غريبٌ استياء بعضهم من هول الحرب وفظاعتها وهم بعيدون كل البعد عنها. فعملهم مستمرّ وتجارتهم مزدهرة ومناطقهم آمنة وحياتهم طبيعية بشكل لا يوحي بوجود أي خطر عليهم.
لم يُستشهَد أحدٌ من أفراد أسَرِهم ولم تُهَدَّم أي من بيوتهم، ولم يُهَجَّروا وأقاربهم. أرضهم غير مهدّدة بالقضم، بل مستفيدون من إيرادات فائضة لم يكونوا لينالوها لولا هذه الحرب (مدفوعات المستهلكين النازحين إليهم نموذجاً). تحسبهم من ضخامة عويلهم وعلو صراخهم أنهم في مقدّمة المواجهات الدموية والعنيفة التي لا تُحتَمَل.
طالبو سلام مع العدو ولم يمسَسوا أدنى ضير من عدوانه. لم يتذوّقوا مرارة الذلّ إبان الاحتلال وبعده.
إن مَن يجب أن يسعى إلى السلام، أو يتمناه، هم الذين تعرّضوا ويتعرّضون للمجازر والاعتداءات آنفة الذكر، لكن غياب الدولة، التي كانوا يعَوّلون عليها بمقدّراتها الأمنية والعسكرية، قضى على آمالهم في ردّ العدوان وإحلال السلام منذ تأسيس الدولة الغاصبة لأرض فلسطين إلى يومنا هذا.
لسنا في صدد اتهام مَن تسبّب في اندلاع هذه الحرب كما قبلها، لكن الوقائع تفرض وجود مَن يتصدّى لمُشِنّيها، فإذ ببعضهم يلقي اللوم عليهم من دون ذكر المعتدي عاكسين الآية.
إن ما تعرّض له أهل الجنوب خصوصاً، بواقع قربهم من الحدود الجنوبية مع الأرض المحتلة، جعلهم ينزحون سريعاً من قراهم المشتعلة (للمرة السادسة منذ اعتداءات ١٩٤٨ إلى الآن)، حاملين ما تيسّر من مقتنيات وأموال احتياطية، تاركين بيوتهم المتواضعة وقصورهم الفارهة بما فيها لمصيرٍ مجهول بانت أولى ملامحه تظهر في تدميرها الممنهج ما يُنذر بعدم عودتهم إليها لاحقاً.
هذا الواقع المرير أتاح لبعضهم النزول في فنادق واستئجار شقق استطاعوا أن يدفعوا بدلاتها المضاعفة من مدّخراتهم، أتت على أصحابها بالخير الوفير، ومنشّطين بذلك حركة اقتصادية كانت شبه معدومة في بعض المناطق (مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ)، بينما لجأ بعضهم من غير الميسورين الى السكن في مدارس وافتراش خياماً موقتة ريثما يجدون البديل اللائق على أمل مساعدتهم من قِبَل الدولة النائمة وتحديداً وزارة الشؤون الاجتماعية كبادرة إنقاذ لشعبها المنكوب… وهو أقل واجباتها.
في النظر إلى الوقائع على الأرض نجد أن اختلاط المجتمعات أوجد بعض الفروقات بين فئات الضيوف والمضيفين. وهنا لا بد من استغلال بعض المسؤولين والساسة لها إشعالاً لفتنة تعوّمهم في هذا الوقت الحساس. فمنهم من طالب بردّ النازحين وطردهم من مناطقهم، كان آخرها في منطقة جونية التي استثمر سياسيوها سوء التفاهم بين بعض سكانها والجيران الجدد.
كذلك أثار اعتماد إنشاء الدولة مركزاً لإيواء النازحين في الكرنتينا استياء ورفض بعض سياسيّي المنطقة (ومنهم مسؤولون في الدولة)، إذ توجّسوا بناء بؤرة أمنية مسلّحة تهدّد أمنهم ومنطقتهم، وللأسف شاركهم التوجّس أميركيون لا علاقة لهم أصلاً بما يحدث هناك (الغاية في ذلك واضحة تماماً زرع الفتنة بين اللبنانيين).
اللوم هنا لا يقع على المعترضين (هذه وجهة نظرهم)، بل مَن يُلام بعض النازحين الذين طبعوا وجودهم بدلائل وشعارات حزبية أثارت حفيظتهم.
من الضروري التحلّي بروح الصبر والتعاون في هذه الأزمات، وترك المعتقدات والانتماءات لحين العودة إلى الديار وممارستها هناك بحرّية.
مراعاة ظروف المناطق وأصحابها، وشكر المضيف واحترام تقاليده واجبٌ على كل ضيف، تماماً كما معتقدكم يفرض احترام الضيف وإكرامه. وهو تصرّف لو اعتُمِد في حينه ودائماً لفُتِحَت أبواب البيوت للجميع وأُقفِلَت أفواه ذوي الفتنة من أصحاب الأفكار الخبيثة.

زهير كركي
كاتب لبناني.
