نبدأ من آخر التطورات في الملف اللبناني، وتحديدًا إعلان الرئيس الأميركي عن اتصال مباشر بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، والذي قد يكون بمشاركة ماركو روبيو.
ما نريد قوله: ليس المهم علمُ لبنان الرسمي بهذا الاتصال الذي ظهر فجأة، ولا سرعة نفي الرئاسة اللبنانية، على لسان متحدثها، علمها به، ولا ما أُشيع عن نصيحة بري بعدم إجراء اتصال كهذا، وهو موقف قيل إن وليد جنبلاط يشاركه فيه، ولا ما تلا ذلك من اتصال بين عون والجانب الأميركي، الذي رفض فيه الاتصال المباشر.
بل ما يعنينا هو أن هذا المسار أقرّ ضمنًا بالإجراء الأميركي غير اللائق بحق لبنان ورئاسته؛ الإجراء المتمثل بصورة تُظهر أن ترامب هو من يعطي أوامر التحرك، من دون أن يتسرّب، ولو ببضع كلمات، أي تعبير عن هذا الخلل في اللياقة من قبل الرئيس عون.
في قراءة حالة الاستدراج الأميركية هذه، وحذر لبنان المرتبك أحيانًا والمتسرّع أحيانًا أخرى، لا يبدو مفيدًا هذه المرة دسّ سمّ التوافق اللبناني – الإسرائيلي، الذي يوصف بـ”التاريخي”، في دسم وقف إطلاق النار الذي قُدّم قربانًا إلى لبنان الرسمي، بغية ضمان سيره في هذا المسار، بعد عرض هذه “الهدية” من قبل المؤسسة الرسمية على الشعب اللبناني المتعطّش، بشغف الحرمان، إلى إطفاء هذا الحريق، الذي يحمل في طياته ما يبدو أنه تخطّى قدرات لبنان الرسمي على السير الحذر فوق جدار عزل التحام الزيت بالنار.
لقد بدت سرعة انزلاق لبنان الرسمي، بعد دخوله فخ الحاجة إلى وقف إطلاق نار لا يحتمل الدراسة، نتيجة توسّع الهجمات الإسرائيلية التي أجبرت لبنان على البحث عن مخارج، لن نقول إنها تنازلات، وفقًا لما يراه جانب حزب الله ومن معه، مع أنها قد تتضمن ذلك، بل لأننا نرى أنه من غير المعقول أن تُدار دولة بأكثر من ثقل عسكري.
وفي سياق عدم القدرة على السيطرة على الوقائع، بما يدفع إلى السير مع التيارات، فإن فخًا قد نُصب للبنان، يبدو أن مفعوله بدأ بالظهور.
ارتدادات هذا التفخيخ بدت جلية حين صدر إعلان السفير الإسرائيلي في واشنطن، وبحضور السفيرة اللبنانية، بما يفيد بتشكيل جبهة موحّدة، وبرعاية وحماية أميركيتين لهذه الجبهة. هذا الاتحاد، في مواجهة لبنانيين، بغض النظر عن كونهم ميليشيا غير قانونية أو أتباع فئة مضادة لفكر بعض السلطة، لا ينفصل عن الاتصال الذي ظهر فجأة، بل يأتي ضمن سياق صياغة مشروع أميركي كان، حتى أمد قريب، غير مكترث بالشأن اللبناني، حين كانت حساباته تتجه إلى أن إيران، كنظام، انتهت، وسينتهي معها حزب الله حكمًا.
تغيّر حسابات حرب إيران، وسعي ترامب إلى إغلاق ملفها بسرعة تفوق سرعة خسارته، من دون أن يخسر إعلانه الأخير حول “النصر”، تطلّب تحرّكات كهذه، من شأنها تخفيف ضغط الصدام المباشر مع إيران وأذرعها، وتحويله إلى وكالات تقوم بالمهمة. لكن هذه المرة، يجب أن تكون الوكالات رسمية وليست شعبية، وهو ما يسوق خط سير هذا التخطيط، فيما لو لم تتوقف السلطات اللبنانية عن الانحناء بما يوازي هذه التعرجات، إلى توكيل المؤسسة الرسمية في لبنان مهمة معاداة أبناء شعبها، مع ما يُضاف إلى هذه المهمة من تنسيقات أمنية وعسكرية تفرضها الظروف، التي لن تترك سير الأحداث يحيد عن تصعيد محتوم.
فمن جهة، لن يكون وقف إطلاق النار أفضل من سابقه، بمعنى بقاء الاستهدافات الانتقائية. ومن جهة أخرى، لن تكون مهمة القضاء على حزب الله سهلة ولا مفيدة. فهل ينجح ترامب في تحقيق ما عجزت عنه حاملات الطائرات بالمكر؟
إن تفتيت حزب الله، إن تمّ فعلًا، لن يخدم أجندات ترامب في التضييق على إيران ودفعها إلى رفع راية الاستسلام، لا سيما مع إدراكه أن حصار المضيق لن يُجدي نفعًا، خصوصًا مع ارتفاع كلفته العسكرية والاقتصادية في مقابل انعدام العائد منه، بالتزامن مع اشتداد هجوم خصوم ترامب، وكان آخرها تصريحات زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر حول “الفشل الملحمي”.
وليس هذا فحسب؛ فإضافة إلى فكرة توالد التكتلات المقاتلة، إن تحقق السيناريو البعيد الصعب، وهو تفتيت حزب الله، والتي تحدثنا عن نتائجها قبل نحو عامين، وما لها من أثر في توسيع امتداد الشرخ بين كل مكونات الطوائف اللبنانية، وعدم حصر جبهته بالوضع الراهن الذي لعبت عليه قوى العبث بلبنان، أي الشيعي في مقابل البقية،
يُضاف إلى ذلك تحويل لبنان إلى ساحة امتياز للعب الأميركي، في خطوة تسحب، وفقًا لرؤية ترامب ومعه نتنياهو، نفوذ السعودية، التي أعلنت سابقًا أن حل الدولتين يشكّل أرضية وسابقة لأي تفاهمات مع إسرائيل.
وبعد اكتمال فكرة التنسيق الأمني، على فرض اكتمال السير الرسمي اللبناني في هذا المسار، سيواجه لبنان “الجمال والسحر والسلام” تحت سطوة “مجلس ترامب للسلام”، وهو في غنى عنها أصلًا. وربما كانت أولى مجسّات نبض هذه الآمال في فكرة “بيروت منزوعة السلاح”، التي أُعدّت لجذب وتحشيد جبهوي مع لبنان الرسمي ضد حزب الله.
نشير، في ما نريد قوله، إلى نصيحة كنا قد تقدمنا بها قبل أيام، معلنين أن حشد مجموع ائتلافي يغطي مساحة طوائف لبنان، مخصومًا منها جبهة الثنائي، حتى وإن مالت بعض مواقف بري إلى الجهة الرسمية، كل ذلك لن يفي بمهمة آمنة تخلو من المخاطر التي أشرنا إليها، ولا حتى يخفّض منسوبها المرتفع.
لا ينبغي لعلم رئاسات لبنان وتياراته وشعبوياته بمحاذير الاستمرار في تحمّل وخزات إقلاق حزب الله لمشهد السكون اللبناني أن تنساق، على غير هدى، إلى خناجر وخنادق لن تكون السلامة منها أمرًا هيّنًا، ليس لأنها الولايات المتحدة وإسرائيل، بل لأن مصير لبنان ينبغي أن يُصاغ بيد محترف لا مضطر.
لن تُحجب كوارث مسار كهذا ببساطة محاولات تأييدية، وإن كانت بواعثها وطنية، ربما منها مؤتمر نواب بيروت الأخير، ومحاولات مؤتمر اللقاء الوطني في معراب قبل أسابيع. مثل هذه الجهود تجد مكانها في العلاقات المجتمعية، لا الدولية.
لا بد من تغيير في البنية الدستورية والهيئة الحاكمة؛ إقصاء نفوذ الطوائف لصالح قانون مجرّد عنها هو المخرج الحصري، وفقًا لما نعتقد.
فكي يتغيّر ما هو عليه لبنان، يجب أن يتغيّر ما هو عليه لبنان.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
