعدم حصول حملات مماثلة سابقًا.

في المقابل، تتجاهل الحكومة والرئاسات الثلاث قضية استرداد ملايين الأمتار المربعة من الأراضي المسلوبة، فيما تُسارع، عبر وزير العدل وبالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى، إلى تهدئة أزمات أخرى تخدم مصالح فئات محددة.

أما النيابة العامة التمييزية، بصفتها ممثلة الحق العام، فتتراجع عن دورها في صراع قضائي قائم بين نيابتين: استئنافية ومالية، وهما خاضعتان مباشرة لرقابتها. وكان يفترض بها ألا تسمح بخرق مبدأ سبق الادعاء، بل أن تحاسب من أقدم على تجاوزه.

في السياق نفسه، تبرز هيئة القضايا في وزارة العدل، التي تمتلك جيشًا من محامي الدولة المعيّنين بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، والمفترض فيهم حماية مصالح الدولة، فإذا بها ترفض تقارير الخبراء التي تؤكد ملكية الدولة للأراضي، بحجة عدم دعوتها إلى جلسة خبرة.

أما نقابة المحامين في بيروت، فقد سقطت سقوطًا مدويًا في هذا الملف، وفرّطت في حماية محامٍ كاشف للفساد. وقد استندت في موقفها إلى هامش المصداقية الواجب توافره للقاضي، وإلى مبدأ الحيادية، لتبرير زيارة خاصة جرت في وقت بالغ الحساسية. لكنها، في المقابل، ولتبرير رفع الحصانة عن كاشف الفساد، لم تركن إلى تلك الزيارة، ولا إلى التمنيات الواردة من جهات عليا، بل ارتكزت إلى مسألة عدم حيازة وكالة قانونية، وكأن الحصانة المهنية لا تشمل من يتصدى للفساد ويعمل في الشأن العام، وكأن كاشف الفساد محصّن ضد الفبركات.

في ذلك خروج صريح عن العرف المهني، وضربة إضافية لما تبقى من ثقة بمؤسسات يُفترض بها حماية القانون لا استخدامه أداة قمع.

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: ديكور بلا فعالية

أمام هذا الكم من التناقضات نسأل: أين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مما يجري؟ حتى لو لم يتقدّم أحد بمراجعة رسمية، أليست هذه الهيئة معنية برصد الوقائع التي تتناقلها وسائل الإعلام؟ أم أنها تحوّلت إلى كيان شكلي بلا سلطة فعلية ولا إرادة تدخل؟ ولماذا ينحصر اهتمامها بعقد الندوات وورش العمل للتعريف بدورها النظري المنصوص عليه في القانون، في حين أننا أمام حالة عملية بالغة الخطورة، تتوافر فيها الأدلة، وتُجرى بشأنها تحقيقات علنية تتناقلها وسائل الإعلام، ومع ذلك تبقى الهيئة في سبات عميق؟

فهي لا تتحرك لوقف الملاحقات التعسفية، مع أن هذا من صلب مهامها، ولا تبادر إلى حماية كاشفي الفساد، وهو من أساسيات دورها، ولا تستخدم حقها في مؤازرة التحقيقات ومواجهة السلطات كافة بصفتها هيئة رقابية عليا. يبدو أن هذه الهيئة قررت أن يقتصر دورها الوطني على إقامة ورش العمل والمشاركة في الندوات الممولة من الصناديق المانحة تحت عنوان «تشجيع مكافحة الفساد»، حيث يُستقبل أعضاؤها كمحاضرين وخبراء، بينما الفساد على أرض الواقع يستشري، ويسرح ويمرح بلا حسيب أو رقيب.

أليس من واجب الهيئة التدقيق في أسباب غياب المحاسبة عن المصارف، رغم انعدام أي مبرر قانوني أو أخلاقي لهذا الغياب؟ أليس من واجبها التحقيق في كيفية تحويل أموال عائدة لصندوق تعاضد القضاة من العملة اللبنانية إلى الدولار الأميركي على سعر الصرف الرسمي، في ذروة الانهيار الاقتصادي؟ أليس من صلب مهامها الحرص على مبدأ التوازن بين اللبنانيين في تحقيق المداخيل، فلا تُنصف فئات محددة فيما تُسحق فئات أخرى على مرأى من الجميع؟

ولماذا تُسهّل الطبقة السياسية في لبنان كل مطالب القضاة بسلاسة مقطوعة النظير؟ هل نحن أمام «إنسانية سياسية» مفرطة تجاه السلطة القضائية؟ أم أن الأمر نابع من اعتبارات مصلحية بحتة؟ هل يُعقل ألا يمر مشروع قانون في جلسة إقرار الموازنة في نهاية شهر كانون الثاني، ليُعاد تمريره قبل نهاية شهر شباط؟ وهل يرضى القضاة في لبنان، الذين ينطقون باسم العدالة، بأن يُنصفوا من قبل الطبقة السياسية وحتى المصرفية، في حين يُلحق الظلم بسائر فئات المجتمع اللبناني؟

هي تساؤلات من واجب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الإجابة عنها، والتصدي لها بروح عالية من المسؤولية الوطنية والوظيفية.

قد يقول قائل: «كفّوا عن انتقاد السلطة القضائية». والجواب بسيط وواضح: العبرة دائمًا في الأفعال التي تُصدّق الأقوال. نسمع كثيرًا عن مبادئ جميلة ونظريات رنّانة، لكن واقع الحال والأداء سيئ، بل سيئ للغاية.

أزمة بنيوية… لا مطلبية عابرة

الأزمة في لبنان اليوم ليست أزمة موظفي قطاع عام، أو إدارات عامة، أو مساعدين قضائيين فحسب، مع الإشارة إلى أن المساعدين القضائيين حققوا في اعتكافهم ما لم يحققه موظفو القطاع العام في إضراباتهم. فقد أُعلن بالأمس عن العودة التدريجية إلى العمل، والسبب واضح: حقوق المساعدين القضائيين مرّت من بوابة إنصاف القضاة.  فمن يُنصف سائر موظفي القطاع العام؟ ومن يعيد الاعتبار إلى العدالة الاجتماعية داخل الإدارة اللبنانية؟

الأزمة في جوهرها مؤسساتية بنيوية، تُفضي إلى انهيار ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الرسمية نتيجة اعتماد معايير مزدوجة فاضحة. دولة تنتفض من أجل فنان موقوف حارب الجيش يومًا، لأن دولة ما تبنّت قضيته. ودولة تسعى بلا كلل إلى تسويق قانون عفو عام يُسقط مبدأ المحاسبة عن متهم دمّر حياة شباب لبنان وأغرق السوقين المحلي والعربي بالمخدرات.
ودولة تسمح لأصحاب النفوذ بانتهاك القانون لتحقيق المكاسب، فيما تُشهر مخالبها الحادة فقط في وجه من يدافع عن أملاك الدولة ومصالحها. هي دولة مستقيلة من أداء دورها الحقيقي.

لبنان بحاجة إلى وقفة جادّة أمام الحقيقة: وقفة تُنصف الموظفين في القطاع العام، كل الموظفين دون استثناء، لكن من دون تغطية الفساد أو تبريره. وقفة تحمي كاشفي الفساد، وتُسرّع في استرداد أملاك الدولة، وتضع حدًا للتحقيقات المريبة والانتقائية.

فهل تُصلح الدولة مؤسساتها وتستعيد هيبتها، أم تستمر في سياسة التغطية على الفساد الكبير؟ وأين الإعلاميون الاستقصائيون من كل ما يجري؟

الوقت يحترق، وأملاك اللبنانيين من كل الطوائف تُسرق بملايين الأمتار المربعة. أما صمت المسؤولين، كل المسؤولين، فلا يزيد الجراح إلا عمقًا. وإذا كان هذا الصمت ناتجًا عن تحريض طائفي، فالمسألة عندها تصبح أدهى وأمَرّ.

مقالات الكاتب

إميل خلف

كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.