تعود الأسئلة حول الطبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى الواجهة مع كل تصعيد عسكري أو تحرّك ميداني على الحدود. فبين التصريحات الرسمية الإسرائيلية والوقائع التي يفرضها الميدان، تتباين القراءات بشأن الأهداف الحقيقية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها، وما إذا كانت تقتصر على اعتبارات أمنية وعسكرية، أم تتجاوزها إلى إعادة رسم واقع سياسي وأمني جديد في المنطقة.
يتمثّل الهدف الإسرائيلي الأساسي في إنشاء منطقة آمنة أو عازلة في الجنوب اللبناني، تقلّص المخاطر الأمنية على المستوطنات الشمالية. ومن هذا المنظور، تسعى إسرائيل إلى إبعاد مصادر التهديد عن حدودها من خلال الضربات العسكرية والضغط الميداني المستمر.
ويذهب منتقدو هذه المقاربة إلى أنّ أخطر تداعياتها المحتملة لا تكمن في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في تأثيرها التراكمي على الجغرافيا البشرية للجنوب اللبناني. فاستمرار التهديدات الأمنية، وتدمير البنية التحتية، وتأخّر عودة مقوّمات الحياة الطبيعية، قد يدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى النزوح الدائم أو شبه الدائم، بما يؤدي تدريجياً إلى إحداث تحوّلات ديموغرافية قد تعيد رسم التوازنات المحلية، وتفرض وقائع جديدة على الأرض، بصرف النظر عمّا إذا كانت هذه النتائج مقصودة أم أنّها نشأت كنتيجة غير مباشرة لمسار الصراع.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان النزوح الواسع للسكان يشكّل مجرّد نتيجة إنسانية جانبية للحرب، أم أنّه يندرج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضمن ديناميات عسكرية واستراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المناطق الحدودية. ففي العديد من النزاعات الحديثة، لا يقتصر أثر العمليات العسكرية على استهداف القدرات القتالية للخصم، بل يمتد إلى تغيير الواقع الميداني المحيط بها، عبر إفراغ مناطق معيّنة من سكانها، بما يحدّ من قدرة القوى المحلية على إعادة التموضع أو استعادة أنماط الحياة الطبيعية فيها.
ورغم عدم إعلان إسرائيل رسمياً عن استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي أو إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، فإن الواقع الميداني الذي يتكرّس يوماً بعد يوم يثير تساؤلات متزايدة حول الأهداف البعيدة لهذه العمليات. فحجم الدمار الواسع الذي يطال البنية التحتية والمرافق الحيوية، واستمرار الضربات بوتيرة مرتفعة، وتسارع الأحداث على الأرض بما يوحي بوجود استعجال في فرض وقائع جديدة، كلها عوامل تستوجب من الحكومة اللبنانية المتابعة والدراسة الجدية، والتعامل معها على أنّها احتمال للسعي إلى إفراغ المناطق الحدودية من سكانها، بوصفها فرضية استراتيجية عالية الأهمية.
فإضعاف الكثافة السكانية في المناطق الحدودية قد يفضي عملياً إلى خلق فراغ بشري وأمني يسهّل مراقبة الميدان، ويقلّص هامش حركة الخصم، حتى وإن لم يكن ذلك هدفاً معلناً بحدّ ذاته. وهو ما يجعل التداعيات الديموغرافية والأمنية للحرب جزءاً أساسياً من أي تقييم استراتيجي لمسار الصراع ونتائجه بعيدة المدى.
وفي قلب هذا النقاش، تبرز أهمية المواقع المرتفعة والاستراتيجية، وعلى رأسها «قلعة الشقيف»، المعروفة دولياً باسم «بوفور». فالقلعة ليست مجرّد معلم تاريخي يطلّ على وادي الليطاني ومناطق واسعة من الجنوب، بل تمثّل نقطة مراقبة ذات أهمية عسكرية كبيرة. فمن يسيطر على المرتفعات يملك قدرة أكبر على الرصد والمتابعة وجمع المعلومات، وهو ما يفسّر الأهمية التي حظيت بها القلعة خلال العقود الماضية.
لكن أهمية «بوفور» لا تقتصر على بعدها العسكري فحسب، فالقلعة تحمل أيضاً قيمة رمزية مرتبطة بتاريخ الصراع بين إسرائيل ولبنان، ما يجعل أي حديث عن السيطرة عليها يتجاوز الحسابات التكتيكية إلى رسائل سياسية ومعنوية موجّهة إلى الداخل والخارج على حدّ سواء. ولهذا السبب، يصعب الفصل بين البعدين الاستراتيجي والرمزي عند تقييم أهمية الموقع.
في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً بخيار العودة إلى الآليات الدولية التي نظّمت الوضع الحدودي خلال السنوات الماضية، ويؤكد المسؤولون اللبنانيون أنّ استعادة الاستقرار تمرّ عبر احترام القرارات الدولية وتفعيل آليات المراقبة والتنسيق القائمة، بما يضمن وقف الأعمال العدائية ومنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع. كما يرى لبنان أنّ أي حلّ طويل الأمد يجب أن يرتكز على حماية السيادة الوطنية، وإعادة السكان إلى قراهم ومنازلهم، وإطلاق عملية إعادة إعمار المناطق المتضرّرة.
غير أنّ هذا الطرح يثير تساؤلاً جوهرياً حول مدى فعاليته في ظل الواقع الميداني القائم. فهل تُعير إسرائيل أهمية فعلية لتمسّك لبنان بالمرجعيات والآليات الدولية، وهي متهمة من قبل خصومها وبعض الجهات الدولية بتجاوز أو تجاهل عدد من القرارات الدولية عندما ترى أنّ مقتضيات أمنها القومي تتطلب ذلك؟
ومن هنا، يبرز السؤال الأعمق: هل يكفي الاستناد إلى الشرعية الدولية وحدها لفرض الاستقرار، أم أنّ نجاح أي تسوية يبقى مرتبطاً أولاً بتوازنات القوة والمصالح الاستراتيجية للأطراف المعنية، وقدرتها على ترجمة الالتزامات السياسية إلى وقائع ميدانية قابلة للاستمرار؟
وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل الهدف الإسرائيلي هو مجرّد ردع وإعادة رسم قواعد الاشتباك؟ أم أنّ هناك سعياً إلى تغيير أعمق في الواقع الأمني والجغرافي للجنوب اللبناني؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
