أثر الذكاء الاصطناعي علينا؟… فلنسأل القرود!

عن الصحافة الغربية

لماذا نجح التحذير الأخير من نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي في اختراق الوعي العام، فيما أخفقت تحذيرات كثيرة أخرى؟

قبل نحو أسبوع، أعلن باحث شاب في شركة “أنثروبيك” استقالته من عملاق الذكاء الاصطناعي، عبر منشور على منصة “إكس”، ما أثار صدمة في وادي السيليكون وواشنطن، وحتى في بكين. وكتب جاكوب كوكسون: “إن الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بصدق بأنه قد يقضي علينا جميعًا بحلول نهاية العقد”.

ليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها مطّلعون على صناعة الذكاء الاصطناعي تحذيرات قاتمة. فكل بضعة أشهر، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، يستقيل باحث في الذكاء الاصطناعي في لحظة أزمة، معلنًا اقتراب نهاية العالم. غير أن إعلان كوكسون جاء في لحظة التقاء سياسي استثنائية، وفي مناخ عام مشحون بالخوف والغضب.

إن جهر أحدهم باتهام زملاء له في وادي السيليكون بالإخفاق في ضمان سلامة الذكاء الاصطناعي ممارسة قديمة قِدَم الشركات نفسها. لا بل بنى باحثون بارزون في المجال مسيرات مهنية ثانية انطلاقًا من التنبؤ بالهلاك. فقد قال جيفري هينتون، الحائز جائزة نوبل والمعروف بلقب “الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”، منذ عام 2023، إن هذه التكنولوجيا قد تتسبب بانقراض البشرية في غضون ثلاثة عقود. ومنذ ذلك الحين، قلّص الإطار الزمني الذي حدّده لهذا الاحتمال. كما استقال من “غوغل” لأسباب مشابهة لتلك التي دفعت كوكسون إلى الاستقالة.

لقد أثارت استقالة هينتون استجابة ملحوظة من جانب المشرّعين. ففي الولايات المتحدة، أصدر جو بايدن أمرًا تنفيذيًا يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بإجراء اختبارات للسلامة. واستدعى الكونغرس الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي إلى جلسات مساءلة حادة، إلا أن ذلك لم يؤدّ إلى تحرك تشريعي يُذكر. أما في الاتحاد الأوروبي، فقد أُقرّ قانون الاتحاد للذكاء الاصطناعي، مدفوعًا جزئيًا برد الفعل القوي على تحذيرات هينتون.

ومع ذلك، ها نحن نعود إلى النقطة نفسها، مثقلين بالشعور بأن تنظيمًا فعليًا ذا أثر يُذكر لا يزال غائبًا عن مواجهة الأضرار التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي. فلماذا يتغلغل إعلان كوكسون بشأن نهاية العالم، هذه المرة، بصورة أعمق؟

أولًا، ثمة أهمية لهوية صاحب الرسالة. فدعوة كوكسون إلى تعزيز تدابير السلامة تتمتع بالمصداقية استنادًا إلى معايير عدة: إذ هو امتلك بحكم عمله إمكانية الاطلاع من الداخل على كل من “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، حيث عمل مدة خمس سنوات. كما استقال قبل أن يصبح مستحقًا للحصول على حصة من أسهم الأولى، ما يُظهر الكلفة الشخصية التي تحمّلها مقابل المجاهرة بموقفه. إضافة إلى ذلك، أيّد زملاؤه، الذين لا يزالون يتقاضون رواتبهم من «أنثروبيك»، قوله إن عددًا كبيرًا من الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي يعتقدون بوجود احتمال لأن يتسبب الذكاء الاصطناعي بانقراض البشرية؛ إذ قدّر أحد هؤلاء احتمال حدوث ذلك بأكثر من 10 في المئة.

وقد جعلت حوادث وقعت أخيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي الادعاءات المتعلقة بنهاية العالم أكثر قابلية للتصديق. ففي وقت سابق من هذا العام، خرج سرب من وكلاء المجال المذكور، تديره شركة “أوبن إيه آي”، عن السيطرة، واخترق أنظمة الاحتواء، وشنّ عمليات قرصنة استهدفت مواقع ومؤسسات عدة، وذلك خلال اختبارات للسلامة، بتنسيق أثار الذهول. وقبل أيام، كشفت «أنثروبيك» بالتفصيل كيف حاول مجرمون وعلماء مارقون استخدام نموذج «كلود» في تصنيع أسلحة بيولوجية.

بحسب ماكس تيغمارك، الشريك المؤسس لـ”معهد مستقبل الحياة”، الذي تلقى تمويلًا بمئات ملايين الدولارات من مؤسس عملة “إيثريوم” المشفّرة: “السبب الذي يجعل هذه المرة مختلفة هو أن الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة لم يعد أمرًا ينتمي إلى المستقبل، بل بات جزءًا من الماضي. لقد رأى الناس أدلة على حدوثه بالفعل”.

وأضاف تيغمارك: “لو حاولت إثارة قلق الناس بشأن الشتاء النووي عام 1942، لما حالفك الحظ. كان الناس سيتساءلون عما إذا كان صنع سلاح نووي ممكنًا أصلًا”. وتابع: “كان الأمر واضحًا بالنسبة إلى علماء الفيزياء في ذلك الوقت، لكنك لم تكن لتتمكن من إثارة ذعر عامة الناس. كان كل شيء نظريًا. ومع الذكاء الاصطناعي، ظل كل شيء نظريًا إلى أن حدث ذلك. أما الآن، فقد انتهى الجدل حول ما إذا كان فقدان السيطرة أمرًا ممكنًا”.

ثم يأتي السياق العام. فالمزاج الشعبي تجاه التكنولوجيا في الولايات المتحدة بات شديد القابلية للاشتعال، فيما تؤدي المزاعم المتعلقة بالهلاك الوشيك دور الشرارة. فالبلاد تعيش في خضم رد فعل مضاد متعدد الأوجه ضد التكنولوجيا. ويشعر الأشخاص المقيمون خارج المراكز التكنولوجية الكبرى بأن مراكز البيانات تُفرض عليهم ماديًا في مناطقهم، وبأن الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه عليهم معنويًا من خلال استيلائه على أماكن العمل.

وفي المشهد الذي يخيّم على البلاد، يقف مليارديرات التكنولوجيا، المتحكمون بثروات هائلة وبقنوات الاتصال العالمية، مستخدمين نفوذهم في السياسة الأميركية من خلال مساهمات انتخابية لا يمكن مضاهاتها.

وفق أمبا كاك، المديرة التنفيذية المشاركة لـ”معهد الذكاء الاصطناعي الآن”، والمستشارة البارزة السابقة في مجال الذكاء الاصطناعي لدى لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية: “لقد مضى أكثر من عام، على الأقل، من التصاعد المطّرد للاعتراضات على مراكز البيانات، وهو ما جعل تأييد تنظيم الذكاء الاصطناعي يمثل المنطق العام الجديد، كما جعل تأييد صناعة الذكاء الاصطناعي علامة شديدة السمية بلا شك”.

وأردفت كاك: “لقد أتاح ذلك لشركات مثل “أنثروبيك” وغيرها أن تقدم نفسها فورًا بوصفها الجهات الأساسية صاحبة الخبرة في كيفية التعامل مع هذه المخاوف، وكيفية حل مشكلات تسببت بها، بحسب جميع الروايات، أو تُعدّ هي الأقدر على منع وقوعها”.

في المحصلة، ثمة فكرتان. الأولى أن أزمة الثقة بالذكاء الاصطناعي أصبحت واسعة إلى حد دفع أطراف غير متوقعة إلى التحالف في مواجهتها. إذ نظم “معهد مستقبل الحياة”، قبل أيام، تجمعًا في واشنطن للترويج لسلامة الذكاء الاصطناعي، تصدره بيرني ساندرز، السيناتور التقدمي عن ولاية فيرمونت، وستيف بانون، كبير موظفي البيت الأبيض السابق في عهد دونالد ترامب؛ وهما شخصيتان كانتا على طرفَي نقيض في قضايا أخرى.

أما الفكرة الثانية، فهي: لماذا تعج صناعة الذكاء الاصطناعي بالرجال الذين يعيشون أزمة بسبب الإمكانات الانقراضية لأعمالهم، في حين أن الرجال وحدهم في هذا المجال هم الذين عبّروا عن هذه المخاوف المتعلقة بانقراض البشرية؟

يقول شكيل هاشم، كاتب نشرة “ترانسفورمر” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي: “هؤلاء الأشخاص يؤمنون بالتأكيد بما يقولونه. وهذا ليس رأيًا هامشيًا”. ويضيف: “أفضل طريقة شُرح بها الأمر لي هي أننا نحاول بناء شيء يفوقنا ذكاءً، بالطريقة نفسها التي نتفوق بها نحن على القرود. طبعًا، لم يكن وجودنا أمرًا جيدًا بالنسبة إلى القرود؛ لذلك، من المرجح ألا يكون وجود الذكاء الاصطناعي العام، والحال كذلك، أمرًا جيدًا بالنسبة إلينا أيضًا”.

 

ترجمة بتصرف عن موقع صحيفة “الغارديان”
بقلم / بلايك مونتغمري

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.