الدستور اللبناني في مئويته الأولى: لبنان الرسالة أم لبنان الشعارات؟

إنّ إحدى أكبر أزمات الحياة السياسية والفكرية في لبنان تكمن في الطريقة التي تُستعمل بها المفاهيم السياسية والدستورية بصورة مشوّهة ومبتورة، بحيث تتحوّل الكلمات إلى شعارات تعبويّة أكثر منها أدوات تفكير. فالكثير من المصطلحات التي يُفترض أن تشكّل مدخلاً للنقاش العقلاني أصبحت تُستخدم لإقفال النقاش نفسه، عبر تحميلها معاني مطلقة أو تخويفية لا تعبّر بالضرورة عن مضمونها الحقيقي، كالعلمانية والديمقراطية التوافقية واللامركزية الإدارية الموسّعة والفدرالية.

إنّ الأزمة الحقيقية في لبنان لا تكمن في طرح الأفكار الجديدة بقدر ما تكمن في الطريقة التي تُستقبل بها هذه الأفكار داخل الحياة العامة. فبدلاً من مقاربة أي طرح انطلاقاً من مضمونه وآلياته ونتائجه، يجري اختزاله بصور ذهنية مسبقة تُزرع في الوعي الجماعي حتى تتحوّل إلى مسلّمات غير قابلة للنقاش. وهكذا، يصبح أي نقاش دستوري أو سياسي أقرب إلى معركة هوية أو تخوين متبادل، لا إلى بحث فكري هادئ وعقلاني.

وقد أدّى هذا الاستخدام الدعائي والعاطفي للمفاهيم إلى إفراغها من معناها العلمي والدستوري الحقيقي، بحيث تحوّلت الكلمات في لبنان من أدوات للتفكير إلى أدوات للخوف والتعبئة. ومن أبرز الأمثلة على هذا الخلط الطريقة التي يجري فيها ربط «لبنان الرسالة» بشكل معيّن من أشكال النظام السياسي. فبمجرّد طرح أي نقاش حول تطوير النظام أو إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والمناطق، يُقال فوراً إنّ ذلك يشكّل تهديداً لفكرة لبنان الرسالة أو نسفاً لخصوصية لبنان الحضارية.

غير أنّ لبنان الرسالة، في جوهره، ليس نظام حكم محدّداً، بل فكرة حضارية تقوم على التفاعل بين جماعات متعدّدة ضمن مساحة حرّة مشتركة. إنّه قائم على «حوار الحياة» بين اللبنانيين، أي على العلاقات اليومية الطبيعية التي تجمع الناس في المدارس والجامعات والشركات والأسواق والمهن والمؤسسات، لا على شكل إداري جامد للدولة.

فالعيش المشترك لم يُبنَ على مادة دستورية معيّنة، بل على واقع اجتماعي وثقافي وتاريخي طويل. وهل يمكن القول أصلاً إنّ الدستور اللبناني، الذي يقترب من عامه المئة، هو الذي أنشأ فكرة «لبنان الرسالة» بطبيعة الحال لا. فهذه الفكرة لم تولد من نصّ دستوري، ولا تُختزل بمادة قانونية أو بشكل معيّن للنظام السياسي، بل تقوم أساساً على التفاعل اليومي بين المكوّنات الاجتماعية اللبنانية وعلى شبكة العلاقات الإنسانية التي تنشأ بين الناس في حياتهم العادية. وهذه العلاقات تبقى قائمة مهما كانت طبيعتها: ناجحة أو متوتّرة، صادقة أو مصلحية، عفوية أو حتى يشوبها شيء من المجاملة أو التقية السياسية. لأنّ جوهر لبنان الرسالة ليس في مثالية العلاقة بين اللبنانيين، بل في استمرارها رغم كل التناقضات والانقسامات.

ومن هنا، فإنّ افتراض اعتماد نظام فدرالي مثلاً لا يعني انهيار هذا العيش المشترك. فهل تصبح الجامعات مقسّمة بين الطوائف بحيث يجلس كل فريق في صفّ منفصل؟ وهل تتوقّف الشركات الكبرى عن توظيف اللبنانيين من مختلف الانتماءات؟ وهل تُقفل المساحات المشتركة التي تجمع اللبنانيين يومياً؟ وهل يصبح الانتقال بين المناطق شبيهاً بالمرور بين حدود دول متحاربة؟ بطبيعة الحال لا.

ذلك أنّ المشكلة ليست في الطروحات نفسها، بل في الطريقة التي يجري تصويرها بها. فهذه الصور التي تُرسم حول أي طرح سياسي ليست سوى امتداد لثقافة التخويف التي تحكم الحياة العامة في لبنان، حيث يشعر كل فريق بأنّ وجوده مرتبط بمنع الآخر من امتلاك مساحة أمان سياسية خاصة به. بينما قد يؤدّي أي نظام يؤمّن ضمانات أوضح وصلاحيات أكثر توازناً إلى تخفيف هذا القلق الوجودي، وبالتالي إلى تخفيف التشنّج الطائفي بدل تعميقه.

في لبنان، يتحوّل كل نقاش دستوري سريعاً إلى معركة وجودية، وكل محاولة لإعادة التفكير بالنظام تُقدَّم وكأنّها مشروع لإلغاء الآخر أو تهديد للعيش المشترك ولفكرة لبنان الرسالة. لكن، هل يمكن لوطن أن يستمر إذا كان يخاف من مجرّد طرح الأسئلة؟ وهل تكون فكرة «لبنان الرسالة» قوية فعلاً إذا كانت تسقط أمام أي نقاش سياسي أو إداري؟ وإذا كان العيش الإسلامي–المسيحي يحتاج دائماً إلى التخويف لحمايته، فهل يكون عندها عيشاً حقيقياً أم مجرد توازن هشّ قائم على القلق المتبادل؟

وهل المطلوب من اللبنانيين أن يبقوا أسرى نظام لمجرّد الخوف من البديل، أم أنّ المطلوب هو الجرأة على مناقشة كل الطروحات بعقلانية وهدوء؟ ربما آن الأوان للخروج من ثقافة الشعارات إلى ثقافة الأسئلة، لأنّ الأوطان لا تسقط عندما تناقش أنظمتها، بل عندما تفقد القدرة على التفكير الحر، وتصبح كل فكرة مختلفة تهمة، وكل نقاش مشروع انقسام، وكل محاولة للفهم سبباً للخوف. فالمجتمعات التي تخاف من مناقشة أفكارها تبقى أسيرة أزماتها مهما بدّلت شعاراتها.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.