القدس تحت الضغط: تصاعد الاعتداءات يهدد الوجود المسيحي والإسلامي في المدينة

تشهد مدينة القدس المحتلة تصاعداً مقلقاً في وتيرة الاعتداءات التي تستهدف الوجودين المسيحي والإسلامي، في سياق يرى مراقبون أنه يتجاوز الحوادث الفردية ليأخذ طابعاً منظماً يهدد البنية الديموغرافية والدينية للمدينة. وتفيد تقارير وإحصاءات مستقلة بأن هذه الاعتداءات بلغت مستويات غير مسبوقة، ما أثار قلقاً متزايداً محلياً ودولياً.

وقد أبرزت حادثة الاعتداء على راهبة مسيحية فرنسية في القدس مؤخراً حجم التوتر القائم، حيث لاقت الحادثة صدى واسعاً في وسائل الإعلام العالمية، وأعادت تسليط الضوء على أوضاع المسيحيين في المدينة، سواء من السكان الفلسطينيين أو من الزوار الأجانب. وتأتي هذه الواقعة ضمن سلسلة من الحوادث التي لم تعد تُعدّ معزولة، بل تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات.

وبحسب مؤسسات تُعنى برصد اعتداءات المستوطنين، فقد تم تسجيل 181 حالة اعتداء خلال عام 2025، فيما سُجلت 44 حادثة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 فقط. وتشير هذه الأرقام إلى تسارع ملحوظ في وتيرة الاعتداءات، في وقت يؤكد فيه سكان محليون أن الانتهاكات ضد المسلمين في المدينة تكاد تكون يومية.

ويشير متابعون إلى أن الإجراءات التي تعلنها السلطات الإسرائيلية عقب كل حادثة لا تنعكس بشكل ملموس على أرض الواقع، إذ تتكرر الاعتداءات دون وجود رادع فعّال. وقد بلغت هذه الانتهاكات ذروتها مؤخراً مع إغلاق المسجد الأقصى لفترة امتدت إلى أربعين يوماً، ومنع المسيحيين من إحياء أحد الشعانين عشية عيد الفصح، في خطوة أثارت انتقادات واسعة.

وفي الضفة الغربية المحتلة، تتواصل اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية بوتيرة مرتفعة، وتشمل – وفق تقارير ميدانية – استخدام الأسلحة النارية التي وزعها وزير الأمن الداخلي اليميني بن غفير على المستوطنين الارهابيين، والاعتداء على الممتلكات، وإحراق المنازل والمزارع، إضافة إلى فرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم. ويرى مراقبون أن هذه الممارسات تسهم في خلق بيئة إرهاب طاردة للسكان.

وقد أدت هذه التطورات، بحسب تقديرات، إلى تراجع نسبة الوجود المسيحي في القدس إلى نحو 3%، مع تسجيل معدلات هجرة تتراوح بين 10% و13% خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يُنظر إليه على أنه تحول ديموغرافي مقلق يهدد التنوع التاريخي للمدينة ويسهم في تهويدها.

وتوجه تقارير حقوقية أصابع الاتهام إلى سياسات حكومية وشخصيات سياسية بارزة، منها الوزير بن غفير والوزير سموتريش معتبرة أن هناك دعماً غير مباشر – أو تقصيراً في الردع – يسهم في استمرار هذه الاعتداءات. كما تشير هذه التقارير إلى دور بعض المنظمات الاستيطانية الإرهابية في تغذية هذا الواقع.

على الصعيد الدولي، يواجه المجتمع الدولي انتقادات بسبب ما يُوصف ببطء الاستجابة، سواء في الحد من تمويل بعض الجهات المتورطة أو في اتخاذ مواقف أكثر حزماً. كما تُطرح تساؤلات حول مسؤولية الدول التي يحمل معظم المستوطنين جنسيتها، وإمكانية مساءلتهم قانونياً.

في المقابل، يرى محللون أن هناك حاجة إلى تحرك سياسي وقانوني أكثر فاعلية من الأطراف المعنية بما في ذلك الأردن، الذي يطلع بالولاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة والسلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة السيادة، لحشد دعم دولي يضع حداً لهذه الانتهاكات ويضمن حماية المدنيين والمقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس المحتلة وصون الوضع الديني والتاريخي في القدس.

في ظل هذه المعطيات، تبقى القدس أمام تحدٍ متزايد للحفاظ على هويتها التاريخية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا التصعيد إلى تغييرات دائمة في واقعها الديموغرافي والديني.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.