أورد نيكولو مكيافيلي في كتابه “الأمير”: “يُطرح هنا سؤال: أيهما أفضل، أن يكون الحاكم محبوبًا أم مهابًا؟ يمكن الإجابة بأن الأفضل أن يجمع بين الأمرين، ولكن لما كان من الصعب الجمع بينهما في شخص واحد، فإن كون الإنسان مهابًا أكثر أمانًا من كونه محبوبًا، إذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد الأمرين”.
لقد تجلت هذه الديناميكية المعقدة بين الخوف والحب بصورة واضحة في أنقرة، تركيا، حيث اجتمع قادة الدول الاثنتين والثلاثين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب عدد من الشركاء الرئيسيين، في القمة السادسة والثلاثين للحلف.
بعد خروجه من الجلسة المغلقة التي جمعت قادة الدول، صرّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قائلاً: “كان هناك الكثير من الحب داخل تلك القاعة، والكثير من الوحدة”. في الحقيقة، كان معظم قادة الناتو يعيشون حالة من التوتر والقلق، خشية أن تشهد القمة مواجهة أو انفجارًا في الخلاف مع ترامب بسبب ترددهم في دعم الجهود الأميركية ضد إيران. ولم يكن التعبير عن “الحب” ضمن أكثر السيناريوهات ترجيحًا في توقعات المراقبين.
في بداية القمة، بدا أن الخوف هو الرهان الأكثر أمانًا. فقد انتقد ترامب مؤخرًا حلف الناتو، واصفًا إياه بأنه “نمر من ورق”، وقال إنه “لم يقف إلى جانبنا” خلال الحرب مع إيران. كما هدد، في أكثر من مناسبة، بسحب جميع القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا. والأكثر لفتًا للانتباه، أنه كرر، سواء خلال منتدى دافوس أو في قمة أنقرة، أن الولايات المتحدة ينبغي أن تفرض سيطرتها على غرينلاند (الإقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع للدنمارك، العضو في حلف الناتو).
لكن بدلًا من التركيز على الجوانب السلبية، فضّل ترامب إبراز الإيجابيات؛ فأغدق على قادة الحلف أوصافًا تشيد بذكائهم، وأمطر الأمين العام للناتو، مارك روته، بسيل من عبارات الإطراء، كما اعتبر أن القمة تمثل انتصارًا له بعدما نجح في انتزاع التزام أكبر بكثير من الدول الأعضاء بزيادة الإنفاق على الدفاع.
وعندما أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، فريدريش ميرتس، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى جانب قادة أوروبيين آخرين، في وقت سابق من هذا العام، عزمهم السعي إلى تحقيق “الاستقلالية الاستراتيجية” لأوروبا، كان من الممكن النظر إلى هذه الخطوة على أنها رسالة اعتراض موجهة إلى الرئيس الأميركي. غير أنها، من زوايا عديدة، جاءت منسجمة مع فكرة لطالما دافع ترامب عنها، وهي بناء أوروبا قوية، قادرة على الدفاع عن نفسها، وخوض القتال إذا اقتضى الأمر، من دون الاعتماد على الولايات المتحدة.
لطالما راود الحلفاء الأوروبيين حلم الاستقلالية الاستراتيجية، غير أنهم لم ينجزوا الاستثمارات اللازمة لتحقيقها. إلا أن هذه المرة قد تكون مختلفة. فمبادرة “إعادة تسليح أوروبا” التي أطلقتها المفوضية الأوروبية، والهادفة إلى تعبئة أكثر من 800 مليار يورو للإنفاق الدفاعي، إضافة إلى برنامج “SAFE” للقروض الدفاعية بقيمة 150 مليار يورو، يعكسان جدية غير مسبوقة في السعي إلى تحقيق توازن مع الولايات المتحدة، والتحوط في مواجهة أي تغيُّر في سياساتها.
وفي الوقت نفسه، وافق أعضاء الحلف العام الماضي على التزامات إنفاق جديدة تستهدف تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع، إضافة إلى 1.5% للبنية التحتية ذات الصلة، بحلول عام 2035. إلا أن وتيرة الإنفاق الحالية تتجاوز بكثير هذا الجدول الزمني الممتد لعشر سنوات. وبطبيعة الحال، فإن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين كان له أيضًا دور كبير في دفع هذا التحول.
يأتي هذا التوسع في الإنفاق الدفاعي داخل الناتو في إطار ما تسميه إدارة ترامب “الناتو 3.0″، وهي رؤية صاغتها وزارة الدفاع الأميركية، تقوم على أن تتحمل أوروبا المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي، بما يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على أولوياتها في مناطق أخرى، مع استمرارها في أداء دور المورد الرئيسي للأسلحة الأوروبية، والضامن للردع النووي داخل الحلف.
في هذا السياق، سحبت إدارة ترامب بالفعل خمسة آلاف جندي أميركي كانوا متمركزين في ألمانيا، وطرحت فكرة خفض مساهمة الولايات المتحدة في نموذج قوات الناتو بما يتراوح بين الثلث والنصف، كما أطلقت مراجعة تستمر ستة أشهر بشأن وجودها العسكري في أوروبا، والذي يبلغ نحو ثمانين ألف جندي، في وقت تشير فيه تقارير إلى أنها قد تعوض أي تقليص في القوات التقليدية عبر توسيع وجودها النووي في القارة.
قد يشكل هذا التحول تحديًا صعبًا بالنسبة إلى أوروبا، إلا أن الأمين العام للحلف، مارك روته، تعهد بـ”بعث الحياة” في هذا المفهوم. وفي الوقت نفسه، أعلن حلفاء الناتو عن مشتريات دفاعية جديدة تزيد قيمتها على 50 مليار دولار، من بينها صفقات أوروبية لشراء طائرات استطلاع مسيّرة من شركة نورثروب غرومان الأميركية. ثم أنه مع تنامي الضغوط التي يمارسها دافعو الضرائب الأوروبيون لإنفاق الميزانيات الدفاعية داخل أوروبا، فمن المرجح أن تتوسع عمليات الإنتاج المشترك لمنظومات الأسلحة الأميركية على الأراضي الأوروبية.
ومن نواحٍ عديدة، كانت أوكرانيا الرابح الأكبر في قمة أنقرة. فإلى جانب إعلان ترامب منح كييف تراخيص لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية، وهو امتياز لم يكن قد مُنح سابقًا سوى لليابان وألمانيا، كان لافتًا أن تتصدر أوكرانيا جدول أعمال القمة، متقدمة على ملفات غرينلاند، وفنزويلا، وإيران. كما تعهد حلفاء الناتو، باستثناء الولايات المتحدة، بتقديم 70 مليار يورو كمساعدات لها.
فوق هذا وذاك، يبدو أن أوكرانيا استعادت مكانتها لدى الرئيس الأميركي. فالمقارنة بين المواجهة التي شهدها المكتب البيضاوي في شباط/فبراير 2025، وبين أجواء الود التي سادت في أنقرة هذا الأسبوع، تكشف فارقًا هائلًا، بعدما لم يدخر ترامب أي كلمات ثناء بحق الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي. علمًا أن أوكرانيا، خلال العام الماضي، نجحت بصورة لافتة في تغيير الواقع الميداني، والأهم من ذلك، في تغيير الرواية السائدة. وترامب يعشق المنتصرين.
طبعًا، لا يزال الحلف بعيدًا عن تجاوز جميع التحديات، لكن قليلين كانوا سيتوقعون أن تظهر خلال اثني عشر شهرًا فقط – في الوقت الذي فرش فيه ترامب السجاد الأحمر لبوتين، واضطرت الدنمارك إلى نشر قواتها في مدينة نوك، عاصمة غرينلاند، ردًا على الطموحات الأميركية تجاه الجزيرة – إلى العلن مثل هذه المشاعر الإيجابية، بل وحتى الحب، بين الرئيس الأميركي وحلفائه عبر الأطلسي، باستثناء إسبانيا ربما.
وهنا تكمن مفارقة علاقة ترامب بحلف الناتو وتأثيره فيه. فقد يكون شخصية يصعب تحملها، لكنه قد يكون أيضًا الدواء الموصوف. لكن يبقى السؤال: هل ستتجاوز الآثار الجانبية، وفي مقدمتها تراجع الثقة بالولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الأساسي لأوروبا، المكاسب المادية التي قد تتحقق على المدى الطويل؟
عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، خرجت أصوات أوروبية معارضة، إلا أن بعض الدول الأوروبية سارت خلف واشنطن، وأرسلت قواتها إلى هناك، استنادًا إلى الدور التاريخي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في ضمان أمنها. ومن النتائج المحتملة لكل من مفهوم “الناتو 3.0” والاستقلالية الاستراتيجية، عدم تمكُّن الولايات المتحدة مستقبلًا من الاعتماد على الدعم الأوروبي في العمليات العسكرية التي تقع خارج المسرح الأوروبي. يكفي النظر هنا إلى الموقف من إيران ومضيق هرمز. فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أقل انشغالًا بأوروبا، لكن أكثر انخراطًا وتحملًا للأعباء في مناطق أخرى من العالم.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
