التعليم في لبنان: البنية الصامتة لإعادة إنتاج الطائفية والفساد

في لبنان، لا يُعاد إنتاج النظام الطائفي والفساد السياسي فقط عبر القوانين أو التسويات السياسية، بل عبر مسار أكثر هدوءًا وفعالية: التعليم.

من مقاعد الدراسة، يتشكّل وعيٌ سياسي واجتماعي يقبل الخضوع بوصفه ضرورة، والفساد بوصفه آلية عمل، والطائفة بوصفها بديلًا عن الدولة.

لم يُبنَ النظام التعليمي اللبناني يومًا كمشروع وطني جامع، بل تطوّر ضمن منطق الانقسام والمحاصصة. والنتيجة منظومة تعليمية منقسمة عموديًا، تتوزّع بين مدارس خاصة وطائفية قوية الخطاب والتمويل، ومدارس رسمية متروكة للتآكل. هذا الانقسام ليس عرضيًا، بل يعكس توازنات السلطة نفسها.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تفسّر نظرية «إعادة الإنتاج الاجتماعي» لبيير بورديو دور المدرسة بوصفها أداة لإدامة البنية القائمة، عبر ما يسميه «العنف الرمزي».

في الحالة اللبنانية، تمارس المدارس التابعة للطوائف هذا الدور بوضوح؛ فهي لا تدرّس المعرفة فقط، بل تُنشئ هوية سياسية مبكرة قائمة على الولاء، والطاعة، والخوف من الخروج عن الجماعة.

ولا تقتصر أزمة التعليم على المؤسسات وسياساتها أو ضعف التمويل، بل تتجاوزها إلى جوهر المحتوى التربوي نفسه. فمناهج التاريخ الرسمية لا تزال تتعامل مع أحداث ما قبل الاستقلال بوصفها سرديات متنازعًا عليها، وعملية تحديث المناهج محكومة بصراعات سياسية وطائفية، ما يفضي إلى تأجيل دائم لأي مراجعة حقيقية، أو إلى اعتماد تعديلات شكلية لا تغيّر من جوهر الخطاب. وهكذا، يتحوّل التاريخ المدرسي إلى نصٍّ يُعاد تكراره، بدل أن يكون أداة لفهم الواقع والتشكيك فيه.

أما منهج التربية المدنية، فغالبًا ما يُستبدل أو يُسفَّه محتواه، إذ يُقدَّم في أحيان كثيرة على أنه مجموعة من المفاهيم العامة (الدولة، الحقوق، الواجبات)، من دون أن يُربط بالواقع المعاش. وفي بعض الحالات يُعطى طابعًا شكليًا، يُقلَّص فيه إلى واجبات متواضعة تُقرأ كقواعد سلوكية، لا كإطار لفهم الدولة ومفهوم المواطنة والمساءلة. وبدل أن يكون فضاءً لتدريب الطالب على النقد والمشاركة، يتحوّل إلى مادة تُكرّس القوالب، وتُكافَأ الطاعة فيها أكثر من القدرة على التحليل. وفي هذا المناخ، يتعلّم الطالب أن السؤال ليس مجرد تحدٍّ معرفي، بل خطر يهدّد الاستقرار، وأن المرجعية الطائفية الضيّقة أكثر أمانًا من الدولة بوصفها مشروعًا مشتركًا.

هذا النموذج ينسجم مع تحليل ميشيل فوكو لمجتمعات الانضباط، حيث تُنتَج الطاعة لا بالقمع المباشر، بل عبر تنظيم السلوك، ومراقبة الزمن، وربط النجاح بالانصياع. فالطالب الذي ينجح لأنه «مطيع» في المدرسة، يصبح لاحقًا مواطنًا يبحث عن زعيم يحميه، لا عن نظام يُحاسِب.

أما الفساد، فلا يُفرض كاستثناء، بل يُكتسَب كقاعدة.

يشرح إميل دوركايم أن انهيار المعايير يولّد «الأنومي»، أي فقدان الإحساس بحدود الصواب والخطأ. وفي بيئة تعليمية تُطبَّق فيها القوانين بانتقائية، وتُقدَّم العلاقات على الكفاءة، يتعلّم الفرد أن القاعدة قابلة للالتفاف، وأن الفساد ليس انحرافًا، بل أداة بقاء.

في المقابل، كان يُفترض بالمدارس الرسمية أن تشكّل المساحة البديلة، الحاضنة لهوية وطنية جامعة. إلا أن الإهمال المزمن، وتراجع التمويل، وانهيار أوضاع المعلمين، أدّت إلى تفريغ هذا الدور من مضمونه. فبحسب تقارير تربوية محلية، تعاني المدارس الرسمية من اكتظاظ مرتفع، ونقص في الكادر المؤهَّل، وتدنٍّ حاد في جودة التعليم، ما حوّلها في الوعي العام إلى خيار اضطراري، لا مشروعًا وطنيًا.

هذا التدهور لم يكن محايدًا سياسيًا؛ فإضعاف التعليم الرسمي ترافق مع تمدّد التعليم الخاص بشقّيه المؤسسي والطائفي، ما كرّس غياب البديل الجامع.

ومن منظور نقدي، يمكن قراءة ذلك كجزء من تفكيك دور الدولة لصالح شبكات الولاء. فالطالب الخارج من مدرسة رسمية منهكة، بلا أدوات نقدية ولا أفق اجتماعي، يجد نفسه لاحقًا مجبرًا على الاندماج في منظومة الزبائنية نفسها التي فشل التعليم في تحصينه ضدّها.

وفق تحليل أنطونيو غرامشي، تُبنى الهيمنة عبر القبول الثقافي لا القسر. وهنا، تؤدي المدارس الطائفية دورًا مركزيًا في إقناع الأفراد بأن الجماعة الصغيرة أقوى من الفردانية، وأن الدولة فاشلة، وأن الفساد شرٌّ لا بدّ منه لضمان الاستمرار. في هذا السياق، يصبح الخضوع عقلانيًا، لا قسريًا.

ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الاقتصادي–السياسي، حيث ترتبط مؤسسات تعليمية عديدة بشبكات نفوذ مالية وحزبية وطائفية، تُستخدم في بناء ولاءات طويلة الأمد عبر المنح، والتوظيف، والخدمات. فالتعليم هنا ليس حقًا عامًا، بل استثمارًا سياسيًا يُدرّ أرباحًا انتخابية واجتماعية.

بناءً عليه، فإن أي خطاب عن الإصلاح أو مكافحة الفساد في لبنان يبقى ناقصًا ما لم يواجه السؤال الجوهري: أي تعليم نريد؟

فالأزمة لا تبدأ في مجلس النواب، بل في الصف، ومنه إلى الحيّ، فالقرية، فالمحيط الاجتماعي الصغير؛ ولا تبدأ في صناديق الاقتراع، بل في الطريقة التي نُعلِّم بها الطاعة، ونُطَبِّع بها الخضوع.

التعليم ليس قطاعًا تقنيًا، بل هو أحد أخطر ساحات الصراع على الوعي. وحتى إشعار آخر، لا تزال هذه الساحة تُدار لمصلحة النظام القائم… بصمتٍ شديد، وفعالية عالية.

مقالات الكاتب

مي خضر

باحثة في علم الاجتماع السياسي.