على الرغم من الفوارق بين حربي روسيا وأوكرانيا، والولايات المتحدة/إسرائيل وإيران، يلفتني تشابهٌ واحد، هو أن كِلتا الحربين بدأتا بوصفهما «حروب اختيار» بادر إليها كلٌّ من روسيا (فلاديمير بوتين) والولايات المتحدة (دونالد ترامب)، على أساس توقعٍ بأنها ستنتهي سريعًا وبشكل حاسم—غير أنّ كِلا الزعيمين يواجه الآن خيارًا صعبًا حول ما ينبغي فعله بعد أن ثبت خطأ تلك الافتراضات.
بالنسبة إلى بوتين، سيعني ذلك على الأرجح تأجيل حلمه بالقضاء على أوكرانيا المستقلة و/أو فصلها عن الغرب إلى أجل غير مسمّى. فهو لا يستطيع الاستمرار في حرب تُخلّف عشرات الآلاف من الضحايا شهريًا، وتدمّر الاقتصاد الروسي، وتزيد من صعوبة ظهوره العلني، هو وغيره، خشية الاغتيال. وكان اضطرار روسيا إلى تقليص عرض «عيد العمال» (الأول من أيار) بسبب مخاوف من تدمير الطائرات المسيّرة الأوكرانية لمعدّات عسكرية ثمينة إهانةً إضافية. وسيضطر، في مرحلة ما (وأرجّح أن يكون ذلك عاجلًا لا آجلًا)، إلى القبول بوقف إطلاق نار يعكس وقائع الميدان، أو—إن رفض—أن يعرّض استمرار حكمه للخطر. وما يتبادر إلى الذهن، إذا لم يغيّر بوتين مساره، هو حرب أفغانستان التي سرّعت انهيار الاتحاد السوفياتي.
ستظهر انتقادات داخلية في روسيا إذا مضى بوتين في هذا الاتجاه، مع أصواتٍ تقول إن الحرب كان ينبغي أن تستمر، أو كان يجب خوضها بطريقة مختلفة، أو كان ينبغي ألا تبدأ أصلًا. ومع ذلك، أتوقع أن بوتين قد ينجو من مثل هذه النتيجة، إذ سيتحدث عمّا كسبته روسيا، ولا سيما القرم وأجزاء من شرق أوكرانيا. كما سيستفيد بلا شك من الارتياح الشعبي إزاء إنهاء الكلفة البشرية للحرب، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية لوقف إطلاق النار. وقد يزعم أيضًا أن ما حدث ليس سوى هدنة، وأنه لم يتنازل عن مطالب روسيا في أوكرانيا، إذ إن اتفاق سلام شاملًا قد يكون بعيد المنال بالنسبة إلى الطرفين.
يواجه ترامب، بدوره، مجموعة مسائل مشابهة: فالحرب مع إيران لن تؤدي إلى تغيير النظام في طهران، ولا إلى إنهاء برنامجها النووي، ولا إلى القضاء على قدرتها على تعطيل استخدام مضيق هرمز من قبل الآخرين. كما أن استمرار الحرب أو تصعيدها لن يقرّب الولايات المتحدة من تحقيق هذه الأهداف؛ بل على العكس، قد يفضي إلى نتيجة تُلحق مزيدًا من الضرر بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة.
في الوقت نفسه، يمثّل عامل الزمن مشكلة لترامب من ناحيتين. أولًا، كما أظهرت الأيام الأخيرة، فإن وقف إطلاق النار هشّ في أفضل الأحوال، ومن السهل تصور وقوع حوادث تتصاعد بسرعة. وثانيًا، تتفاقم يومًا بعد يوم الآثار الاقتصادية لإغلاق المضيق، داخليًا وخارجيًا—إن جاز التعبير.
ولا شكّ في أن الآثار الاقتصادية لإغلاق المضيق ستكون كارثية على إيران أيضًا. فالولايات المتحدة وإيران ستستفيدان من مخرج دبلوماسي. وما زلت أعتقد أن مقاربة «المضيق أولًا» هي الأكثر منطقية نظرًا للإلحاح الاقتصادي لإعادة فتح الممر المائي، فضلًا عن الحاجة إلى تجنّب حوادث قد تؤدي إلى تجدد القتال واسع النطاق. وأرى كذلك أن ملامح اتفاق مقبول للطرفين موجودة: قبول جماعي بأن المضيق ممرّ مائي دولي؛ إنشاء هيئة جديدة تضمّ إيران (من دون أن تهيمن عليها) للإشراف على استخدام المضيق؛ اعتماد هيكل رسومٍ معتدل على العابرين (يعود بالنفع على الدول المشاطئة، ويسهم في تمويل إزالة الألغام ومعالجة تسرّبات النفط، ويحفّز إيران على إبقاء المضيق مفتوحًا)؛ وإنشاء خطّ ساخن مخصّص لإدارة أي حوادث. ويمكن دعم هذا الترتيب الجديد للمضيق بوجود عسكري محدود توفّره الدول الأكثر اعتمادًا على صادرات المنطقة، أي الدول الأوروبية ودول المحيطين الهندي والهادئ.
أما المفاوضات بشأن الملف النووي—وهو نقطة الخلاف الرئيسية الأخرى بين الطرفين—فيمكن أن تبدأ بالتوازي أو على نحو متدرّج. وما يمكن تحقيقه يتمثّل في اتفاق يقضي بتخفيف نسبة تخصيب الوقود الموجود لدى إيران أو نقله إلى الخارج، ووضع سقفٍ لعمليات تخصيب اليورانيوم مستقبلًا، وإعادة إدخال المفتشين الدوليين. وسيُبلَّغ الجانب الإيراني بأن أي تغيير في وضع برنامجه النووي خلال الفترة الانتقالية—كأي خطوة تقرّبه من امتلاك سلاح نووي—سيُعدّ غير مقبول، وسيؤدي إلى إنهاء وقف إطلاق النار.
وسيكون الحافز لإيران للموافقة على اتفاق بشأن مستقبل المضيق هو الاستفادة من استئناف صادرات النفط والغاز إلى اقتصادها المتعثر. أما الحافز لاتفاق نووي، فسيكون تخفيف العقوبات وإعادة الأصول المجمّدة. وكل ذلك مهمّ لقادتها الجدد، إذ يبقى «كعب أخيل» النظام هو ضعف الاقتصاد الوطني.
فهل سيكون من الصعب على دونالد ترامب الموافقة على مثل هذا الترتيب؟ لا شكّ في ذلك. إذ سيتعيّن عليه قبول إيران لم تُنزع أسلحتها ولم تُخضع. كما أن هدفه بتغيير النظام سيكون قد فشل. وسيكون الوضع المرتبط بإعادة فتح المضيق أسوأ قليلًا من الوضع السابق، لكن سيُعوَّض ذلك جزئيًا بالارتياح الواسع لانخفاض أسعار الطاقة واستعادة سلاسل الإمداد. ويمكنه الإشارة إلى اتفاق نووي قد يكون، أو يمكن أن يكون، تحسينًا ما على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). فهل يبرّر كل ذلك الحرب؟ بكلمة واحدة: «لا». لكنه قد يوفّر غطاءً كافيًا لترامب لتغيير مسار الخطاب، وتهدئة قاعدته الانتخابية وسائر الناخبين، وانتشال نفسه—وكذلك بلاده والعالم—من المأزق الذي أوقعهم فيه.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
