يُعَدّ موضوع الأصول الروسية المجمَّدة من القضايا الشائكة التي باتت تمثّل نقطة تحوّل في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. ففي الأسابيع الأخيرة، جرت محادثات بين عدد من القادة الكبار في الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع هذه الأموال المجمَّدة، الأمر الذي يفتح بابًا لفهمٍ جديد لمسار العلاقات الاقتصادية المستقبلية بين الجانبين.
شهد الأسبوع الماضي سلسلة من المواقف التي بدت متفرّقة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تندرج ضمن السياق السياسي ذاته. فقد اتفق المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على موقفٍ منسّق بشأن استخدام الأصول الروسية المجمَّدة. وقد جاءت هذه المحادثات بالتوازي مع مقابلةٍ للمستشارة السابقة أنجيلا ميركل، عبّرت فيها عن رأيها بأن غياب الوحدة بين دول الاتحاد الأوروبي كان السبب الرئيسي في اندلاع الصراع الروسي–الأوكراني. وبحسب ميركل، لو أن الاتحاد الأوروبي اتخذ موقفًا موحّدًا تجاه روسيا قبل سنوات، لكان من الممكن تجنّب هذا الصراع.
ميركل والمسؤولية عن العلاقات الروسية–الأوروبية
سعت ميركل، على مدى سنواتٍ طويلة، إلى تحسين العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، على الرغم من التباين السياسي الكبير بين النظامين. وقد اعتمدت سياستها على فكرة أن ربط روسيا اقتصاديًا بالاتحاد الأوروبي قد يُسهم في تفادي التصعيد العسكري.
ورغم الانتقادات التي وُجّهت إليها، خصوصًا من دول البلطيق وبولندا ولاتفيا وإستونيا، التي رأت في سياسة “التهدئة” مع روسيا خطأً تاريخيًا، فإن هذه السياسة نجحت في تأمين سنواتٍ من السلام والازدهار النسبي في أوروبا.
لقد أثبتت فترة حكم ميركل أنها من أبرز المراحل في تاريخ الاتحاد الأوروبي الحديث، إذ تمكّن الاتحاد خلالها من بناء علاقاتٍ اقتصادية مستدامة مع روسيا، ما ساعد في استقرار المنطقة رغم التحديات. غير أن السياسة الدولية لا تعرف الثبات؛ ومع استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية، بدأ القادة الأوروبيون في التفكير في ملامح مرحلة ما بعد الصراع.
يشكّل مصير الأصول الروسية المجمَّدة – التي تُقدَّر بأكثر من 200 مليار يورو وتشمل أموالًا محجوزة من البنك المركزي الروسي وأخرى تخصّ أفرادًا روس – محورَ جدلٍ كبير داخل الاتحاد الأوروبي. ومنذ مطلع عام 2022، بدأ الاتحاد مناقشة سبل استخدام هذه الأموال.
كان المقترح الأول يقضي بتحويل عائدات الأصول المجمَّدة إلى أوكرانيا، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول ما إذا كان ذلك يشكّل حلًا طويل الأمد أم مجرّد خطوة مؤقتة. أما الاقتراح الأكثر تداولًا فيدعو إلى تحويل هذه الأموال إلى قروضٍ تُستخدم لتسليح القوات الأوكرانية، على أن تُسترد لاحقًا من روسيا بعد انتهاء النزاع. ومع ذلك، يبقى هذا الطرح مثيرًا للتساؤلات، خصوصًا بشأن آليات التنفيذ وإمكانية رفض روسيا تسديد تلك المبالغ مستقبلًا.
التحديات الاقتصادية والسياسية
من أبرز التحديات التي تواجه بروكسل في تطبيق هذه الخطة مسألة تأمين الضمانات لتسديد القرض البالغ 200 مليار يورو. فمع ارتفاع الإنفاق الدفاعي والمساعدات المقدَّمة لأوكرانيا، سيكون من الصعب على العديد من دول الاتحاد تحمّل عبء الضمانات المالية بمفردها.
هذا الواقع دفع المستشار الألماني ميرتس إلى نشر مقالٍ في صحيفة فاينانشال تايمز، اقترح فيه أن يكون الاتحاد الأوروبي ككل هو الضامن للقرض، وهو ما يفتح الباب أمام مزيدٍ من الخلافات بين الدول الأعضاء.
من جهتها، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بديلًا آخر يتمثّل في تحديد عدد من الدول كضامنة للقرض، لتجنّب تحميل الاتحاد بأسره هذه المسؤولية. ومع ذلك، تبقى المسألة غير محسومة، والتفاصيل النهائية حول آليات التنفيذ قد تستغرق وقتًا طويلًا قبل أن تتّضح معالمها.
لطالما استند الموقف الأوروبي التقليدي تجاه روسيا إلى فكرة التعاون الاقتصادي وإقامة علاقات تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. فقد سعى الاتحاد الأوروبي، تحت قيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وجه الخصوص، إلى دمج روسيا في النظام الاقتصادي الأوروبي، انطلاقًا من قناعةٍ بأن هذا التعاون يشكّل ضمانةً للسلام والاستقرار في المنطقة.
كان الهدف يتمثل في بناء روابط اقتصادية متينة بين الجانبين، بما يُسهم في تهدئة التوترات السياسية وتجنّب التصعيد العسكري. وقد ارتكز هذا التوجّه على فرضيةٍ مفادها أن التعاون الاقتصادي يُنشئ بيئةً من الاعتماد المتبادل بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، ما يقلّل من احتمالات نشوب الصراعات. خلال تلك الفترة، كانت أوروبا تأمل في تحفيز روسيا على تبنّي سياسات أكثر انفتاحًا وديمقراطية من خلال العلاقات الاقتصادية، على الرغم من الاختلافات الجذرية بين النظامين السياسيين.
ورغم الانتقادات التي صدرت من بعض دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق، فقد رأت الغالبية العظمى من دول الاتحاد في روسيا شريكًا اقتصاديًا أساسيًا. بل إن بعض الحكومات الأوروبية اعتبرت أن أي تصعيدٍ ضد روسيا سيشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالح الاتحاد الاقتصادية.
ومع ذلك، كانت روسيا غالبًا ما تستغلّ فرص التعاون لصالحها، إذ لجأت مرارًا إلى تكتيكاتٍ تتناقض مع مبادئ أوروبا في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية. هذا التناقض بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية جعل تحقيق التوازن في العلاقة بين الطرفين أمرًا بالغ الصعوبة، ما أدّى إلى تعقيد الموقف الأوروبي تجاه روسيا مع مرور الوقت.
الاتحاد الأوروبي وروسيا: محاولة بناء علاقات اقتصادية في مواجهة الممارسات العدوانية
على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها أوروبا لبناء مسارٍ جديد مع روسيا يقوم على الثقة المتبادلة والمصالح الاقتصادية المشتركة، فإن موسكو سعت باستمرار إلى استغلال تلك الفرص والانقلاب على التفاهمات القائمة، ما أدّى إلى سلسلةٍ من الأزمات المتلاحقة. وخلال السنوات الأخيرة، شكّل التدخّل الروسي في أوكرانيا القشّة التي قصمت ظهر البعير، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقفٍ أكثر تشددًا ورفضًا للممارسات الروسية.
وعلى الرغم من أن العلاقات بين الجانبين شهدت فتراتٍ من التعاون المثمر، ولا سيما في المجال الاقتصادي، فإن روسيا لم تتردد في تجاوز العديد من الخطوط الحمراء، سواء من خلال دعم الأنظمة الاستبدادية في دول الجوار أو عبر تدخّلاتها العسكرية في مناطق مثل جورجيا عام 2008 وأوكرانيا عام 2014.
وقد أثارت هذه التصرفات شكوكًا عميقة لدى الأوروبيين، الذين بدأوا يشكّكون في نوايا روسيا الحقيقية تجاه أي مشروعٍ للتعاون طويل الأمد.
لقد كان الصراع الأوكراني الحدث الذي غيّر المشهد الدولي تمامًا. فعندما اجتاحت روسيا أوكرانيا في شباط/فبراير 2022، انكشف الوجه الحقيقي للممارسات الروسية في السياسة الدولية. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، شكّلت هذه الحرب إعلانًا عن نهاية مرحلة “التهدئة” التي سعى إليها عدد من القادة الأوروبيين، وفي مقدمتهم أنجيلا ميركل، التي كانت ترى في العلاقة مع روسيا وسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وقد دفعت الحرب في أوكرانيا أوروبا إلى إعادة تقييم سياستها تجاه موسكو، فباشرت فرض عقوباتٍ صارمة عليها، ما أدّى إلى توتراتٍ حادّة بين الجانبين.
لقد كانت أوروبا، التي طالما راهنت على بناء علاقات اقتصادية مستدامة مع روسيا على أساس التعاون المشترك، تجد نفسها اليوم في مواجهة تهديداتٍ وجودية مع تصاعد الأزمة. فروسيا، التي استفادت لسنواتٍ من العائدات الاقتصادية القادمة من الاتحاد الأوروبي، حاولت في الوقت ذاته استغلال تلك العلاقات لتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب جيرانها الأوروبيين.
لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرّد نزاعٍ إقليمي، بل محطةً فاصلة جعلت الاتحاد الأوروبي يدرك أن نهج التعاون غير المشروط مع روسيا كان خطأً استراتيجيًا، وأن التعامل مع موسكو كان ينبغي أن يكون أكثر حذرًا منذ البداية.
ومع تصاعد العقوبات الأوروبية على روسيا واشتداد الضغط الدولي، أصبحت العلاقات بين الطرفين أكثر برودةً وتعقيدًا. واليوم، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، يواجه الاتحاد الأوروبي تحدّيًا كبيرًا في كيفية إعادة بناء علاقاته مع روسيا في المستقبل، ولا سيّما في ظل تزايد الانقسامات داخل الاتحاد بشأن كيفية استخدام الأصول الروسية المجمَّدة لتحقيق أهدافٍ استراتيجية.
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي بات يقف أمام مفترق طرقٍ تاريخي في ما يتعلّق بطريقة التعامل مع هذه الأصول. فإذا كانت هذه الأموال تشكّل جسرًا محتملاً لإعادة وصل العلاقات الاقتصادية بين موسكو وبروكسل، فإن ذلك سيتطلّب تنسيقًا دقيقًا ومفاوضاتٍ طويلة قد تمتدّ لسنوات. وفي الوقت نفسه، ما زال الغموض يكتنف السبل الممكنة للتوصّل إلى حلٍّ يرضي جميع الأطراف، خصوصًا في ظل الانقسامات العميقة بين الدول الأعضاء.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في أن يتمكّن الاتحاد الأوروبي من صياغة سياسة موحّدة تضمن استقرارًا طويل الأمد في علاقاته مع روسيا، شريطة أن تُستخلص دروس الماضي وتُوظّف بحكمة في رسم السياسات المقبلة.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
