سيناريوهات حرب إيران: أكثرها تفاؤلاً «سلام منقوص»… ولبنان «مؤشر» محتمل للتصعيد

عن الصحافة الغربية

نحن بإزاء حرب اختيار – وبالمحصّلة، فقد تركت هذه الحرب الولايات المتحدة في وضع أسوأ. من نافل القول إن إيران تبدو أضعف إذا ما قيس الأمر حصراً بقدراتها العسكرية التقليدية، غير أن ذلك يكاد يكون الإنجاز الوحيد الذي يمكن للإدارة التفاخر به. (إذ إن الجزء الأكبر من تدهور موقع إيران الاستراتيجي يعود إلى تطورات سبقت هذه الحرب). أما في ما يتعلق بالحرب نفسها، فإن معظم المؤشرات الأخرى تُظهر أن الولايات المتحدة، والمنطقة، والعالم باتوا في الواقع في وضع أسوأ.

فتعثّر المفاوضات لا يعود فقط إلى التباعد الكبير بين الطرفين، بل أيضاً إلى أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية—والتي قامت على افتراض غير واقعي بإمكانية إحداث تغيير في النظام—قد عقدت جهود إنهاء الحرب، من خلال إيصال شخصيات أكثر تشدداً إلى السلطة من تلك التي تم استبدالها. والأكثر إثارة للقلق، فيتمثل بأن ميزان القوى داخل إيران بين رجال الدين والسياسيين من جهة، وقادة الحرس الثوري (على حساب الجيش النظامي) من جهة أخرى، قد مال لصالح الحرس الثوري. صحيح أن إسرائيل والولايات المتحدة حققتا قدراً من “تغيير النظام”، لكن ليس بالشكل الذي كانتا تقصدانه.

بالتالي، تواجه إدارة ترامب في هذه المرحلة ثلاثة خيارات: التصعيد، أو المراوحة، أو التفاوض.

تكمن مشكلة التصعيد—أي استئناف العمليات العسكرية—في أنه لن يؤدي لا إلى استسلام إيران ولا إلى تغيير النظام فيها، كما لن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز. بل على العكس، إذ سيستنزف التصعيد الموارد العسكرية الأميركية المحدودة والمتناقصة. إضافة إلى ذلك، فإن قائمة الأهداف المتبقية أمام الجيش الأميركي ضعيفة الجدوى. أما الهدف الوحيد القادر على إحداث فارق—وهو البنية التحتية للطاقة في إيران—فسيؤدي إلى رد إيراني يستهدف البنى التحتية للطاقة والمياه لدى جيرانها، ما يحوّل الأزمة إلى كارثة.

أما خيار المراوحة، فيعني الإبقاء على الوضع القائم. وتكمن المشكلة الواضحة في أن المضيق سيبقى مغلقاً، ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية. لكن لا يكون هذا الخيار منطقياً إلا إذا افترضنا أن قدرة الولايات المتحدة على تحمّل تداعيات إغلاق المضيق تفوق قدرة إيران، أي الدخول في لعبة “حافة الهاوية” الاقتصادية والجيوسياسية. بالطبع، قد يكون ذلك ممكناً نظراً للوضع الاقتصادي المتردي في إيران، لكنه ليس مؤكداً بأي حال. وفي جميع الأحوال، ستدفع المنطقة والعالم ثمناً متزايداً مع استمرار هذه المراوحة.

كما أن خيار المراوحة يستلزم توضيح “الخطوط الحمراء” الأميركية لإيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي، بحيث تُبلغ واشنطن طهران بأن بعض الإجراءات ستقابل بضربات عسكرية تستهدف البنية التحتية النووية. إلا أن المشكلة تكمن في صعوبة التحقق مما يجري في غياب عمليات التفتيش، فضلاً عن أن أي ضربات قد تنزلق سريعاً إلى تصعيد واسع يعيد إشعال النزاع.

يبقى الخيار الثالث، وهو الدفع نحو صفقة. صحيح أن هذا الخيار قد يُفسَّر على أنه مؤشر ضعف، ما يدفع القيادة الإيرانية إلى رفع سقف مطالبها، إلا أنه يبقى الخيار الأقل سوءاً. علماً بأن المفاوضات الدبلوماسية انحصرت إلى حد كبير في مسألتين أساسيتين: الأولى هي المضيق، الذي يؤدي إغلاقه إلى اضطراب الاقتصاد العالمي وتهديد الأمن الغذائي؛ والثانية هي مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

يتمثل أفضل سيناريو للمضيق في عرض إنهاء الحصار مقابل تنازل إيران عن السيطرة على تحديد من يمر عبره. ويمكن أن يترافق هذا الانسحاب المتبادل مع اقتراح إنشاء هيئة إقليمية لإدارة المضيق، قد تُمنح صلاحية فرض رسوم على السفن العابرة.

أدرك أن هذا الخيار يمسّ بمبدأ حرية الملاحة ويشكّل سابقة خطيرة للممرات المائية الأخرى، غير أن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة قد لا تكون الطرف المهيمن في هذه المعادلة. فمن غير الواقعي الاعتقاد بإمكانية العودة إلى الوضع السابق، خاصة في ظل محدودية أدوات الضغط الأميركية. كما أن الخطاب التصعيدي للرئيس ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي فقد الكثير من تأثيره، في حين أن استئناف العمليات العسكرية لن يحقق مكاسب تُذكر، بل سيعرّض المنطقة بأكملها لمخاطر جسيمة.

هكذا، سواء تم التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق أم لا، سيكون من المفيد إنشاء قناة اتصال دائمة (على مدار الساعة) بين الولايات المتحدة وإيران (وربما أطراف أخرى) لإدارة حركة العبور، بما يقلل من احتمالات وقوع حوادث غير مقصودة.

أما المسألة الثانية فهي البرنامج النووي. وأفضل نتيجة ممكنة تتمثل في اتفاق تفاوضي جديد يتناول مسألة اليورانيوم المخصب الموجود في إيران، سواء عبر إخراجه من البلاد أو تخفيف نسبة تخصيبه. كما ينبغي أن يتضمن الاتفاق وقفاً مؤقتاً—أو سقفاً محدداً—لأنشطة التخصيب، إلى جانب آلية رقابة. هنا، يمكن وصف الاتفاق بأنه نسخة موسعة من سابقه (JCPOA-plus). إذ صحيح أنه لا يحل المشكلة جذرياً، لكنه يديرها، وهو الخيار المتاح الأقل سوءاً.

لا أزال أرى أن التوصل إلى نوع من الصفقة هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، نظراً للواقع الاقتصادي لكل من الولايات المتحدة وإيران. وتزداد فرص نجاح هذا الخيار إذا ما تم استبعاد ملفات أخرى، وعلى رأسها دعم إيران للوكلاء الإقليميين ومستقبل قدراتها العسكرية التقليدية. قد لا يرضي ذلك إسرائيل، لكن هامش الضغط الأميركي على إيران محدود، ولن يكون أمام إسرائيل ورئيس وزرائها خيار سوى القبول إذا أصرّ ترامب على ذلك للخروج من المأزق الذي أوجده.

إضافة إلى ذلك، تعزز قدرة إيران على القبول باتفاق حول المضيق والملف النووي في حال أبدت الولايات المتحدة استعداداً لإعادة الأصول المجمدة وتخفيف العقوبات. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: ماذا لو رفضت إيران تقديم تنازلات معقولة؟ ينبغي أن يكون إعداد خطط بديلة لمثل هذا الاحتمال أولوية قصوى. أما خيار الانسحاب الكامل—أي القبول بسيطرة إيران على المضيق وترك الحلفاء يواجهون الأمر—فهو خيار غير مسؤول واستراتيجيّاً مضر، ولا ينبغي اعتماده عملياً.

أخيراً، ينبغي الافتراض أن أي نهاية لهذه الحرب ستكون هشة للغاية، نظراً لطبيعة النظام الإيراني واكتشافه لأهمية الورقة التي يملكها عبر السيطرة على المضيق. ويزيد من الغموض المستقبلي احتمال استمرار دعم إيران لوكلائها، واستمرار إعادة تسليحها، فضلاً عن اهتمامها الدائم بالسلاح النووي.

وقد تؤدي واحدة أو أكثر من هذه السياسات إلى تدخل عسكري جديد من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة أو كليهما. كما قد نرى مؤشراً مبكراً على ذلك في لبنان، حيث من غير المرجح أن يصمد وقف إطلاق النار الذي لا يشمل “حزب الله”.

باختصار، حتى أكثر السيناريوهات تفاؤلاً لا يعد بأكثر من سلام منقوص.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.