«رمادية» في إيران و«إخفاق» في أوكرانيا: ترامب وبوتين عالِقان

لا يزال الوضع المرتبط بإيران عالقًا في منطقة رمادية بين حرب محدودة ووقف إطلاق نار مرتبك، غير واضح النطاق ولا مضمون المدة. ويبدو أنّ الرئيس دونالد ترامب عاجز عن الاختيار بين خيارين سيئين: إما توقيع اتفاق يصبّ في مصلحة إيران ويستجلب انتقادات من مختلف أطياف المشهد السياسي؛ وإما استئناف أعمال عدائية واسعة النطاق، بما ينطوي عليه ذلك من خطر تدمير جزء كبير من البنية التحتية للطاقة في إيران والمنطقة – وهو تطور قد يدفع العالم إلى كساد اقتصادي شامل.

إن تردّد ترامب، إلى جانب قناعة بعض الأطراف في إيران بأنّ الوقت يعمل لمصلحتهم، يزيدان من احتمالات استمرار الأمور في حالة انجراف لبعض الوقت. لكن، في مرحلة ما – وأرجّح أن تكون في حزيران – سيخلص أحد الطرفين أو كلاهما إلى أنّ كلفة الألم باتت أكبر من أن تُحتمل. عندها، قد نشهد اتفاقًا لوقف إطلاق النار يفتح مضيق هرمز مؤقتًا، ويضع سقفًا لم يُحدَّد بعد على البرنامج النووي الإيراني، من دون أن يلغيه. في المقابل، يمكن لإيران أن تتوقع مكاسب اقتصادية ذات صلة. في الأثناء، لا يبدو أنّ الهواجس الأساسية لإسرائيل – أي القوات التقليدية الإيرانية ودعم طهران لوكلائها الإقليميين – ستُعالَج بصورة ذات معنى. أما الأمر الوحيد الذي يبدو مؤكدًا، فهو أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ستكونان في وضع أسوأ نتيجة حرب بدأتاها، وأنّ إيران أكثر تشددًا ستحظى بنفوذ أكبر على مضيق حيوي للعالم بأسره.

وثمة نقطتان أخيرتان. أولًا، إنّ الذين يواصلون الدعوة إلى “إنهاء المهمة” لا يفعلون شيئًا سوى الإنكار. فالشعارات لا تُغني عن التفكير الجدي والاستراتيجية الواضحة. ثانيًا، إنّ إصرار الرئيس على أن تنضم دول المنطقة إلى اتفاقات أبراهام – وهو أمر يبدو أشبه بمحاولة يائسة لتغيير وجهة النقاش وتبرير حرب ما كان ينبغي أن تبدأ أصلًا – لن يفضي إلى نتيجة. ففكرة أنه (أي ترامب) سيرفض التوصل إلى اتفاق مع إيران إذا امتنعت السعودية عن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل هي محض هراء. كما أنّ السعودية لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في أي وقت قريب، في ضوء ما تقوم به الأخيرة في معرض تقويض ما تبقّى من فرص ضئيلة لإقامة دولة فلسطينية.

أما بالنسبة إلى الحرب الأخرى (بين روسيا وأوكرانيا)، فيبدو أنّ ميزان المعركة بدأ يميل لمصلحة أوكرانيا، وهو ما قد يفسّر تصاعد الهجمات الروسية على الأهداف المدنية في كييف. وهناك احتمال أيضًا أن يختار الرئيس فلاديمير بوتين توسيع نطاق الحرب ضد أوروبا، اعتقادًا منه بأنه يستطيع بأمان تغيير السردية بعيدًا عن إخفاقه في أوكرانيا، ومستفيدًا من وجود صديقه في البيت الأبيض. ففي الواقع، بوتين المحاصَر هو بوتين خطر.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.