من وصول «الخميني»… إلى سقوط دمشق

تحليل – خاص «بيروت 2030»

أعاد سقوط دمشق من يد الحليف الإيراني رسم الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط بشكل جذري، واضعاً طهران أمام واقع جيوسياسي معقّد لم تشهده منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فالدولة التي استثمرت لعقود في بناء نفوذ إقليمي ممتد من العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان، مروراً باليمن، واعتبرت الجغرافيا السورية بمثابة “جسر العبور الجيوسياسي” والعمود الفقري لمنظومة الدفاع المتقدّم، وجدت نفسها فجأة أمام انقطاع تاريخي في شريان إمدادها البري ونقطة ارتكازها الاستراتيجية، ما دفع بعقيدة الردع الإيرانية بأكملها إلى مرحلة حرجة من الاختبار غير المسبوق.

ولم تكن خسارة سوريا سوى النتيجة المنطقية لمسار استنزاف طويل رافق المشروع الإيراني منذ اندلاع الحرب عام 2011. فالساحة التي أرادتها طهران منصة لتكريس نفوذها الإقليمي تحوّلت تدريجياً إلى نقطة استنزاف مزمنة، بعدما أصبحت مسرحاً مكشوفاً لعمليات أمنية وعسكرية دقيقة استهدفت قادتها وشبكاتها اللوجستية وبنيتها العملياتية بصورة شبه مستمرة. ومع مرور الوقت، تآكلت المكاسب التي سعت إيران إلى تحقيقها، فيما تراكمت الأكلاف المالية والعسكرية والسياسية، لتتحوّل سوريا من ركيزة للتمدّد الاستراتيجي إلى عبء ثقيل استنزف الموارد وأضعف القدرة على المناورة. وعند هذه النقطة، لم يعد السؤال داخل إيران يتعلق بكيفية الحفاظ على النفوذ فحسب، بل بجدوى الثمن الذي دُفع في سبيله أساساً.

وفي مقابل هذا الانهيار السريع للمشهد الاستراتيجي الإيراني في دمشق، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في قدرة حزب الله على الصمود البنيوي والميداني في معاقله اللبنانية، رغم تعرضه لضربات قاسية واستهدافات طالت قياداته التاريخية. وتعود هذه المفارقة الاستراتيجية إلى عوامل جوهرية تفسّر تباين المصائر:

  • أولاً، يختلف حزب الله في بنيته عن الوجود الإيراني في سوريا، الذي كان يعتمد بالدرجة الأولى على نظام سياسي مركزي متآكل ومرفوض شعبياً من شرائح واسعة، بينما يمتلك الحزب في لبنان تجذراً ديموغرافياً واجتماعياً وعقائدياً عميقاً داخل بيئته الحاضنة، مما يجعله مكوّناً أصيلاً ومحلياً يصعب اقتلاعه أو عزله بضربة عسكرية خارجية.
  • ثانياً، تتجلى المفارقة في طبيعة العقيدة العسكرية. فبينما اعتمد الدفاع عن دمشق على هيكلية عسكرية شبه نظامية مكشوفة جغرافياً، وخطوط إمداد ممتدة يسهل رصدها وتدميرها، بُني حزب الله على استراتيجية “اللامركزية العسكرية” أو “الهيكلية العنقودية”، حيث صُمّمت خلاياه الميدانية لتعمل وتدير عملياتها الدفاعية بشكل “فسيفسائي” مستقل تماماً عن القيادة المركزية، مما منحه مرونة عالية في البقاء والاستمرار في القتال داخل بيئته الجغرافية المتشابكة في جنوب لبنان والبقاع، حتى في غياب التوجيه المركزي.
  • ثالثاً، يلعب النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية دور شبكة أمان، إذ تحوّل الحزب عبر العقود الماضية من حركة مقاومة إلى شريك مضارب ومحوري في مفاصل الدولة والبرلمان والاقتصاد، مما جعل مسألة إنهائه الكامل مغامرة قد تؤدي إلى انهيار الهيكل اللبناني ككل، وهو أمر تخشاه أطراف محلية ودولية عدة، بخلاف المشهد السوري الذي كان فيه إسقاط النظام هو الهدف والوسيلة لإعادة صياغة المنطقة.

ومع خسارة طهران الحلقة السورية وتأثر خطوط إمدادها البرية التقليدية، ينفتح الشرق الأوسط على بيئة استراتيجية جديدة كلياً، تفرض على إيران الانكفاء نحو استراتيجية “الجزر المعزولة”، والاعتماد المتزايد على أدوات “الردع الصلب عن بُعد”، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، والقدرة على تهديد الممرات البحرية الحيوية عبر حلفائها في نقاط خنق الملاحة الدولية.

إن هذا التحوّل يعيد رسم حدود النفوذ الإيراني، ويضعه أمام استحقاق العودة القسرية إلى المربع الأول، أي إلى اللحظة التي هبط فيها “الخميني” من طائرته الفرنسية عام 1979، حاملاً مشروعاً تمدّد إقليمياً حتى وصل إلى ذروته في دمشق، قبل أن تجبره التحوّلات الاستراتيجية الراهنة على الانكماش والبحث عن صيغ جديدة للدفاع عن حدوده ومكتسباته التاريخية، في بيئة إقليمية باتت أكثر جرأة ومواجهة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.