تكاثرت في الآونة الأخيرة النقاشات حول الجدوى من المادة 108 أ.م.ج، بعد أن “أهملها” القضاء في قضيّتَي كلٍّ من حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، عندما رُفض إخلاء سبيله إلا بكفالة باهظة، وتكرّر الأمر في قضية هنيبال القذافي.
تنص المادة الثامنة من الدستور اللبناني على ما يلي: “الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن أن يُقبض على أحد أو يُحبس أو يُوقَف إلا وفاقًا لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون.”
ويعني ذلك أن الحرية الشخصية هي المبدأ، في حين أن التوقيف أو القبض أو الحبس هي حالات استثنائية لا يمكن أن تحصل إلا بمقتضى القانون.
وسنحصر بحثنا في موضوع التوقيف.
أ- في أسباب التوقيف
وضعت المادة 107 أ.م.ج شروطًا واضحة للتوقيف، نوجزها بالآتي:
- يجب أن يكون قرار التوقيف معلَّلًا، يبيّن فيه قاضي التحقيق الأسباب الواقعية والمادية التي اعتمدها لإصدار قراره.
- يجب أن يكون التوقيف الاحتياطي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات أو المعالم المادية للجريمة، أو للحيلولة دون ممارسة الإكراه على الشهود أو المجنى عليهم، أو لمنع المدعى عليه من إجراء أي اتصال بشركائه في الجريمة أو المتدخلين فيها أو المحرّضين عليها، أو أن يكون الغرض من التوقيف حماية المدعى عليه نفسه، أو وضع حدٍّ لمفعول الجريمة، أو اتقاء تجددها، أو منع المدعى عليه من الفرار، أو تجنيب النظام العام أيّ خلل ناجم عن الجريمة.
ومهما تكن الأسباب التي حملت على اتخاذ القرار بالتوقيف، فهذا يخرج عن موضوع بحثنا الحاضر.
لكن، إذا عدنا إلى هذه الأسباب مجتمعة، ولم يعد أيٌّ منها متوافرًا (علماً بأن لا فرق إذا كانت متوافرة أم لا حين صدور قرار التوقيف)، فعندها لا تبقى خشية من ضياع أدلة الإثبات، إذ تكون جميعها قد باتت قائمة في الملف. ومعالم الجرائم المدعى بها – بمعزل عن صحة ارتكابها أو عدمه – لا خشية من ضياعها، كما أن الشهود قد أدلوا بإفاداتهم، ولا وجود لمجنى عليهم (كما في قضية الحاكم السابق رياض سلامة) أو لا خشية من ممارسة الإكراه عليهم.
وعندما لا يوجد شركاء أو متدخلون أو محرّضون في الجرائم المنسوبة إلى الموقوف، أو حتى في حال وجودهم، فإن الاتصال بهم معدوم، ولا وسيلة للموقوف للتواصل معهم. أما حماية الموقوف نفسه من اعتداء الغير عليه، فمكانها بوضع حراسة أمنية مشدّدة عليه، لا بإبقائه موقوفًا. كما أن مفعول الجرائم المدعى بها قد يكون قد استُنفِد وانتهى، فلا خوف من تجددها واقعًا، ومنع الموقوف من الفرار يمكن تأمينه بقرار منع من السفر.
أما تجنيب النظام العام أي خلل ناجم عن الجريمة، فغالبًا ما يكون منتفيًا أصلًا. علمًا بأن بعض الحملات الإعلامية المغرضة، في حال وجودها، لا تمثل الرأي العام، بل يكون هدفها في الغالب تصفية حسابات سياسية أو شخصية سابقة. ومن غير الجائز إبقاء المدعى عليه موقوفًا إرضاءً لجهات سياسية أو طائفية معينة؛ فهذا ظلم بحد ذاته، يُسيء بصورة كبيرة إلى سمعة لبنان كدولة راعية لحقوق الناس، سواء كانوا مواطنين أم أجانب.
إن غياب أسباب إبقاء المدعى عليه موقوفًا هو ما يجب أن يدفع إلى إصدار قرار بتخلية سبيله بعد انقضاء اثني عشر شهرًا على توقيفه في الجناية، ما يوجب “تركه” بحق وبدون أي كفالة، وفقًا لصريح المادة 108 أ.م.ج.
وبعبارة أخرى، يُطرح السؤال الآتي: هل إن “الترك الحكمي” واجب بفعل انقضاء المدة المنصوص عنها في المادة 108 المذكورة؟
مع الإشارة إلى أن الأسباب المعدَّدة في المادة 107 أ.م.ج لا علاقة لها بأسباب “الترك الحكمي” الناتج عن انقضاء مهلة التوقيف الأصلية أو الممددة، المنصوص عنها في المادة 108 أ.م.ج، كما سنبيّنه أدناه.
ب ـ في وجوب ترك المدعى عليه من دون كفالة استنادًا إلى المادة 108 أ.م.ج
يبدو أن الاجتهاد شبه مجمع على ما يلي: “إنه لا يصح قانونًا رفض تطبيق أحكام المادة 108 أ.م.ج بذريعة الرغبة في حماية مصالح الجهة المدعية، لأن هذا التوجّه يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة المكرَّس في القانون اللبناني، علمًا بأن للمدعي أن يحافظ على الحقوق التي يطالب بها عبر اللجوء إلى الوسائل القانونية المتاحة له، ولا سيما طلب إلقاء الحجز الاحتياطي على أموال خصمه لضمان ما قد يُحكم له به من التزامات مدنية في حال صدور الحكم النهائي لصالحه”.
كما ورد في اجتهاد آخر أن: “المشترع اللبناني قد نظّم مسألة التوقيف الاحتياطي في المواد 107 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية، لجهة متى يجوز التوقيف (المادة 107، الفقرة 3)، والأسباب الموجبة له (المادة 107، الفقرة 4)، كما حدد في المادة 108 أ.م.ج، المعدلة بالقانون رقم 111/2010 تاريخ 26/6/2010، المدة القصوى للتوقيف الاحتياطي، حيث ورد ما يلي: “ما خلا المحكوم عليه سابقًا بعقوبة مدتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، ويمكن تمديدها مدة مماثلة كحدٍّ أقصى في حالة الضرورة القصوى.”
(تمييز جزائي، الغرفة السادسة، الرئيس جوزف سماحة، والمستشارتان رولا مسلم وفادي العريضي، قرار رقم 470/2018 تاريخ 27/12/2018، منشور إلكترونيًا في المرجع الآلي كساندر، برنامج “الموادي” تحت المادة 108 أ.م.ج).
كما جاء في قرار آخر لمحكمة التمييز الجزائية ما يلي: “بما أنه تبيّن من مضمون المواد آنفة الذكر، وتحديدًا المادة 108 أ.م.ج، أن انقضاء المدة القصوى للتوقيف الاحتياطي، وعدم وجود ما يمنع الموقوف من الاستفادة من تحديد هذه المدة، يوجب على المحكمة إخلاء سبيل المدعى عليه من دون قيد أو شرط، ما خلا المنع من السفر، وهو تدبير اختياري. وإن ربط تطبيق المادة 108 المذكورة أعلاه بدفع كفالة مالية ضامنة من شأنه تعطيل النص ونفي أي فائدة من تحديد مدة قصوى للتوقيف الاحتياطي، والخلط بين المادة 108 والمادة 114 أ.م.ج، بما يخالف إرادة المشترع، الذي لو شاء تقييد إخلاء السبيل بعد انصرام مدة التوقيف الاحتياطي القصوى، لنصّ على ذلك صراحة في المادة المذكورة.”
(تمييز جزائي، الغرفة السادسة، قرار رقم 258/2016 تاريخ 14/6/2016، الرئيس جوزف سماحة والمستشاران فرنسوا إلياس وليلى رعيدي، المرجع نفسه).
كما ورد في قرار آخر لمحكمة التمييز الجزائية: “إنه بمقتضى المادة 108 أ.م.ج، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، وفي الجناية ستة أشهر، وبالتالي يتوجّب على قاضي التحقيق، بانقضاء هاتين المهلتين، ترك المدعى عليه بحق، ما لم يرَ ضرورة لتمديد التوقيف مدة لا تتعدى أربعة أشهر في الجنحة وسنة في الجناية.”
(تمييز جزائي، الغرفة السادسة، قرار رقم 329/2004 تاريخ 23/12/2004، المرجع نفسه).
وجاء في قرار صادر عن الهيئة الاتهامية في بيروت بتاريخ 6/7/2023 (غير منشور) ما يلي: “حيث يتبيّن أن نص المادة 108 تضمّن ثلاث عبارات تنطوي على دلالات واضحة حول الحل الواجب اعتماده للمسألة المعروضة، وهي:
- الأولى، عبارة «لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف»؛
- الثانية، عبارة «يمكن تمديدها مدة مماثلة كحدٍّ أقصى في حالة الضرورة القصوى»؛
- والثالثة، عبارة «من تاريخ إخلاء سبيله أو تركه».
وحيث إن العبارة الأولى «لا يجوز» تفيد أن المشترع أراد بهذه الصيغة منع استمرار توقيف المدعى عليه – غير المحكوم سابقًا بعقوبة مدتها سنة على الأقل – مدة تتجاوز الحد الأقصى المحدد. وحتى في حال وجوب التمديد، فلا بدّ من وجود ضرورة قصوى، وهي العبارة الثانية التي تم ذكرها أعلاه، والتي تؤشّر بدورها إلى مدى تشدّد المشترع في تجاوز مدة التوقيف الأولى، إذ اشترط لذلك وجود ضرورة قصوى في الجنحة، وتعليل القرار في الجناية.
وفي هاتين العبارتين ما يؤكد أنه، بتجاوز مدة التوقيف الاحتياطي، لا يجوز – بمعنى يُمنع – إبقاء المدعى عليه موقوفًا، أي أنه لا يُسمح ربط هذا الأمر بشرط معيّن كالكفالة مثلًا، بدليل أن المشترع حدد التدبير الممكن اتخاذه عندها وهو منع السفر، من دون أن يورد أي إشارة إلى الكفالة المالية، سواء لحفظ حقوق الجهة المدعية أو لضمان الحضور أو النفقات.
وبالتالي، لو أراد المشترع إجازة ربط الأمر بالكفالة، لكان أورد ذلك صراحة، تمامًا كما نصّ على منع السفر، ولكان قال مثلًا: «لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف… ويجوز لقاضي التحقيق فرض ذلك لقاء كفالة مالية»، وهو ما لم يفعله.”
وحيث إن ما يؤكد صوابية الوجهة المعروضة هو ما ذكره المشترع في الفقرة الأخيرة من المادة 108، أي العبارة الثالثة المشار إليها أعلاه، وهي «تركه»، التي تدل على أن المشترع فرّق بين الترك وإخلاء السبيل. فعبارة الترك يجب فهمها بأنها ترعى حالة انقضاء المدة القصوى للتوقيف الاحتياطي، حيث يقرّر المرجع القضائي المختص ترك المدعى عليه الموقوف، لا إخلاء سبيله. وفي ذلك دليل على أن المشترع أراد التأكيد أنه بانقضاء تلك المدة، يُقرَّر الترك لا تخلية السبيل، باعتبار أن تخلية السبيل يمكن أن تُقرن بكفالة، وفقًا لما تورد المادة 114 أ.م.ج، في حين أن الترك يتم من دون اقترانه بأي تدبير آخر.
وحيث إنه، إضافةً إلى ما تقدّم، فمن الواضح أن الترك المقصود في المادة 108 يختلف عن الترك المشار إليه في المادة 111 أ.م.ج، التي تجيز الاستعاضة عن التوقيف، وبالتالي عن الترك، بالمراقبة القضائية وإلزام المدعى عليه بموجبات معيّنة، منها الكفالة.
وحيث إن التعليل المعروض أعلاه وتفسير المادة 108 على النحو المذكور ينسجمان مع الأسباب الموجبة للتعديل الذي طرأ على قانون أصول المحاكمات الجزائية، ومع غاية المشترع الكامنة وراء هذا التعديل، والمتمثلة في الحث على تسريع التحقيقات الجارية في الدعاوى عامةً، ودعاوى الموقوفين خاصةً، وصولًا إلى إصدار الأحكام بحقهم خلال مهلة محددة. وقد جرى تحديد مدة قصوى للتوقيف الاحتياطي لا يجوز تجاوزها.
ولا يُردّ على ذلك بالقول إن تقرير الكفالة – رغم توافر شروط المادة 108 – يبرَّر بحماية حقوق المدعي والحرص على عدم ضياعها، إذ إن الحرص على حقوق المدعي لا يكون بفرض موجبات على المدعى عليه لم ينص عليها القانون، من شأنها تعطيل غاية النص المشار إليها أعلاه، إنما يكون بتسريع مسار التحقيق والبت بالدعوى برمتها وصولًا إلى إصدار الحكم ضمن مدة التوقيف القصوى.
وحيث إنه بالعودة إلى الحالة الراهنة، يتبيّن أن ما هو منسوب إلى المدعى عليه المستأنِف هو إقدامه على ارتكاب جنح الاحتيال والتزوير واستعمال المزوّر، وهي الجرائم المعاقب عليها بموجب المواد 655 و471 و454/471 من قانون العقوبات. وقد أُوقف المدعى عليه بإشارة من النيابة العامة الاستئنافية في بيروت بتاريخ 18/2/2023، وما يزال موقوفًا حتى تاريخه، بعد صدور مذكرة توقيف وجاهية بحقه عن قاضي التحقيق. كما يتبيّن من مراجعة بيان سجله العدلي بتاريخ 6/7/2023 أنه لا يوجد أي حكم سابق صادر بحقه تزيد عقوبته عن السنة حبسًا.
وحيث تكون شروط المادة 108 متوافرة لناحية مبدأ وضع حد لتوقيف المدعى عليه، ما يستتبع تقرير تركه دون أي كفالة لتوافر شروط المادة 108 أ.م.ج، ودون أن يكون لهذه الهيئة أي سلطة تقديرية في هذا الصدد. وعليه، يُفسخ القرار المستأنَف لهذه الجهة، وترى الهيئة منع المدعى عليه من السفر لمدة شهرين، وردّ استئناف المدعي أساسًا. ويبدو أن القضاء اللبناني شديد الانسجام في ما خصّ تفسير المادة 108 أ.م.ج مع الفقه الفرنسي، حيث نقرأ في:
Encyclopédie Dalloz, Droit Criminel, I, p.727, nº37, Jean Marquiset:
«La mainlevée doit être prononcée purement et simplement, il n’est pas possible de l’accorder sous la condition qu’un cautionnement sera versé par l’inculpé.
L’inculpé doit seulement prendre l’engagement, purement moral d’ailleurs, de se représenter à tous les actes de la procédure et pour l’exécution du jugement, aussitôt qu’il en sera requis.»
أي:يكفي أن يتعهد المتهم تعهّدًا معنويًا بحضور جميع جلسات التحقيق والمحاكمة، لا أكثر ولا أقل.
في ضوء أحكام المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والاجتهاد اللبناني شبه المستقر المتّسق تمامًا مع الفقه الفرنسي، نخلص إلى ما يلي:
- إن المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تُشكّل استثناءً من أحكام المادة 8 من الدستور اللبناني التي تنص على عدم جواز التوقيف إلا وفقًا لأحكام القانون، وعلى قرينة البراءة.
- إن المادة 108 المذكورة، وكأي استثناء، يجب – وفقًا للقواعد التي تحكم تفسير النصوص القانونية – أن تُفسَّر تفسيرًا حصريًّا بالاتجاه الذي يُحدث أثرًا قانونيًّا، وبالتالي لا يصحّ إعدام النص عند تفسيره. فلا يجوز أن تتعدّى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، يمكن تمديدها لمدة مماثلة كحدٍّ أقصى في حالة الضرورة القصوى. كما لا يجوز أن تتعدّى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، قابلة للتجديد مرة واحدة بقرار معلَّل.
- إن نص المادة 108 واضح لا لبس فيه، ولا يجوز الاجتهاد عند وجود نصٍّ صريح وواضح.
- إن نص المادة 108 يتضمّن تحديدًا لمهلٍ واضحة لا يصحّ تمديدها إطلاقًا، فضلًا عن أن المشترع شدّد على الطبيعة الإلزامية للنص باستعماله أسلوب النهي في مستهلّه: «لا يجوز أن تتعدّى مدة التوقيف…»، ما يعني أنه لا مجال لإضافة شروط أخرى. فسلطة القاضي هنا ليست مطلقة بل مقيّدة (Compétence liée)، إذ بمجرد انقضاء مدة التوقيف يصبح القاضي أمام خيارين لا ثالث لهما:
- إما تمديدها شهرين في الجنحة «كحدٍّ أقصى في حالة الضرورة القصوى»،
- وإما تقرير ترك المدعى عليه حرًّا دون أي قيد أو شرط، بما في ذلك الكفالة، باستثناء شرط المنع من السفر المنصوص عليه في المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وفي الجناية، لا يجوز أن تتعدّى مدة التوقيف ستة أشهر. وبانقضاء هذه المدة، يكون القاضي أمام خيارين:
- إما ترك المدعى عليه دون أي قيد أو شرط (عدا المنع من السفر)،
- وإما تمديد التوقيف لمدة مماثلة لمرة واحدة بقرار معلَّل.
غير أنه بعد انقضاء مهل التمديد المقيّدة بضرورات «الضرورة القصوى» في الجنحة، و«التمديد لمرة واحدة بقرار معلَّل» في الجناية، يصبح القاضي مقيّدًا بالمهلة المنقضية، ولا يكون أمامه أي خيار سوى ترك المدعى عليه حرًّا طليقًا دون قيد أو شرط، سوى شرط المنع من السفر المنصوص عليه في المادة 108 ولمدة أقصاها سنة واحدة في الجناية. وفي هذه الحالة، تسقط الكفالة لمخالفتها صريح أحكام المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إن أسباب التوقيف المعدّدة صراحة في المادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية غايتها فقط تعليل قرار التوقيف. ولكن حتى ولو بقيت هذه الأسباب متوافرة بعد انقضاء المهل الأصلية أو الممدّدة المنصوص عليها في المادة 108، فإنها تفقد مفعولها القانوني، وتصبح شروط المادة 108 وحدها واجبة التطبيق.
وقد عدّدت المادة 108 هذه الشروط بوضوح، فنصّت على أنه في الجنحة لا يجوز التوقيف إذا لم يكن المحكوم عليه قد صدر بحقه حكم سابق بعقوبة لا تقلّ عن سنة حبسًا، وفي الجناية المنسوبة للمدعى عليه من نوع جنايات القتل أو المخدرات أو الاعتداء على أمن الدولة أو تلك التي تُشكّل خطرًا شاملاً وجرائم الإرهاب، وكذلك في حالة الموقوف المحكوم عليه سابقًا بعقوبة جنائية.
أي أنه إذا توافرت في الموقوف هذه الشروط، وانقضت المهلة الأصلية أو الممدّدة للتوقيف، لا يعود أمام القاضي أي خيار، إذ تكون سلطته مقيّدة (Compétence liée)، ولا يسعه إلا ترك الموقوف حرًّا طليقًا دون قيد أو شرط، سوى شرط المنع من السفر المنصوص عليه في المادة 108 ولمدة أقصاها سنة واحدة في الجناية من تاريخ إخلاء سبيله أو تركه. وتسقط الكفالة في هذه الحالة لمخالفتها صريح نص المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
ولا يصحّ إطلاقًا التذرّع لأي سبب من الأسباب الواردة في المادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لإبقاء المدعى عليه موقوفًا، لأن تلك الأسباب تقتصر على تعليل قرار التوقيف عند صدوره، وتستمر مفاعيلها فقط خلال فترة التوقيف القصوى الأصلية أو الممدّدة. أما بعد انقضاء تلك الفترة القصوى، فلا يجوز للقاضي تمديد التوقيف إلا: «في حالة الضرورة القصوى» في الجنحة، و«بقرار معلَّل ولمرة واحدة» في الجناية. أي، بعبارةٍ أوضح، يمكن للقاضي عند بحثه في مسألة تمديد مدة التوقيف أن يعود إلى الأسباب الواردة في المادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لتقرير الضرورة القصوى في حالة الجنحة، أو لتعليل قرار التمديد في حالة الجناية.
أما بعد انقضاء فترة التمديد، فلا يعود للقاضي أن يفعل شيئًا سوى أن يقرر ترك المدعى عليه حرًّا طليقًا، دون أي قيد أو شرط، باستثناء شرط المنع من السفر لمدة أقصاها اثنا عشر شهرًا من تاريخ إخلاء سبيله في الجنحة، أو من تاريخ تركه في الجناية. ويشمل ذلك إسقاط مفعول الكفالة التي تسقط حكمًا بانقضاء المهلة الممدّدة، ولا يبقى لها أي أثر قانوني.
ولا يصحّ التذرّع، في هذه المرحلة، بأيٍّ من الأسباب الواردة في المادة 107 – لا بالتعويض على المدعي، ولا بسلامة الموقوف، ولا باستقرار النظام العام، أو غير ذلك من الذرائع – لتعطيل ترك الموقوف بعد تمديد فترة توقيفه لمرة واحدة. فالمادة 108 لا تفرض إلا الشروط المحددة في متنها، وهي تُلزم القاضي بـترك الموقوف بعد انقضاء مهلة التوقيف الممدّدة.
وهذا ما تؤكده المادة 4 من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تُلزم القاضي بتفسير النصوص القانونية بالمعنى الذي يُحدث أثرًا قانونيًّا، ويكون منسجمًا مع الغاية التشريعية ومؤمّنًا للتناسق بين النصوص. وعليه، لا يجوز أن تُعطِّل الأسباب الواردة في المادة 107 أثرَ المادة 108 كما أسلفنا، بل يجب تفسير المادتين بتكاملٍ وتناسق: فالمادة 107 تُحدّد شروط التوقيف، بينما المادة 108 تُحدّد شروط ترك المدعى عليه بحقٍّ بعد انقضاء مهلة التوقيف الأصلية أو الممدّدة.
وعليه،
فبعد انقضاء فترة التمديد المنصوص عنها في المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن أي قرار يقضي بإبقاء المدعى عليه موقوفًا رغم توافر شروط “الترك” المنصوص عليها في المادة نفسها، بذريعة عدم دفع الكفالة، يُحوِّل التوقيف إلى اعتقالٍ تعسّفي. وذلك ما لا يرضاه الحقّ ولا القانون ولا الضمير. بل إن مثل هذا التطبيق يشكّل انحرافًا في تفسير النص وتعطيلًا لآثاره الإلزامية، الأمر الذي يُفرغه من مضمونه ويضرب غايته التشريعية الأساسية.
كفى العدالةَ في لبنان تأثّرًا بالحملات الإعلامية المغرضة،
وكفاها خضوعًا للمصالح السياسية والطائفية الضيّقة.
فالعدلُ أساسُ الملك، والحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه.
أما آن الأوان لأن تُرسى في لبنان دولة القانون بحقٍّ وعدلٍ؟

د. عبده جميل غصوب
دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.
