تُعَدّ اليمن ساحةً معقّدة للصراعات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل التحركات العسكرية مع المصالح الجيوسياسية لدول كبرى وصغرى. وفي هذا الإطار، تُطلّ الإمارات العربية المتحدة كلاعب أساسي في رسم ملامح المشهد السياسي والعسكري في المنطقة. وقد أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، عن شنّ عملية عسكرية جديدة في محافظة حضرموت، التي تشهد تصاعدًا في المواجهات بين الجماعات القبلية المتحالفة مع الحوثيين وتلك الموالية للإمارات. وتأتي هذه العملية في لحظة شديدة الحساسية، إذ يسعى المجلس الانتقالي إلى السيطرة على هذه المحافظة الغنية بالموارد الطبيعية وتعزيز موقعه العسكري والسياسي في سياق تغيّر وجهة الحرب فيها.
وفي الوقت الذي تعمل فيه الإمارات على توسيع نفوذها في حضرموت، تبدو روسيا—التي لطالما تمتعت بعلاقات سياسية استراتيجية مع بعض الأطراف في المنطقة—منتهجةً سياسة حذرة في اليمن. فرغم أن الصحافة الروسية، ومن بينها صحيفة «نيزاڤيسمايا غازيتا»، تنقل أخبارًا حول دعم موسكو غير المباشر لميليشيات الحوثيين في الشمال، إلا أنّ روسيا تؤكد عدم تحالفها رسميًا مع إيران في الساحة اليمنية. هذا التباين في المواقف يسلّط الضوء على تعقيدات السياسة الروسية في الشرق الأوسط، ولا سيما في ظل الأبعاد الاستراتيجية التي تحاول موسكو صياغتها في الإقليم.
الإعلام الروسي وترويج صراع النفوذ الخليجي
في هذا السياق، يروّج الإعلام الروسي وبشكل خاص صحيفة «نيزاڤيسمايا غازيتا» لخبر يتناول صراع النفوذ الخليجي على حضرموت، مبرزًا الخلافات والتوترات بين الإمارات والسعودية حول السيطرة الاقتصادية على هذه المحافظة. ويُظهر المقال كيف تتصاعد المنافسة بين البلدين في اليمن، إذ تتسابق كلّ من الإمارات والسعودية لفرض نفوذها على المناطق النفطية والاستراتيجية، وفي مقدّمها حضرموت.
وتنقل الصحيفة هذا الخبر ضمن سياق دعائي يهدف إلى إبراز التوترات بين القوى الخليجية، في لحظة تتقدّم فيها الخطوات الإماراتية لتوسيع حضورها في جنوب اليمن من خلال دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الساعي إلى ترسيخ سيطرته على المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها حضرموت.
ومع ذلك، يبرز التناقض في الخطاب الروسي من خلال الترويج لحدة التنافس الخليجي في وقت تواصل فيه موسكو دعم الحوثيين بصورة غير مباشرة، مستندةً في ذلك إلى علاقتها الاستراتيجية مع إيران التي تقدّم دعمًا عسكريًا وسياسيًا لهم. وبرغم هذا الدعم الضمني، تصرّ روسيا على أنها ليست في تحالف رسمي مع إيران داخل اليمن، ما يعكس سياسة مزدوجة وحذرة تتبعها موسكو، في الوقت الذي تعمل فيه على تكريس صورة صراع متصاعد بين دول الخليج التي تواجه خلافات متنامية في الساحة اليمنية.
حلفاء الإمارات: إعلان عملية “المستقبل الواعد”
فيما يتعلّق بالتحرّكات العسكرية على الأرض، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي بدء عملية عسكرية في حضرموت تحت اسم “المستقبل الواعد”. تأتي هذه العملية في ظلّ تصاعد النشاط الإرهابي في المحافظة، التي كانت لفترة طويلة تحت سيطرة تنظيم القاعدة، ولها تاريخ ممتدّ باعتبارها مركزًا لعمليات التهريب التي تستفيد منها جماعات الحوثيين وتنظيمات إرهابية أخرى. ومن خلال هذه العملية، يسعى المجلس الانتقالي إلى فرض الأمن في المناطق التي تشهد تزايدًا في العمليات العسكرية، مع تركيز خاص على السيطرة على حقول النفط الرئيسية في المنطقة.
تُعَدّ حضرموت، التي تمثل نحو ثلث مساحة اليمن، خزّان البلاد الأكبر للموارد، إذ تحتوي على ما يقارب 80% من احتياطاته النفطية. ورغم أنها تقع تحت إشراف الحكومة المركزية المدعومة من السعودية، فإن التوترات بين الجماعات القبلية والحكومة تتصاعد بشكل مستمر. وفي عام 2016، تمكنت الحكومة المعترف بها دوليًا من طرد تنظيم القاعدة من حضرموت، غير أن المحافظة ما تزال ميدانًا مفتوحًا للصراع بين قوى مختلفة، كلٌّ منها يسعى لترسيخ نفوذه فيها.
تحالف قبائل حضرموت: تحديات وتطلعات
وبينما يعمل المجلس الانتقالي الجنوبي على توسيع نفوذه في حضرموت، يواجه تحالف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش مقاومة شديدة. ويعتبر هذا التحالف نفسه قوة رئيسية مؤثرة في المحافظة، وقد سعى إلى تعزيز التمثيل السياسي لحضرموت على المستوى الوطني، مطالبًا بتوزيع عادل لعائدات النفط.
وفي حديثه لصحيفة “نيو لاينز” في مارس/آذار 2025، قال بن حبريش: “يُطالب سكان حضرموت بأن تكون حضرموت من بين القوى السياسية المشاركة في صنع القرار في البلاد”.
وتُظهر هذه التصريحات بوضوح أن تحالف قبائل حضرموت لا ينظر إلى نفسه كطرف محلي فحسب، بل كفاعل سياسي يستحق التمثيل على المستوى الوطني.
من جهة أخرى، يعرب المجلس الانتقالي الجنوبي عن قلقه من تحركات الجماعات القبلية التي يرى أنها تُهدّد الأمن في المحافظة. ففي أغسطس/آب 2024، أنشأ التحالف القبلي نقاط تفتيش عسكرية في بعض المناطق، وهدد بقطع إمدادات الوقود عن عدن، العاصمة المؤقتة التي تتمركز فيها الحكومة المعترف بها دوليًا. وتمثل هذه الخطوات تصعيدًا نوعيًا في المواجهات بين الجنوبيين والقبائل التي تحظى بدعم الحكومة المركزية.
السعودية: دور الموازِن الإقليمي
أما السعودية، التي تتمتع بتأثير كبير في اليمن، فتؤدي دورًا محوريًا في إدارة الصراع اليمني. وهي لا ترى نفسها مجرد لاعب إقليمي فحسب، بل طرفًا حاضرًا على خطّ التماس الاستراتيجي في صراع الأقطاب العالمي، خصوصًا في ظلّ تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. وتحاول المملكة، وسط هذه المعادلات الحساسة، تجنّب الانخراط في معسكرات حادة، محافظةً على هامش مناورة واسع بين القوى الدولية.
ورغم هذا التوازن الحرج، تواصل الرياض دعم مواقف موسكو في بعض المحافل الدولية، بالتوازي مع حفاظها على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. ويظهر هذا التوازن بوضوح في سياستها تجاه اليمن، حيث تدعم الحكومة الشرعية، مع بقاء مقاربتها منسجمة — إلى حدٍّ ما — مع توجهات روسيا في بعض الملفات الدولية، في محاولة لإدارة شبكة علاقات متشابكة دون الإضرار بمصالحها الإقليمية.
التوجهات العربية الجديدة: مصالح اقتصادية وتوازنات استراتيجية
رغم التصعيد العسكري في حضرموت والتنافس على النفوذ بين الإمارات والسعودية، تبقى المصالح الاقتصادية حجر الزاوية في أي سياسة إقليمية. ويحق لكل دولة أن تسعى إلى تحقيق استقرارها الاقتصادي عبر التوسع في مناطق جديدة تضمن لها الموارد والطاقة وتفتح أمامها آفاقًا للنمو. ومن هذا المنطلق، تُعد حضرموت والمناطق الغنية بالموارد الطبيعية في اليمن ساحة تنافس طبيعي بين الإمارات والسعودية، إلا أن هذا التنافس لا يرقى بالضرورة إلى صراع على السيطرة بقدر ما هو سعي لتحقيق مصالح اقتصادية مشروعة.
ومع التحولات التي تشهدها المنطقة، يبرز جيل جديد في الخليج العربي يسعى إلى بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة، بعيدًا عن العداء أو التقسيمات التقليدية. هذا الجيل يعزز مفهوم “السيادة أولاً”، حيث تضع الدول مصالح شعوبها في المقام الأول، مع التطلع إلى بناء علاقات استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة.
أما روسيا، فيبدو أنها تستفيد من التوترات الخليجية، إلا أن تحركاتها في اليمن تعكس توازنًا حذرًا بين القوى المتنافسة. فهي تحافظ على علاقات استراتيجية مع إيران، ما يمنحها مساحة للتأثير غير المباشر على الحوثيين، في الوقت الذي تسعى فيه الدول الخليجية إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية عبر تحالفات متجددة.
في المحصلة، يظل اليمن ساحة مفتوحة تتحرك فيها الأطراف وفق مصالح اقتصادية واضحة، لكن التنافس على النفوذ لا ينبغي أن يتحول إلى صراع مفتوح بين دول الخليج. بل يجب أن يُفهم بوصفه مسارًا لتحقيق توازن استراتيجي في منطقة تشهد تحولات كبيرة، في ظل تداخل المصالح العامة وازدياد التعاون بين القوى الإقليمية والدولية.
العلاقة الروسية مع الحوثيين وإبقاء السفارة في صنعاء
إلى جانب هذا الترويج الإعلامي، يُلحظ أن روسيا تحافظ على علاقات استراتيجية وثيقة مع إيران، وهو ما ينعكس بدوره على علاقتها بالحوثيين في اليمن. وعلى الرغم من الدعم الواسع الذي تقدمه روسيا للقوى المعارِضة للحوثيين في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، فإنها تظل متحفظة في اليمن ولا تزال تحتفظ بقنوات علاقة غير مباشرة مع الحوثيين.
ومن المثير للاهتمام أن روسيا لم تتخذ الخطوة التي أقدمت عليها العديد من الدول الغربية، إذ لم تنقل سفارتها إلى عدن، العاصمة المؤقتة الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية المدعومة من السعودية. بل اختارت الإبقاء على سفارتها في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ما يطرح تساؤلات حول موقفها من الصراع اليمني وعلاقتها بالحوثيين. وتُعد هذه الخطوة ذات دلالات رمزية بالغة، إذ تُبقي روسيا منخرطة بشكل غير مباشر في دعم الحوثيين، رغم تأكيد الحكومة الروسية أنها لا تسعى إلى إقامة تحالف عسكري رسمي معهم.
وفي السياق ذاته، تعكس هذه السياسة الروسية المتباينة واقع العلاقات المعقدة بين روسيا وإيران من جهة، وبين روسيا ودول الخليج من جهة أخرى. وعلى الرغم من الترويج الإعلامي الروسي لصورة تتضمن خلافات بين السعودية والإمارات حول النفوذ في اليمن، فإن روسيا ترى في الحوثيين أحد أطراف النزاع الذين يمكن التعامل معهم ضمن استراتيجيتها الكبرى في المنطقة. ويجسّد هذا الموقف توازنًا دقيقًا بين التزام روسيا بعلاقتها مع إيران ودورها كقوة مؤثرة في المعادلات الإقليمية. كما يبرز التناقض بين الخطاب الإعلامي الروسي الذي يروّج للانقسامات الخليجية والواقع الذي يشير إلى استمرار تورط روسيا في النزاع اليمني بشكل غير مباشر من خلال علاقتها بالحوثيين.
اليمن: ساحة مفتوحة للتنافس على النفوذ
يشهد اليمن حاليًا تحولات كبيرة في سياق الصراعين الإقليمي والدولي، حيث تتداخل القوى الكبرى والصغرى في ساحة معقدة من التحالفات والتنافسات. وفي هذا الإطار، تواصل الإمارات تعزيز نفوذها في اليمن، في حين تواجه تحديات من حلفاء محليين مثل تحالف قبائل حضرموت. ومن جهة أخرى، تبقى روسيا متحفظة في مواقفها الإقليمية، وتتجنب الدخول في تحالفات واضحة في اليمن، رغم وجود دعم غير مباشر تقدمه للحوثيين.
إلى جانب ذلك، تعمل روسيا عبر وسائل إعلامها على الترويج لخطاب يبرز التوترات الخليجية في اليمن، بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وتستمر تطورات الوضع اليمني، من صراع القوى الإقليمية إلى تداخل المصالح الدولية، في تشكيل خريطة معقدة للنفوذ، سيكون لها تأثيرات واسعة على مسار العلاقات الدولية مستقبلًا.
وتسعى روسيا إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران، التي تُعد لاعبًا رئيسيًا في دعم الحوثيين، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم تبنّي موقف رسمي مناوئ لدول الخليج. ويمنح هذا الموقف الحذر روسيا قدرة على الحفاظ على نفوذها في المنطقة من دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة مع الأطراف الإقليمية الكبرى. ورغم الترويج الإعلامي الروسي للانقسامات داخل المعسكر الخليجي، تبقى روسيا مستفيدة من علاقاتها مع إيران ومع حركة الحوثيين في الجنوب، التي قد تشكل عنصرًا مهمًا في تعزيز دورها في اليمن والمنطقة بشكل عام.
وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، يظل اليمن ساحة مفتوحة للتنافس على النفوذ؛ حيث تواصل الإمارات تعزيز حضورها في الجنوب، بينما تبقى السعودية القوة الإقليمية الأبرز في الشمال، في حين تحافظ روسيا على موقفها الغامض الذي يتيح لها التأثير في التحولات المستقبلية للمنطقة دون الدخول في تحالفات رسمية قد تمسّ مصالحها الاستراتيجية الأوسع.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
