خمسة اتجاهات تكنولوجية للمراقبة في 2026

اليوم، نتابع خمسة اتجاهات نعتقد أنها ستُحدِّد ملامح العام الجديد: انتشار مراكز البيانات بسرعة خارج الولايات المتحدة والصين؛ تضاعف ثروات المليارديرات؛ توسّع السيارات ذاتية القيادة إلى عدد كبير من المواقع الجديدة؛ عثور الذكاء الاصطناعي على مكانه الوظيفي داخل بيئات العمل؛ واتخاذ تقنيات المستهلك أشكالًا جديدة وغير مألوفة.

مراكز البيانات تغطّي العالم

شهد عام 2025 انتشارًا كثيفًا وسريعًا لمراكز البيانات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. أما في عام 2026، فإن المشروع الذي تُقدَّر كلفته بعدّة تريليونات من الدولارات لتشييد البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، فهو على وشك التوسّع ليشمل مختلف أنحاء العالم.

يكفي النظر إلى تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في اليوم التالي لعيد الميلاد، وثّق الاستثمارات الضخمة التي بدأ عمالقة التكنولوجيا بضخّها في الهند، ضمن خطة توسّع يُتوقَّع تنفيذها على مدى السنوات الخمس المقبلة. فقد التزمت شركة “مايكروسوفت” باستثمار 17.5 مليار دولار لبناء مراكز بيانات جديدة في الهند، خلال فعالية أُقيمت في وقت سابق من الشهر الماضي. ولم يكن الرئيس التنفيذي للشركة، ساتيا ناديلا، قد غادر المنصّة بعد إعلان هذا الالتزام، حتى أعلنت شركة “أمازون” المنافسة أنها ستنفق 35 مليار دولار على إنشاء مراكز بيانات خاصة بها في البلاد، وفقًا لما ذكرته “نيويورك تايمز”. وقبل ذلك بشهر، أبرمت “غوغل” شراكة بقيمة 15 مليار دولار لتحقيق الهدف نفسه مع تكتلين صناعيين عملاقين في الهند، فيما تعمل شركة “ميتا”، التي لا تريد أن تكون أقل شأنًا من منافسيها، على بناء مركز بيانات بالقرب من الموقع الذي تخطّط “غوغل” لإنشائه.

وتسير دول جنوب شرق آسيا على خطى الهند، حيث يتوقّع محلّلون نموًا من خانتين في عدد مراكز البيانات وقدرات الحوسبة في إندونيسيا وماليزيا وفيتنام. أما سنغافورة، فلديها بالفعل عدد كبير من مراكز البيانات مقارنة بحجمها الجغرافي. كما تُعدّ أستراليا مركزًا إقليميًا متناميًا في هذا المجال. وما ينبغي مراقبته في هذه المنطقة هو أن المناخ الحار نسبيًا لا يناسب مرافق الحوسبة الحسّاسة لدرجات الحرارة، ما يعني أنها ستستهلك كميات أكبر من الكهرباء – وهي تستهلك أصلًا كميات هائلة منها – لأغراض التبريد.

بدورها، تسعى البرازيل إلى ترسيخ موقعها كوجهة مراكز البيانات في أميركا اللاتينية، ويبدو أن هذا المسعى يحقق نجاحًا حتى الآن. غير أن شبكة الكهرباء، كما هو الحال في الهند، لم تُحدَّث بعد لتلبية الشهية الهائلة للطاقة التي تتطلبها البنية التحتية الرقمية. وقد أدّى الطلب المتزايد من مراكز البيانات إلى انقطاعات في التيار الكهربائي خلال العام المنصرم. وعلى مستوى أميركا اللاتينية عمومًا، تتزايد مقاومة الناشطين البيئيين لوتيرة بناء مراكز البيانات المتسارعة، والتي غالبًا ما تُحاط بسرّية قانونية تحول دون تمكّن المجتمعات المحلية من معرفة حجم استهلاكها الفعلي للكهرباء والمياه.

أما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، الساعيتان إلى التحوّل إلى لاعبين مهيمنين في مجال الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وإلى تنويع اقتصادهما بعيدًا عن النفط، فقد أبرمتا صفقات في مجال الذكاء الاصطناعي بقيمة تقارب 600 مليار دولار مع الولايات المتحدة خلال جولة الرئيس دونالد ترامب في أيار/مايو الفائت، من بينها صفقة لإنشاء أكبر مجمّع للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. وهذه الصفقات متبادلة، إذ تعهّدت الولايات المتحدة وشركات التكنولوجيا العملاقة التابعة لها باستثمار عشرات المليارات من الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في هاتين الدولتين النفطيتين.

كما تشهد سوق مراكز البيانات في أوروبا نموًا ملحوظًا. فالقارّة تمتلك سوقًا قوية وناضجة في هذا المجال، لكنها لم تحقّق المستوى نفسه من النمو أو تجذب حجم الاستثمارات الذي شهدته الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن المرجّح أن تنمو القدرة الحوسبية في أوروبا خلال العام الحالي، وإن بوتيرة أبطأ مقارنة بالمناطق الأخرى المذكورة هنا.

غير أن التجربة الصينية تقدّم درسًا تحذيريًا: فبناء مركز بيانات لا يعني بالضرورة أنه سيُستخدَم. فقد أمضت الصين معظم عامي 2023 و2024 في سباق محموم لبناء أسطول جديد من مراكز البيانات. ووفقًا للجنة مراكز البيانات التابعة لجمعية صناعة الاتصالات الصينية، المرتبطة بالدولة، فقد أنهى نحو 150 مركز بيانات جديدًا أعمال البناء وبدأ التشغيل في عام 2024. إلا أن جزءًا كبيرًا منها بات اليوم غير مستخدم، ويكافح لتأمين زبائن واستثمارات جديدة، بحسب ما أفادت به كل من وكالة “رويترز” ومجلة “MIT Technology Review. وأشارت وسائل إعلام صينية محلية، نقلت عنها المجلة، إلى أن ما يصل إلى 80% من القدرة الحوسبية الجديدة في الصين لا تجد مشترين. والسؤال المطروح: ماذا سيفعل باقي العالم إذا ما وصل من ناحيته إلى مرحلة التشبّع نفسها؟

الوصول العالمي للسيارات ذاتية القيادة

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، كتبنا عن السباق القائم بين الولايات المتحدة والصين في مضمار صناعة المركبات ذاتية القيادة، وهو سباق سيؤدي إلى ظهور السيارات ذاتية القيادة في كبريات المدن العالمية خلال عام 2026.

من الجانب الأميركي، تبرز شركة “وايمو”، المشروع التابع لـ”غوغل” في مجال القيادة الذاتية. فقد استثمرت الشركة مليارات الدولارات على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية. وفي حزيران/يونيو 2024، فتحت “وايمو” خدمة سيارات الأجرة الآلية أمام الجمهور في مدينة سان فرانسيسكو، بعد سنوات طويلة من الاختبارات، وبدأت منذ ذلك الحين توسيع الخدمة تدريجيًا. واليوم، باتت مركباتها مرئية بشكل واسع في معظم أنحاء مدينة لوس أنجلوس، ومن المقرّر أن تنتشر في واشنطن العاصمة، ونيويورك، ولندن خلال العام الجاري.

أما شركة “بايدو” الصينية، فقد أطلقت خدمة “أبوللو غو” لسيارات الأجرة ذاتية القيادة في دبي وأبو ظبي خلال العام المنصرم. كذلك، وصلت عجلات شركة “وي رايد”، وهي شركة صينية أخرى متخصصة في المركبات ذاتية القيادة، إلى كل من الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة. وجميع اللاعبين الرئيسيين في السوق الصينية يوسّعون حضورهم في أوروبا. فمن المقرّر أن تبدأ سيارات من إنتاج شركة “مومنتا”، والتي ستشغّلها شركة “أوبر”، بالقيادة في ألمانيا عام 2026. كما تملك شركات “وي رايد”، و”بايدو”، و”بوني أيه آي” خططًا لإطلاق خدمات سيارات الأجرة الآلية في مواقع أوروبية متعددة خلال المستقبل القريب. وبذلك، يستعد عدد متزايد من الناس لرؤية السيارات ذاتية القيادة ضمن تفاصيل حياتهم اليومية.

ترجيح أن يصبح المليارديرات أكثر ثراءً

بحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، أضاف عشرة من أغنى التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا ما مجموعه 550 مليار دولار إلى ثرواتهم خلال عام 2025، وهو رقم مذهل لا يُظهر أي مؤشرات على التباطؤ في العام المقبل، ولا سيما في ظل طرحين عامّين مرتقبين في البورصة: “أوبن أيه آي” و”سبيس إكس”، اللتان تُقدَّر قيمتهما بنحو 830 مليار دولار و800 مليار دولار، على التوالي، مع احتمال ارتفاع كلتا القيمتين إلى تريليون دولار.

ومن شأن إدراج “سبيس إكس” في سوق التداول أن يضيف عشرات المليارات إلى صافي ثروة رئيسها التنفيذي ومؤسسها المشارك، إيلون ماسك، الذي يمتلك أصلًا ثروة تُقدَّر بنحو 600 مليار دولار، وفقًا لمجلة “فوربس”. أما الطرح العام لشركة “أوبن أيه آي”، فصورته أقل وضوحًا؛ إذ صرّح سام ألتمان بأنه لا يملك حصة في النسخة الربحية الجديدة من الشركة المطوّرة لـ”تشات جي بي تي”. وبالتالي، قد يجعل الطرح العام داعمي الشركة، مثل “مايكروسوفت”، وموظفيها الذين يمتلكون جزءًا كبيرًا من الأسهم، أكثر ثراءً، في حين يحقق ألتمان نفسه أرباحًا متواضعة نسبيًا.

ويُتوقَّع أيضًا أن يجني ماسك دخلًا ضخمًا من عمله في شركة “تسلا”، إذ أصبح مستفيدًا من حزمتين للتعويضات: الأولى بقيمة 56 مليار دولار، أُعيد تفعيلها بقرار من محكمة مختصة بشؤون الشركات في ولاية ديلاوير؛ والثانية بقيمة هائلة تصل إلى تريليون دولار، أقرّها مساهمو شركة “تسلا” عبر التصويت.

أما الاستثناء المحتمل لتوقّعات تضخّم ثروات المليارديرات، فقد يكون لاري إليسون. فقد أطاح هذا الملياردير الداعم لترامب، لفترة وجيزة في أيلول/سبتمبر الماضي، بإيلون ماسك عن صدارة أغنى رجل في العالم، في ظل ارتفاع الآمال بنجاح شركة البرمجيات التابعة له، “أوراكل”، إلى مستويات غير مسبوقة. وكان تقاربه من ترامب، إلى جانب انخراط “أوراكل” في طفرة الذكاء الاصطناعي، بمثابة محرّكين صاروخيين دفعا بثروته نحو آفاق غير محدودة.

غير أنّ المشهد تغيّر بعد بضعة أشهر فقط، إذ باتت “أوراكل” تتحمّل وطأة مخاوف المستثمرين من فقاعة محتملة في قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد بدأت “وول ستريت” في التدقيق بالتزامات الشركة المستقبلية وبحجم المخاطر الضخم الذي تحمّلته لتمويل هذه الالتزامات. ونتيجة لذلك، أدّت نتائج “أوراكل” المالية إلى خسارة نحو 80 مليار دولار من قيمتها السوقية.

الذكاء الاصطناعي: ما الذي يغيّره في العمل… وما الذي لا يغيّره

لقد أحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلًا فعليًا في الإنتاجية داخل بعض المجالات المتخصصة. فعلى سبيل المثال، باتت البرمجة اليوم مختلفة جذريًا عمّا كانت عليه قبل خمس سنوات فقط. كما يجري استبدال موظفي خدمة الزبائن بوتيرة متسارعة بروبوتات محادثة غير مرغوب فيها على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي لم ينجح حتى الآن في تعويض إنتاجية العاملين على مستوى القاعدة في معظم القطاعات.

وتظلّ دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، خلصت إلى أن 95% من برامج الذكاء الاصطناعي التجريبية التي أطلقتها الشركات فشلت في تحقيق أي عائد على الاستثمار، حاضرة بقوة في هذا السياق. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لم يبلغ بعد مرحلة الجاهزية لاستبدال العمال على نطاق واسع، فإن العديد من الشركات باتت تُحجم عن التوظيف، بانتظار ما قد تحمله هذه التكنولوجيا من إمكانات مستقبلية. ونتيجة لذلك، تتأثر وظائف اليوم بتصوّرات أصحاب القرار عمّا سيكون عليه الغد.

فعلى سبيل المثال، يتّجه قطاع “هوليوود”، الذي يعاني أصلًا من أزمة مالية حادة، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة لإنجاز الأعمال الإنتاجية بكلفة أقل. وفي المقابل، رفض قرّاء الصحف النصوص المكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، معتبرين إياها غير دقيقة وغير موثوقة. أما العاملون في القطاع القانوني، فلم يحسموا بعد موقع الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن مهنتهم؛ إذ إن روبوتات المحادثة قد تستشهد بقضايا قانونية وهمية، في حين يثبت تلخيص المستندات الطويلة والمعقّدة أنه تطبيق فعّال يوفّر وقتًا كبيرًا بالفعل. وقد يشهد العام الحالي العثور على مجالات إضافية يكون فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي مفيدًا على نحو حقيقي.

الأجهزة الاستهلاكية تتّخذ أشكالًا غير مألوفة

على مدى سنوات طويلة، شكّل الهاتف الذكي التكنولوجيا الأهم في حياة معظم الناس، وربما الجهاز الوحيد ذي الأهمية الحقيقية بالنسبة إليهم. وقد حافظ هذا الجهاز على شكله العام طوال ما يقارب عقدًا من الزمن: شاشة سوداء كبيرة مع بعض الأزرار الجانبية. غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت ظهور أشكال تصميمية جديدة للأجهزة، أبرزها الهواتف القابلة للطي، إلى جانب بعض المحاولات لتجسيد الذكاء الاصطناعي في أجهزة مادية ملموسة.

وفي عام 2026، يُرجّح أن تتسارع هذه الاتجاهات، مدفوعة بإمكانية إطلاق “آبل” لهاتف قابل للطي، وبالسعي المحموم لإيجاد جهاز قادر على احتضان قدرات الذكاء الاصطناعي وتقديمها للمستخدمين بشكل عملي.

وسيحظى أي شكل جديد للهاتف الذكي بقاعدة جماهيرية واسعة ووفية. فعلى الرغم من أنّ أبرز هواتف “أندرويد” اعتمدت الشاشات القابلة للطي منذ سنوات، بما في ذلك هاتف جديد من “سامسونغ” يطوى على دفعتين، فإن جمهور “آبل” يتميّز بكونه أسيرًا لمنظومة الشركة البرمجية المتكاملة.

في الوقت نفسه، تعمل شركات التكنولوجيا بوتيرة محمومة على تطوير جهاز جديد قائم على الذكاء الاصطناعي، سعيًا لأن تكون الأولى في تحويل جاذبية “تشات جي بي تي” إلى تجربة واقعية ملموسة. فقد أنفقت شركة “أوبن أيه آي” نحو 6.5 مليارات دولار في عام 2025 على الاستحواذ على شركة ناشئة أسّسها المصمّم الشهير جوني آيف، مهندس تصميم هاتف “آيفون”، رغم أن هذه الشركة لم تكن تمتلك منتجات تُذكر.

في المقابل، تبرز النظارات الذكية كمسار واعد لإدخال الذكاء الاصطناعي التوليدي والتفاعلي إلى تفاصيل الحياة اليومية، وهي أجهزة تلقى رواجًا متزايدًا بالفعل.

وفي عام 2026، يُتوقّع أن تشهد النظارات الذكية توسعًا وتطوّرًا ملحوظين، مع هيمنة واضحة لشركة “ميتا” على هذا السوق. كما يُرجّح أن يجد الذكاء الاصطناعي التوليدي أو التفاعلي طريقه إلى أماكن إضافية قد لا يرغب المستخدمون، في نهاية المطاف، بوجوده فيها.

 

 

ترجمة بتصرّف عن صحيفة “الغارديان”

بقلم / بلايك مونتغومري

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.