يُملى علينا جميعًا ونحن صامتون، صمت أهل الكهف؛ صمتٌ يشي بخوفنا من مواجهة الحقيقة، أو ربما بانعدام خياراتنا الفعلية. نحن، الناخبون في الشمال وعكار، لا نعرف ألوان المرشحين الحقيقية، ولم تتح لنا فرصة تقييم مستوياتهم الفكرية، أو الاستماع إلى خطابهم لنقرر: هل هم مفوهون؟ هل لديهم أثر وتأثير؟ هل يحملون رؤية حقيقية وأفكارًا ناضجة تصنع فرقًا؟
في واقع الحال، نحن لا نعرف شيئًا عن مهنهم أو ما يمارسونه في حياتهم اليومية، عن خبراتهم العملية أو مدى فهمهم لاحتياجات مناطقنا وخصوصياتها. ما نراه اليوم هو استمرار أزمة تمثيل حقيقي تعاني منها مناطقنا منذ ثلاثة عقود.
ما يصل إلينا غالبًا هو صورة مشوهة: هؤلاء المرشحون يملكون النفوذ والمال، وهناك سعي محموم من بعض القوى للتقرب منهم والتحالف معهم، ليس بدافع خدمة المجتمع أو تعزيز مصالحه، بل سعياً وراء قدراتهم المالية وأعمالهم، بعيدًا عن حبنا لمناطقنا واحتياجاتنا الحقيقية.
حتى الإعلام، الذي يُفترض أن يكون مرآة الحقيقة، لم يفِ بدوره؛ كل ما نعرفه عن هؤلاء المرشحين يأتينا عبر هلوسات وهمسات إعلامية، أو من خلال صورهم التي تزيّن اللافتات والطرق والساحات، كتماثيل ثابتة لا تتحرك، لا تعكس أي فعل حقيقي أو حضور ملموس.
وبينما هناك من يشعر بالإعجاب أو الانبهار بهذه الشخصيات، ومن يلهث خلفها، يظل المؤسف الأكبر أن الصمت واللامبالاة تطبع غالبية الناخبين. هم غير مكترثين بما يجري من صراعات، أو بما يحاك لهم من سيناريوهات جاهزة بعناية. لقد أصبح الصوت الشعبي مجرد رقم، والأصوات محكومة بالمال والنفوذ، وليس بالكرامة والحق.
وهنا تكمن الحقيقة المؤلمة: مستوى التعاطي مع الناخبين وصل إلى أدنى درجات الانحدار. فقد تحولت معادلة المشاركة الانتخابية إلى احتساب سعر الصوت أو مجموعة الأصوات، مع تجاهل كامل لمبادئ الكرامة والمواطنة. نحن اليوم أمام انتخابات تُفرض علينا، علينا أن نسلم بها أو نستسلم لها.
في الواقع، هذا الصمت الذي أظهرناه، والصمت الذي نمارسه، يجعلنا من أشد فئات المستسلمين: مستسلمين أمام التزييف الإعلامي، مستسلمين أمام النفوذ المالي، مستسلمين أمام لعبة السلطة التي لا تنتهي.
وهنا تكمن جذور الفساد السياسي المحلي:
- تحويل الانتخابات إلى تجارة وأرباح شخصية بدلاً من خدمة المجتمع.
- ضعف المشاركة المدنية واللامبالاة الشعبية التي تسمح للفساد بالاستمرار دون محاسبة.
- غياب القوانين الانتخابية العصرية التي تكفل المنافسة النزيهة وتحد من هيمنة النفوذ المالي والطائفي.
- التواطؤ الجزئي لبعض القوى السياسية مع الوضع الراهن، لأنها تستفيد من إعادة إنتاج نفسها وضمان استمرار سلطتها.
إنَّ الصمت الشعبي هو ما يجعل هذا النظام ممكنًا، وهو ما يميز غالبية الناخبين اليوم: مستسلمون أمام اللعبة السياسية، مستسلمون أمام نفوذ المال والطائفية، مستسلمون أمام التزييف الإعلامي. لكن الحقائق لا تختفي، والسياسات المزيفة لا يمكن أن تدوم بلا رد فعل.
لكن السؤال يبقى: هل نرضى أن نستمر في هذا النمط؟ أم نعيد التفكير في معنى التمثيل الحقيقي والمواطنة الصادقة؟ هل نستسلم أم ننهض؟ ربما الانتخابات مؤجلة، لكن الحقيقة لن تُؤجل. مناطقنا وأجيالنا القادمة بحاجة إلى وعي، إلى حرية اختيار، إلى صوت حقيقي لا يُشترى بالمال أو يُقاس بالنفوذ.
إن إعادة الاعتبار للمواطنة، ورفض الخضوع لصمت الكهف، هي الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع قادر على المطالبة بحقوقه، وإعادة الكرامة إلى ساحاته. لأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل مسؤولية يومية لمواطنة حقيقية تتجاوز الصورة والإعلانات والوعود الزائفة.
إنَّ صمتنا المستمر، ولعب وتلاعب القوى السياسية بالمال والنفوذ، وتحويل الانتخابات إلى سوق للاستثمار، كل ذلك يجعلنا شركاء في إعادة إنتاج النظام الفاسد. لكن الوعي الشعبي، والمطالبة بقوانين عادلة، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الحقيقي، يمكن أن يكسر هذه الحلقة ويعيد للسياسة معناها، ويعيد للناخب مكانته كصانع للتغيير لا مجرد رقم يُحتسب في لعبة النفوذ.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
