لم تُقتل اليسار لأن مبنى انهار. قُتلت لأن منظومة سياسية–إدارية قرّرت، منذ زمن، أن السلامة ليست أولوية، وأن بعض الانهيارات يمكن احتمالها، ما دامت تقع في المكان «المناسب»، وتُصيب الفئات «المعتادة» على الخسارة.
في طرابلس، المدينة التي راكمت الدولة فوقها طبقات من الإهمال، انهار مبنى على ساكنيه، فأنهى حياة الممرضة اليسار. وسرعان ما جرى تأطير الحدث بوصفه «حادثًا مؤسفًا»، في واحدة من أكثر الصيغ الإعلامية تواطؤًا مع السلطة: صيغة تُخرج السياسة من المشهد، وتحوّل الموت إلى قضاء وقدر.
غير أنّ علم الاجتماع السياسي يقدّم قراءة مغايرة: ما يبدو حادثًا عرضيًا هو في الواقع نتيجة مباشرة لعنف بنيوي طويل الأمد، عنف تمارسه الدولة لا عبر القمع المباشر، بل عبر الإهمال، وتفكيك الرقابة، وتعطيل شروط الحياة الآمنة.
الإهمال كخيار سياسي لا كفشل تقني
بحسب مفهوم «العنف البنيوي» الذي طوّره يوهان غالتونغ، تمارس الأنظمة السياسية العنف حين تُنتج ظروفًا تمنع الأفراد من العيش بأمان وكرامة، حتى في غياب فاعل مباشر. في هذا الإطار، لا يُعدّ انهيار المباني في لبنان خللًا تقنيًا أو نتيجة أخطاء فردية، بل مخرجًا متوقَّعًا لمنظومة حكم تُراكم المخاطر وتؤجّل معالجتها.
الدولة اللبنانية لم تكن غائبة عن المبنى المنهار، بل كانت حاضرة: في تشريعات عمرانية فضفاضة، وفي أجهزة رقابية معطَّلة أو مُسيَّسة، وفي بلديات بلا صلاحيات فعلية، وفي شبكة مصالح تسمح بتجاوز معايير السلامة مقابل النفوذ أو الحاجة.
هذا الشكل من الحضور الانتقائي، حيث تُمارس السلطة سلطتها حين يخدمها الأمر، وتنسحب حين يتعلّق بالحماية، يمثّل نموذجًا كلاسيكيًا لـ«الدولة التي تُدير الانهيار بدل أن تمنعه».
طرابلس: الجغرافيا غير المحميّة
لا يمكن قراءة مقتل اليسار بمعزل عن المدينة. فطرابلس ليست مجرّد مساحة مهمَّشة اقتصاديًا، بل فضاء تُمارَس عليه سياسات إهمال مزمنة جعلت من الخطر جزءًا من الحياة اليومية. في التحليل المكاني للسلطة، تتحوّل بعض المدن إلى مناطق «مسموح بانهيارها»، حيث لا تُطبَّق المعايير نفسها، ولا تُستثار الحساسية السياسية ذاتها.
الانهيار هنا ليس مفاجئًا، بل متوقَّعًا. المفاجئ فقط هو عدد الضحايا وتوقيت سقوطهم.
الممرضة والموقع الاجتماعي للهشاشة
لم تكن اليسار ضحية عشوائية. كانت ممرضة، أي عاملة في قطاع الرعاية الذي يقوم على حماية حياة الآخرين، فيما تُترك حياتها هي بلا حماية. وينتمي هذا القطاع، في لبنان، إلى أكثر المهن إنهاكًا وأقلّها ضمانًا، ولا سيما بعد الانهيار الاقتصادي.
من منظور «التقاطع الطبقي»، يتقاطع في الموقع الاجتماعي لليسار أكثر من عامل هشاشة:
- عمل رعائي منخفض الحماية،
- وضع اقتصادي ضاغط،
- سكن في مدينة مهمَّشة،
- انتماء إلى دولة عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الأمان.
هذا التقاطع لا يُنتج مأساة فردية، بل نمطًا متكرّرًا من الخسائر «غير المرئية».
من طرابلس إلى المرفأ: الانهيار كنمط متكرّر
ما حدث في طرابلس ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة:
- مرفأ بيروت، حيث قُدّم الانفجار ككارثة غير مسبوقة، قبل أن يتبيّن أنّه نتيجة تراكم إهمال وتحذيرات مُهمَلة.
- أبنية متصدّعة على امتداد الجغرافيا اللبنانية، تُوثَّق أخطارها من دون تدخّل فعلي.
القاسم المشترك بين هذه الوقائع ليس الصدفة، بل نمط إدارة يتعامل مع الخطر بوصفه كلفة مؤجَّلة، ومع الأرواح بوصفها أرقامًا قابلة للاستبدال.
سؤال المسؤولية: لماذا يُفرَّغ دائمًا؟
يتكرّر السؤال الإعلامي نفسه: من المسؤول؟
لكن هذا السؤال، على الرغم من ضرورته القانونية، يصبح سياسيًا مُضلِّلًا حين يُختزل بفرد أو مؤسسة. فالنظام اللبناني، كما تصفه أدبيات علم الاجتماع السياسي، هو نظام «مُنتِج لغياب المسؤولية»: تتوزّع الصلاحيات، تُعلَّق التحقيقات، وتُستنزف القضايا حتى تفقد زخمها.
هكذا، تتحوّل العدالة إلى وعد مؤجَّل، وتصبح المحاسبة جزءًا من الخطاب لا من الممارسة.
ما الذي تعنيه العدالة في هذه القضية؟
العدالة هنا لا تقتصر على تحديد متّهم، بل تبدأ من الاعتراف بأن ما جرى هو نتيجة سياسة، لا خطأ. سياسة عمرانية، واجتماعية، واقتصادية، جعلت من الانهيار احتمالًا مقبولًا.
من دون هذا الاعتراف، سيبقى مقتل اليسار حدثًا مأساويًا يكشف هشاشة السياسات الاجتماعية، وستبقى طرابلس مرشَّحة لانهيارات أخرى، وسيواصل النظام إنتاج الضحايا أنفسهم بأسماء مختلفة.
اليسار لم تُقتل تحت الركام فقط. قُتلت تحت ثقل نظام يعرف المخاطر جيدًا… ويختار تجاهلها.

مي خضر
باحثة في علم الاجتماع السياسي.
