بعد أن حُسمت نتائج معركة نقابة المحامين في طرابلس لصالح المحامي مروان الضاهر المدعوم من تيار المستقبل، والذي تلقّى أيضاً دعماً من التيار الوطني الحر وتيار المردة، فيما بايعت القوات اللبنانية مرشح المستقبل شمالاً، تتجه الأنظار الآن نحو العاصمة بيروت، حيث من المقرر أن تنعقد الجمعية العامة يوم الأحد المقبل، 16 تشرين الثاني 2025، في معركة نقابية لا تقلّ حدّة داخل نقابة المحامين في بيروت. معركة من المتوقع أن تجسّد خارطة التحالفات السياسية التي لا تزال غير واضحة تماماً حتى الساعة، والتي سيُفترض أن تتبلور على ضوء تداعيات فوز الضاهر في الشمال.
المشهد في بيروت: أربعة مرشحين لمركز نقيب
تنحصر المنافسة على منصب العضوية ومركز نقيب المحامين في بيروت بين أربعة مرشحين هم: عماد مارتينوس، إلياس بازرلي، بيار حنّا، ووجيه مسعد. غير أنّ المفارقة تكمن في أن على كلّ منهم أولاً الفوز بمقعد في عضوية مجلس النقابة ليصبح مؤهلاً للتنافس على مركز النقيب. وترى الأوساط المتابعة أنّ المهمة ليست صعبة على المرشحين الأربعة، إلا أنّ حجم الأصوات التي سينالها كلّ منهم سيكون ذا تأثير مباشر على مجريات الدورة الثانية من الانتخابات، وهي الدورة التي تُحسم فيها هوية نقيب المحامين في بيروت.
وعليه، تُكثّف الماكينات الانتخابية جهودها في هذه المرحلة، في محاولة للتجييش وحصد أكبر عدد ممكن من الأصوات في الدورة الأولى، مع تسجيل تمنٍّ لدى مؤيّدي كل من المرشحين مارتينوس أو بازرلي بعدم وضع الاسمين معاً في اللائحة خلال الدورة الأولى.
هل ينتقل تحالف «المستقبل» و«القوات» إلى بيروت؟
يشكّل فوز مروان الضاهر في طرابلس، المدعوم أساساً من تيار المستقبل والذي نال كذلك دعم التيار الوطني الحر وتيار المردة، سابقة مهمّة، ولا سيما أنّ القوات اللبنانية دعمت مرشّح المستقبل في الشمال أيضاً. وقد بدأت تداعيات هذا الفوز تظهر في العاصمة، حيث يُتوقّع أن يُعلن تيار المستقبل رسمياً عن تحالفه مع القوات اللبنانية لدعم المرشّح عماد مارتينوس لمركز نقيب المحامين في بيروت. وهو موقف منتظر ومتوقّع، إلا أنّ تأخّره أسهم في زيادة توتّر المعركة حتى الساعة، خصوصاً في ظل ما تقوم به الماكينة الانتخابية التابعة لإلياس بازرلي من تحريض للمحامين الشيعة على عدم التصويت لمارتينوس، على قاعدة أنّ الأخير مدعوم من القوات اللبنانية، مستندةً في ذلك إلى التصريحات الاستفزازية التي يطلقها كلّ من شارل جبور وبيار أبي عاصي وغيرهما من الشخصيات القواتية، والتي تمارس أدواراً سياسية محدّدة دون الالتفات إلى أثر تلك التصريحات على موقع المرشّح المستقل المدعوم منهم في انتخابات عضوية ومركز نقيب المحامين في بيروت.
وتشير مصادر داخل القوات اللبنانية إلى أنّ مارتينوس أكّد خلال أكثر من لقاء استقلاليته وتميّزه في مواقفه عن ثوابت القوات اللبنانية، ما خلق فجوة في صفوف الجمهور القواتي الذي يسعى المرشّح بيار حنّا إلى استقطابه. وبذلك، فإنّ أي تعثّر لمارتينوس في خطاب أو موقف يُستثمر لمصلحة حنّا، فيما تعمل ماكينة بازرلي الانتخابية على تعميق الفجوات بين مارتينوس والمحامين الشيعة من جهة، وبين مارتينوس وجمهور القوات من جهة أخرى.
غير أنّ تحالف القوات – المستقبل، إذا ما اكتمل، سيعيد إنتاج نموذج يشبه التحالف الذي أثمر في طرابلس، وهو ما سيمنح مارتينوس دفعاً قوياً في سباق محموم، ويُضعف إلى حدّ كبير حظوظ منافسه الأبرز إلياس بازرلي، الذي يحظى حتى الساعة بدعم علني من تيارين مسيحيين وازنين داخل نقابة المحامين في بيروت هما التيار الوطني الحر وحزب الكتائب، فضلاً عن الدعم الذي يُرجّح أن يتلقاه من الثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي في اللحظات الأخيرة قبل فتح صناديق الاقتراع.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الدور الذي يلعبه بعض المحامين المحسوبين على قوى التغيير في محاولة بعثرة صفوف الكتلة المستقلّة، والتي لو توحّدت لكانت قادرة على قلب المعادلة لمصلحة المرشّح الذي تقرّر دعمه.
الأحزاب تعيد رسم المشهد الانتخابي
إنّ خريطة التحالفات في بيروت تبدو معقّدة ومتشعّبة. فمن المتوقّع أن يُعلن عن تحالف بين «القوات اللبنانية» و«تيار المستقبل»، يقضي بدعم عماد مارتينوس لعضوية المجلس ولمركز نقيب المحامين، مع العمل على تعزيز لائحة هذا التحالف بالمرشحين: إيلي الحشّاش، توفيق النويري، مروان جبر، وجورج يزبك لعضوية مجلس النقابة. علمًا أنّ مفاوضات الساعات الأخيرة ما تزال جارية مع «الحزب التقدمي الاشتراكي» لدعم المرشّح نديم حمادة، غير أنّ الأخير يفضّل البقاء مرشحاً غير محسوب صراحةً على أي كتلة، باعتباره المرشّح الدرزي الوحيد، بما يتيح له إمكانية نيل دعم الطرفين في آن واحد.
في المقابل، يتّجه تحالف «التيار الوطني الحر» و«حركة أمل» و«حزب الله» إلى دعم إلياس بازرلي لعضوية المجلس ولمركز نقيب المحامين، ويقدّم هذا التحالف دعمه أيضاً للمرشحين موريس الجميل، وسيم بو طايع، وسعاد شعيب.
أما النقباء السابقون، فما زالوا يشكّلون قوة مؤثّرة في ميزان التأييدات. وهم منقسمون بين المرشحين على النحو الآتي: يميل ستة منهم إلى دعم عماد مارتينوس وهم: سمير أبي اللمع، بطرس ضومط، رمزي جريج، نهاد جبر، جورج جريج، وأندريه شدياق. بينما يميل ثلاثة إلى دعم بيار حنّا وهم: أنطوان قليموس، أنطونيو الهاشم، وملحم خلف. في حين يدعم اثنان إلياس بازرلي وهما شكيب قرطباوي وأمل حداد. مع الإشارة إلى أنّ موقفي النقيبين السابقين ريمون عيد وناضر كسبار لا يزالان غير معلنين بشكل حاسم، التزاماً بمسافة واحدة عن جميع المرشحين، انتظاراً لما ستفضي إليه نتائج الدورة الأولى.
وفي خضم هذه المعركة الانتخابية المحمومة، يبدو الجمهور النقابي منساقاً بدرجة لافتة خلف حسابات التحالفات الحزبية وتوازناتها. إذ تطغى خارطة المصالح السياسية على البرامج المهنية التي يفترض أن تكون المعيار الأساس في اختيار من يتولى قيادة النقابة. فتتراجع العناوين والمقاربات النقابية لصالح خطوط تماس سياسية، في مشهد يعكس مزيداً من تسييس الحياة المهنية وتحويل النقابة إلى امتداد لصراعات الساحة الوطنية، بدل أن تكون مساحة جامعة للدفاع عن مصالح المحامين واستقلالية العمل الحقوقي.
المعركة على الأرض: خطابات حادة واستقطاب مهني
رغم محاولات بعض الأوساط الحفاظ على «حدٍّ أدنى من الودّ»، تشهد فصول المعركة الانتخابية تصعيداً في الخطاب بين المرشحين، ولا سيّما بين إلياس بازرلي وعماد مارتينوس. ففي أكثر من لقاء انتخابي، اتّهم بازرلي منافسه مارتينوس بتبنّي طرحٍ شعبوي، فيما تراهن أوساط مارتينوس على خطاب أكثر انفتاحاً واعتدالاً، استناداً إلى شعار مفاده أن «معركة كل إنسان تشبه شخصيته».
أما المرشح وجيه مسعد، فيبدو في الموقع الأضعف بين المرشحين الأربعة الساعين إلى منصب نقيب المحامين، حيث ترجّح مصادر متابعة أن المعركة الفعلية على مركز النقيب ستنحصر بين عماد مارتينوس وإلياس بازرلي. إلا أنّ هذه المصادر نفسها تلفت إلى أنّ انتخابات العام 2023 شكّلت نموذجاً معاكساً، إذ كانت الأنظار تتجه آنذاك إلى المعركة بين عبده لحود وإسكندر إلياس، لكن نتائج الدورة الأولى أخرجت الثاني من السباق، ليدخل النقيب الحالي فادي مصري المعادلة بحبكة كتائبية استقطبت المستقلين، ما أدّى إلى فوز مرشّح حزب الكتائب اللبنانية على مرشّح القوات اللبنانية بفارق 23 صوتاً.
هل ستكون معركة بيروت على منوال معركة طرابلس؟
تشير المعطيات إلى أن انتخابات نقابة المحامين في بيروت ليست مجرّد استحقاق مهني، بل هي مرآة عاكسة للخريطة السياسية والتحالفات الحزبية. فكما حسم تحالف «المستقبل» و«التيار» و«المردة» معركة طرابلس لصالح مروان الضاهر، يبدو أن تحالفاً مماثلاً بين «المستقبل» و«القوات» في بيروت قد يعيد رسم موازين القوى لصالح مارتينوس. إلا أنّ القرار النهائي يبقى بيد الجمعية العامة للمحامين، في اختبار حقيقي لقدرة الإرادة المهنية على الصمود في وجه الآلة الحزبية، ولقياس مدى تأثير نتائج الشمال على استحقاق العاصمة.
وفي مشهد ديمقراطي لبناني بامتياز، يمكن استنتاج الخلاصة مبكراً تحت عنوان: «عودة الهيمنة الحزبية على النقابات المهنية». ويترقّب المتابعون الساعات الأربع والعشرين الأخيرة التي تسبق فتح صناديق الاقتراع، وسط توقعات بألا تخلو النتائج من المفاجآت. وهكذا تتحول نقابة المحامين في بيروت من منصة للدفاع عن المهنة وأهلها إلى ساحة جديدة لصراعات القوى السياسية، في اختبار مصيري لإرادة الجسم النقابي بين خيارين: الانصياع لإملاءات الأحزاب أو التمرد حفاظاً على استقلالية النقابة ومكانتها.
ويبقى السؤال الأبرز: أين سيكون الاحتفال بالفوز يوم الأحد؟ في معراب؟ أم في الصيفي؟ أم في ميرنا الشالوحي؟
ملاحظة: التزاماً بالأصول الصحفية التي تحرص عليها إدارة الموقع، يمكن لكل من ورد اسمه في هذه المقالة التحليلية إرسال التوضيح الذي يقتضيه تصويب المضمون.

إميل خلف
كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.
