في الوعي والتاريخ اللبناني، لم تولد فكرة المقاومة مع حزب الله، بل سبقته بوصفها خياراً وطنياً في مواجهة الاحتلال. فقد صدر قانون مقاطعة إسرائيل في عهد الرئيس كميل شمعون، بمبادرة من غسان تويني، في مرحلة دستورية سابقة من تاريخ لبنان. وقد حظي هذا القانون آنذاك بدعم إعلامي واسع، على خلاف النقاش القائم اليوم حول مستقبله.
غير أنّ تحوّل خيار المقاومة إلى حصرية شبه كاملة للسلاح والجبهة بيد طرف واحد، هو حزب الله، أفرز مع مرور الوقت آثاراً جانبية عميقة، تمثّلت في اختلال التوازن الداخلي، وارتباك القرار الوطني، واتساع الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الفعل العسكري.
اليوم، لم يعد ذلك نقاشاً نظرياً، بل واقعاً صارخاً: دولة تتحمّل كلفة الحروب… من دون أن تملك قرارها.
قرارات الحرب والسلم
دخل لبنان في محطات تصعيد كبرى بقرار منفرد، فيما حاول احتواء تداعياتها بقرار رسمي مختلف. هذا الانفصام بين قرار الحرب وقرار السلم أوجد تناقضاً خطيراً: جهة تفتح الجبهة… ودولة تدير كلفتها.
ومع محدودية الخيارات المتاحة، تتجه الدولة نحو التفاوض المباشر. ولو وُضعت استراتيجية دفاع وطنية جامعة في وقت مبكر، كما دعا الرئيس سليم الحص، الذي كان يؤكد أن الدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بالتوافق الوطني، لكان المسار مختلفاً.
ما لم يُنجز حين كان ممكناً، يدفع اللبنانيون ثمنه اليوم. وتتحمّل الطبقة السياسية التي حكمت بمنطق التوافق والمحاصصة مسؤولية هذا الإخفاق.
حصرية السلاح والسيادة
إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعاراً، بل شرطاً جوهرياً لقيام سيادة فعلية. غير أنّ مقاربة هذا الملف بمنطق الإلغاء أو العزل المذهبي تحوّله من قضية وطنية قابلة للحل إلى أزمة وجودية معقّدة.
في المقابل، ترى البيئة الحاضنة للمقاومة في هذا السلاح ضمانة وجودية، خصوصاً في ظل شعور متنامٍ بالتهديد. والأخطر أن المواطن في الجنوب، ومع انسحاب الجيش من خطوط المواجهة، شعر بأن ظهره مكشوف بالكامل. وهنا تبدأ أزمة الثقة… بين الدولة ومواطنيها.
الداخل هو الحاسم في مواجهة تدخلات الخارج
لبنان ليس استثناءً في علاقاته الخارجية؛ إذ ترتبط معظم قواه بمحاور إقليمية ودولية، ومن بينها إيران. المشكلة لا تكمن في وجود هذه العلاقات بحدّ ذاتها، بل في غياب إدارة وطنية رشيدة لها.
فغياب حوار لبناني–عربي جدي مع طهران، بالتوازي مع الانخراط الدولي في الملف اللبناني، حوّل هذه العلاقات إلى مصدر توتر دائم… وأداة ضغط مفتوحة.
الدرس في المنطقة واضح: لا تحالف دائم… بل مصالح دائمة. ومن يراهن على الخارج من دون جبهة داخلية متماسكة، يدفع الثمن مضاعفاً.
من فائض القوة إلى الحاجة إلى الدولة
يحمل فائض القوة في طيّاته بذور الغطرسة. وعندما يتقدّم على مؤسسات الدولة، يضعف القضاء، وتُشلّ الحياة السياسية، فتترنّح الدولة.
وعند أول اختبار—حرباً كان أم تفاوضاً—يكتشف الجميع أن الدولة القوية ليست خياراً… بل ضرورة.
والمفارقة أن من ساهم في إضعافها، يعود اليوم للبحث عنها.
الاقتصاد… الضحية الصامتة
لم يكن تراجع الاستثمار صدفة. فالأوضاع الأمنية والسياسية، إلى جانب الفساد الناتج عن المحاصصة، أدّت إلى هروب الرساميل وتقلّص فرص العمل. ومع تكرار الحروب، تحوّلت الكلفة من فاتورة طارئة إلى عبء دائم على مجتمع مُنهك.
ويبقى السؤال الأخطر: من موّل السلاح؟ ومن يتحمّل كلفة نتائجه؟
الجواب معروف… لكن لا أحد يريد أن يقوله.
التصحيح من داخل الدولة
إن انتقاد الأداء السياسي والعسكري لا يبرّر القفز إلى خيارات قصوى. فالتطبيع ليس حلاً سحرياً، كما أن الارتماء في الخارج لا يؤمّن الاستقرار.
وحدها الثوابت الوطنية تشكّل الضمانة، وهذه الثوابت لا تُدار بردّات الفعل.
المخرج الوحيد يتمثّل في تصحيح المسار من داخل الدولة: إعادة الاعتبار للمؤسسات، إدارة الخلاف ضمن الأطر الدستورية، وصياغة مقاربة وطنية متكاملة للسلاح والدفاع.
دون ذلك، لن يكون المسار سوى هرولة متعبة تقود إلى التهور السياسي والانتحار الجماعي.
البرلمان… نقطة البداية
يبقى البرلمان المكان الطبيعي للحل، حيث تبدأ استعادة القرار تحت قبّته. المطلوب إطلاق مسار جدي لوضع استراتيجية دفاع وطنية، بمشاركة جميع المكونات، بعيداً عن الضغوط الخارجية والإعلامية.
أي تأخير سيترك فراغاً خطيراً، يفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع، ويقلّص هامش القرار الوطني. وعندها، لن يعود السؤال: من يحكم؟ بل: من يملك القرار؟
فرصة ضيقة… لكنها لا تزال قائمة
يقف لبنان اليوم في الوقت بدل الضائع. إمّا أن يُكتب مصيره في الخارج، أو أن يعيد كتابة عقده الوطني بنفسه.
الرهان ليس على طرف في مواجهة آخر، بل على دولة قادرة تجمع ولا تُقصي، تنظّم ولا تُلغي.
هناك فقط يمكن أن يولد لبنان الذي ينتظره أبناؤه: دولة مؤسسات، ووحدة وطنية، وسلام لا يُشترى بالتنازل… ولا يُفرض بالقوة.
هنا تكون لحظة الاختبار الحقيقي. لأن الدولة التي لا تملك قرار الحرب… لا تستطيع أن تصنع السلام.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
