يرمي العلماء وروّاد الأعمال بلا كلل إلى تحقيق هدف غريب نوعًا ما: تطوير روبوتات تشبه البشر. والسؤال المطروح هنا هو: لماذا نحتاج إلى ذلك، إذا كان كل ما نريده منها هو تخفيف أعباء حياتنا؟ إنه سؤال لا يخصّ المخترعين وحدهم، بل يطال الفلاسفة بالقدر نفسه.
ومع ذلك، يمكن تلمّس الجاذبية التجارية لهذه الفكرة. فمكنسة روبوتية، مثلًا، لا تستطيع صعود الدرج لتنظيف غرفة في الطابق العلوي. وذراع روبوتية تُحمّل الصناديق في مصنع لا يمكنها أن تُحضّر للمرء كوكتيلًا. كما أننا على الأرجح لن نشعر بالارتياح إذا وصلنا إلى موعد صبغ شعرنا، لنجد أن ملوّن الشعر يشبه عنكبوتًا مصنوعًا من قطع “ليغو” وأسلاك، حتى لو كان أداؤه احترافيًا من الدرجة الأولى.
بطبيعة الحال، تستطيع الروبوتات الشبيهة بالبشر اليوم القيام ببعض الأفعال الإنسانية. فهي قادرة على الرقص والجري، وعلى أداء دور مساعد منزلي. وبعضها يستطيع، إلى حدٍّ ما، تحميل غسالة الصحون. لكنها لا تزال، في الوقت الراهن، خرقاء.
كما أنها صعبة البرمجة والتعليم. فلنعُد إلى مثال موعد تصفيف الشعر: يتطلب هذا العمل قدرًا عاليًا من البراعة اليدوية لدى المصفّف. غير أن هذه البراعة يصعب تعليمها للآلات. وكما أورد الصحفي تيم فيرنهولز في تقرير حديث، فإن المهارة اللمسية تحديدًا تشكّل تحديًا كبيرًا. إذ كتب: “لا يمتلك البشر لغة لجمع وتخزين ونقل بيانات اللمس، على النحو الذي نمتلكه للغة أو الصور. فالقدرة الاستشعارية المذهلة لأصابعنا تجمع أنواعًا متعددة من المعلومات التي لا يمكننا بسهولة ترجمتها للآلات”.
سوق مزدحم
ومع ذلك، لم يمنع أيٌّ من هذه التحديات الصين من السعي إلى استخدام الروبوتات كرافعة للنمو الاقتصادي. فبحسب ما أفاد به زميلاي ميغان توبين وشين يون وو، “أنفق مستثمرون من القطاعين العام والخاص أكثر من 5 مليارات دولار هذا العام على شركات ناشئة تعمل في مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر” في الصين — “وهو المبلغ نفسه الذي أُنفِق خلال السنوات الخمس الماضية مجتمعة”.
وتتمتع هذه الشركات بميزات تنافسية مقارنة بنظيراتها في الغرب. فبدعم من الحكومة، تستطيع الاستفادة من القاعدة الصناعية الضخمة في الصين لتصنيع مكونات عالية الجودة، كما يمكنها إنتاج أعداد كبيرة من الروبوتات.
لكن هذه الروبوتات، وفق ميغان وشين يون، ليست على وشك إحداث ثورة في حياتنا اليومية.
فمن جهة، هناك عدد كبير جدًا من اللاعبين في السوق — إذ تتنافس أكثر من 150 شركة صينية على ريادة هذا القطاع. وقد حذّرت الحكومة الصينية الشهر الماضي من فقاعة محتملة في سوق الروبوتات، مشيرة إلى انتشار “منتجات شديدة التكرار”.
ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من أن هذه المنتجات قادرة على محاكاة بعض السلوكيات البشرية وأداء عدد محدود من المهام الأساسية، فإنها لا تقترب بعد من مستوى العامل البشري الماهر. فالروبوتات الشبيهة بالبشر لا تتعامل جيدًا مع المواقف غير المتوقعة.
وهذا ما يجعلها خطرة في الواقع. فقد قال عالِم الروبوتات الرائد، رودني بروكس، لفيرنهولز إنه لا يجرؤ على الاقتراب لمسافة أقل من متر تقريبًا من روبوت شبيه بالبشر. والحال أن المشكلة لا تكمن فقط في أنه لا يمكن التفاهم مع الروبوت (حتى الآن). لنفترض أن أحد هذه الروبوتات فقد توازنه — وهو أمر، بحسب بروكس، مسألة وقت لا أكثر. فالمعدّات القوية التي تجعل هذا الروبوت مفيدًا في المنزل أو المكتب أو المصنع قد تتحول فجأة إلى مصدر خطر مخيف: أذرع أو سيقان ميكانيكية تتخبّط بعنف… لترتطم ربما بجسد فرد يتواجد على مقربة منها.
ترجمة بتصرّف عن صحيفة “نيويورك تايمز”
بقلم: سام سيفتون

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
