مقاربة أميركية حذِرة تجاه لبنان

يمكن قراءة المقاربة الأميركية الحذِرة تجاه لبنان في قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية للسنة المالية المقبلة، والتي تنتهي في أيلول 2026. إذ يؤكّد القانون رغبة واشنطن في الحفاظ على دور مؤسسة الجيش اللبناني كلاعب أساسي في مواجهة «حزب الله»، لكنه لا يخصّص مبلغًا محدّدًا للمساعدات العسكرية المقبلة، ولا يُنشئ تمويلًا جديدًا لها.

القانون الجديد، الذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب قبل أيام، يرسل تحذيرًا واضحًا بتقليص الدعم العسكري والقتالي والتدريبي، ويذهب أبعد من ذلك ليقرع ناقوس الخطر من تداعيات خطيرة محتملة على دور الجيش، في حال فشله في تنفيذ الموجبات الدولية الملقاة عليه، وفي طليعتها تفكيك «حزب الله» كميليشيا مصنّفة إرهابية.

وعليه، فإن القانون، وفي تفاصيله، لا يمنح صلاحيات جديدة للتدريب أو التسليح، ويُفهم منه أن استمرارية الدعم ستكون مرهونة بإثبات تنفيذ ما هو مطلوب من رئيس الجمهورية جوزف عون وقائد الجيش رودولف هيكل.

اللافت في البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية، التي حصلنا على نسخة منها، هو غياب رقم محدّد للمساعدات العسكرية المقدَّمة إلى الجيش اللبناني. وعند سؤالنا مسؤولًا في البنتاغون عن سبب ذلك، أجاب بأن عدم الإشارة إلى دعم محدّد للجيش اللبناني ليس أمرًا عابرًا، بل غياب مقصود، لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا تقنيًا أو إداريًا فحسب، بل يعكس تحوّلًا سياسيًا مقصودًا في طريقة تعاطي واشنطن مع الملف اللبناني.

فالأرقام، في هذا السياق، ليست مجرّد معطيات مالية، بل أدوات رسالة، وحين تُحجب الأرقام، تكون الرسالة في حجم الحجب نفسه.

لا شيك أميركي على بياض للجيش اللبناني

تقليديًا، ومنذ إدارة الرئيس الراحل رونالد ريغان في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت الولايات المتحدة الإعلان عن حجم المساعدات العسكرية للبنان بالأرقام كوسيلة لإظهار الدعم السياسي والمؤسساتي للجيش اللبناني، بوصفه شريكًا رسميًا و«القوة الشرعية الوحيدة» المفترضة في البلاد للتصدي للجماعات الإرهابية.

أما اليوم، وبرأي خبير في الأمن القومي الأميركي، فإن الامتناع الواضح عن تحديد رقم للدعم يوحي بأن هذا الدعم بات مشروطًا أكثر من أي وقت مضى، وأن واشنطن لم تعد راغبة في تقديم شيك مفتوح على بياض، لا ماليًا ولا سياسيًا ولا حتى رمزيًا.

ويعكس هذا الموقف، بحسب المصدر نفسه، تردّدًا وإعادة تقييم شاملة لجدوى الاستثمار العسكري الأميركي في مؤسسة تعمل ضمن توازنات داخلية معقّدة، وتحت سقف سياسي لا تملكه بالكامل، بسبب ولاء عدد من القوى السياسية اللبنانية النافذة لنظام طهران.

الجيش اللبناني: من شريك في «الاستقرار» إلى أداة اختبار

في هذا الإطار، يكتسب الطلب من البنتاغون ووزارة الخارجية – وفق ما نصّ عليه قانون الموازنة – رفع تقارير دورية عن «مدى تقدّم الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله» دلالةً تتجاوز الطابع التقني لهذه التقارير.

فمجرد اعتماد هذا المعيار في المساءلة، ووضعه في صيغة تقييم دوري، يعني أن الولايات المتحدة أعادت تعريف وظيفة الجيش اللبناني: من شريك في «الاستقرار» إلى أداة اختبار في صراع سيادي داخلي. وهو تحوّل بالغ الحساسية، لأن مسألة نزع سلاح حزب الله ليست قرارًا عسكريًا بحتًا، بل قضية سياسية–إقليمية مركّبة، تمتحن، من الآن فصاعدًا، قدرات الجيش اللبناني وإرادته في حصر سلاح جميع الجماعات الإرهابية المسلحة، وفي مقدّمها «حزب الله»، وفي مهلة وجيزة جدًا.

تقرير من هذا النوع لا يُرفع من أجل التوثيق فقط، بل من أجل الربط بين الأداء والكلفة. ويرى المصدر أن المساعدات لم تعد تُقاس بالحاجة الدفاعية للجيش اللبناني، ولا بالحدّ الأدنى من الاستقرار في لبنان، بل بمدى استجابة الجيش لمتطلبات سياسية أميركية محدّدة.

وهذا ما يضع المؤسسة العسكرية في موقع إشكالي، إذ تُطالب بـ:

  1. إثبات تقدّم في ملف أمني ذي مخاطر إقليمية،
  2. وفي حال الفشل، تُحاسَب على أساسه.

التقارير التي سترفعها وزارتا الخارجية والدفاع إلى الكونغرس دوريًا تحمل رسالة مزدوجة إلى الداخل اللبناني والخارج الإقليمي.

داخليًا، تشكّل ضغطًا مباشرًا على الدولة اللبنانية، مفاده أن الدعم الدولي لم يعد مضمونًا ما لم يحدث «تغيير نوعي» في معادلة السلاح الداخلي. وإقليميًا، هي إشارة إلى أن واشنطن وحلفاءها، مثل إسرائيل ودول الخليج والاتحاد الأوروبي، مستعدّون لمواجهة مباشرة مع «حزب الله» في إطار صراع أوسع مع إيران، قد يندلع في أي وقت.

في المحصّلة، فإن غياب أي رقم محدّد لدعم الجيش اللبناني ليس فراغًا، بل موقف سياسي صارم. والتقارير الدورية ليست إجراءً روتينيًا، بل آلية ضغط. وبين غياب الدعم المالي والتقييم السياسي المشروط، يبدو أن الجيش اللبناني انتقل، في المقاربة الأميركية، من كونه جزءًا من الحل إلى كونه جزءًا من السؤال: إلى أي مدى يمكن الرهان عليه في معركة نزع سلاح وكلاء إيران في لبنان، وفي مقدّمهم «حزب الله»؟

وإذا فشل الجيش في الإيفاء بوعوده، وصارت عملية النزع تتجاوز قدراته، فإن دولًا أخرى في المنطقة قد ترغب في التدخل لنزع سلاح حزب الله، كما «حماس» – وهو ما قاله ترامب قبل أيام – ما يعني أن لبنان قد يعود إلى قلب مواجهة مع حليف أميركي هو إسرائيل، وقد منح البيت الأبيض ضوءًا أخضر لإنفاذ هذه المهمة.

وعليه، يبقى السؤال المركزي: أي مسار ستختاره الدولة اللبنانية؟

مقالات الكاتب

فادي شهوان

إعلامي لبناني ناشط في الصحافة التلفزيونية والإذاعية، يُعرف بأسلوبه الحادّ والنقدي الذي يناقش فيه القضايا السياسية والاجتماعية.